هبة العقار غير المحفظ بين الرضائية والعينية

هبة العقار غير المحفظ بين الرضائية والعينية

هبة العقار غير المحفظ بين الرضائية والعينية

تبرز أهمية عقد هبة العقار غير المحفظ في كونها تحتل حيزا مهما في النزاعات المعروضة أمام القضاء، بالإضافة إلى أن التشريع لم يتطرق لها بشكل كاف الاستيعاب كل النزاعات المتارة بشأنها لكون اغلب قواعدها منظمة بالفقه المالكي

فإذا كان التقييد في السجلات العقارية كافيا لتحقق الحيازة في عقود الهبة إذا كان العقار محفظا فان الإشكالية تطرح إذا تعلق الأمر بعقارات غير محفظة ، الشيء الذي يثير إشكالية الحيازة المادية وكيفية إثباتها ، باعتبارها صورة جلية المظهر العينية في العقود.

لذلك سنكتفي في تحليلنا بالعقارات غير المحفظة ولتناول هذا موضوعنا التأصيلي هذا والمتعلق بالحيازة في عقود هبة العقار غير المحفظ ، ارتأينا تقسيم مقالنا هذا إلى فقرتين ، الفقرة الأولى تخصصها للحديث عن فترة ما قبل صدور مدونة الحقوق العينية و الفقرة الثانية لفترة ما بعد صدورها كالتالي:

 الفقرة الأولى: مرحلة ما قبل صدور مدونة الحقوق العينية

باعتبار أن عقد الهية لم يعرفه المشرع ولم ينظمه بالشكل الكافي في هذه المرحلة، لاستيعاب من مختلف الجوانب ، الدفع القضاء للجوء إلى أحكام الفقه المالكي، لسد النقص الحاصل في المنظومة التشريعية ولذلك فان دراستنا في هذه المرحلة ستقتصر على منظور أحكام الفقه المالكي للحيازة في الهبة باعتبارها مظهرا للعينية.

حيث يقول فقهاء الحنابلة والحنفية والشافعية، بأن القبض (الحيازة) شرط للزوم الهبة حتى أنه لا ينبت الملك الموهوب له قبل القبض أي لا تصح الهبة إلا بحيازته أما المالكية، فيرون أن الهبة تملك بمجرد العقد أي بالإيجاب والقبول فادا قبل الموهوب له الهبة، فقد صح له ملكيتها، ولو لم يقبضها بالفعل فالقبول في عقد الهبة لا بد منه لا تصح إلا بدونه، أما حيازتها وقبضها قبل حصول المانع، فهو شرط لتميمها، لا تتم إلا به

بمعنى أن الحيازة لا بد أن تحصل والواهب صحيح العقل، فلو تأخر قبض الهبة وحيازتها حتى مات الواهب، أو مرض، أو أفلس أو أحاط الدين بماله بطلت الهبة وصارت من حق الورثة والغرماء ففي الموطأ ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت ” إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غني بعدي منك ولا أعز على فقرا بعدي منك ، و إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هما أخوالك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة فقلت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى فقال أبو بكر أو ذو بطن بنت خارجة أراها جارية “

للموهوب له أن يطلب بالحيازة وله أن يجبر الواهب على أن يمكنه من قبض الهبة، لأنه ملكها بالعقد لا بالحيازة كما يملك المبيع والحرز في العقار يتم عن طريق الإشهاد العدلي، أو ما يطلق عليه لمعاينة البينة، و عن طريق استغلال العقار بالحرث والزراعة بنفسه أو بواسطة الغير أثناء حياة الواهب

إن الملاحظة الأساسية الواجب إبداؤها أن المالكية يرون الهبة تملك بمجرد العقد، أي بالإيجاب والقبول وغيرهم من المذاهب الأخرى يرون أن الهبة لا تملك إلا بالحيازة الفعلية، وعلى هذا النهج سار الاجتهاد القضائي حيت نسوق هاذين القرارين :

القرار عدد 197 المؤرخ بتاريخ 6 ابريل 2005، الملف الشرعي عدد 2003 / 1 / 2 /333 “… والفقه الإسلامي يقر أن الحيازة تثبت وتتحقق بكل تصرف يدل على حصولها بالكراء و المغارسة والمساقة، وأن تصرف المتصدق عليها بنوع من تلك التصرفات دليل على حصول الحيازة واعتبارها محققة، عملا بقول سيدي عبد الرحمان بني عبد القادر الفاسي و عن معاينة حوز يكفی کراء ونحو في الوقف.

ولما كان لم يأخذ القرار المطعون فيه ما سار عليه الفقه في اعتبار ما ذكر حيازة يكون غير مرتكز على أساس…”

و قرار محكمة الاستئناف بمكناس عدد 21465 الصادر في 22 أبريل 1974 بالملف 13753 الذي أبطل عقد الهبة العرفي المحرر في 10 يناير 1962 و المعروف بإمضائه في 20 يناير 1962 الوارد على الملك موضوع الرسم العقاري 9419، “و لعدم توفر شرط الحيازة لمعاينة البينة لها إضافة إلى ما بثت من كون الملك المتبرع به مرهون وهو في حيازة المرتهن، فلا تتأتي مع ذلك حيازة المتبرع عليه له، وهذا القرار إن كان يقرر ضرورة ثبوت الحيازة بمعاينة البنية لا فرق في ذلك الملك المحفظ و غير المحفظ فإنه لا يتناول الجانب المطروح للنقاش، وهو إمكانية الاستغناء عنها بالتسجيل للملك المتبرع به يقوم مقام الحيازة و يغلي عنها

الفقرة الثانية: مرحلة ما بعد صدور مدونة الحقوق العينية

إن أغلب عقود الهبة بما في ذلك المنصبة على العقارات غير المحفظة تخضع لمبادئ الفقه المالكي نظرا لغياب نصوص قانونية خاصة بها لكن مع صدور قانون 08 . 39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية والتي خصت لعقد الهبة 17 مادة، من المادة 273 إلى 289 ليصليح عن الهبة بذلك عقدا مسمی , فقد خصه المشرع بتعريف في المادة 273 وكذا بنظام قانونی خاص به في باقي المواد على غرار بعض التشريعات الأخرى

وبالرجوع للفقرة الأولى من المادة 273 من مدونة الحقوق العينية نجدها تنص على أن الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول، والفقرة الرابعة من نفس المادة على أن إدراج مطلب التحفيظ للعقار يغني عن الحيازة الفعلية

والملاحظة الأساسية الواجب إبداؤها من خلال استقرائنا للفقرتين أعلاه أن عقد الهبة عقد رضائي يكفي لانعقاده الإيجاب والقبول ( عملا بمنطوق الفقرة الأولى من المادة 274 من مدونة الحقوق العينية) دون اشتراط الحيازة الفعلية للملك الموهوب، تماشيا مع موقف الفقه المالكي بهذا الخصوص، حين اشترط لصحة العقد الإيجاب والقبول ولم يشترط الحيازة كما فصلنا في ذلك في الفقرة الثانية

الخاتمة

الشكل يكون ركنا في العقد ويستوجب مراعاته عند التعاقد ، لأنه يعبر بصورة واضحة ومحدودة عن محتوى العقد. كما أنه يلعب دورا وقائيا وهاما بالنسبة للأطراف، لأنه يخول للمتعاقدين أثرا كتابيا للعقد يمكنهم في حالة ما إذا حدت نزاع بينهم اعتماده للإتبات.

ومع صدور مدونة الحقوق العينية، التي تندرج في إطار تحديت المنظومة التشريعية، حيث قامت بتوحيد المقتضيات القانونية المتعلقة بالحقوق العينية المطبقة على العقارات المحفظة و غير المحفظة، وهو اتجاه صحيح وسليم سيساهم بشكل كبير في حماية الحقوق.

وقد يساعد الشكل السلطة العمومية في حصر العقود المبرمة بين الأشخاص، لتتمكن من ممارسة رقابتها على العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تربط بينهم خاصة

لكن إلى أي حد سيتمكن القضاء من حسم النزاعات التي تنشا عن العقار نظرا لازدواجيته (محفظ و غیر محفظ) في ظل الترسانة القانونية الجديدة

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!