مقالات

نقل الملكية والضمان

أولا: نقل الملكية

نقل الملكية في العقار المحفظ يختلف عن نقل الملكية في العقار غير المحفظ، بحيث يتطلب إجراءات إضافية، فبعد تحرير العقد يلزم تقديمه إلى إدارة الضرائب لتسجيله، وتسليم الرسوم حسب الأحوال، لتأخذ الدولة نصيبها على أساس القيمة التي حددت للعقار محل العقد.

ثم بعد ذلك يقدم العقد للمحافظة العقارية، لتقوم بتسجيله في الرسم العقاري، فيتم التشطيب على اسم المالك القديم أي الواهب، ليحل محله المالك الجديد أي الموهوب له.[1]

ولا يعتبر الموهوب له مالكا للشيء الموهوب إلا من تاريخ التسجيل في الرسم العقاري، أما قبل ذلك فإن الموهوب له وإن كان حائزا للعقار المحفظ حوزا عينيا وينتفع به، فإنه ليست له صفة مالك للحق العيني، وذلك حسب مقتضيات الفصلين 66 و67 من ظ.ت.ع

يقول الأستاذ محمد خيري: “التصرف الذي يتم تقييده يصبح الحق بمقتضاه ثابتا وموجودا، والتصرف الذي لم يقع تسجيله لا يتوفر صاحبه على أي مزية قانونية، مهما كانت المستندات التي يعتمد عليها لإثبات حقه”. [2]

فالعقود لا تفيد في شيء ما لم تسجل بالرسم العقاري، واستنادا لذلك قرر المجلس الأعلى بأنه: “لا وجود لأي حق عيني يتعلق بعقار محفظ، حتى بين المتعاقدين، إذا لم يكن مسجلا بالرسم العقاري. وأن شهادة الموثق لا تكفي ولو بين المتعاقدين لإثبات تملك حق عيني لم يتم تسجيله بالرسم العقاري لعقار محفظ.

ثانيا: الضمان

الضمان في الهبة ينقسم إلى: ضمان التعرض والاستحقاق، وضمان العيب والهلاك

أ – ضمان التعرض والاستحقاق

– يضمن الواهب التعرض الصادر منه، فلا يجوز له أن يأتي أعمالا مادية أو يقوم بتصرفات قانونية تتضمن اعتداء على حقوق الموهوب له.

كما يضمن الواهب التعرض الصادر من الغير وذلك إذا ادعى الغير حقا على الموهوب سابقا على الهبة، أو تاليا لها وكان مستمدا من الواهب.[3]

– وبالنسبة ضمان الاستحقاق، ويعني ضمان الملكية الشرعية لمحل الالتزام وتمكين المستفيد من التمتع به دون منازع. فقد جاء في م.ح.ع. بأن الواهب لا يلتزم بضمان استحقاق الهبة، وذلك حسب منطوق الفقرة الأولى من المادة 281: “لا يلتزم الواهب بضمان استحقاق الملك الموهوب من يد الموهوب له”.

وقواعد الاستحقاق في التبرع بعقار محفظ تتأثر لا محالة بقواعد القانون العقاري، فلا يخفى أن أي حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غي موجود سواء فيما بين المتعاقدين أو في مواجهة الغير إلا من تاريخ تسجيله بالرسم العقاري.

وهكذا يختلف تأثير قواعد القانون العقاري على قواعد الاستحقاق بحسب ما إذا كان عقد التبرع قد سجل بالرسم العقاري أم لم يسجل به.

فإذا تبرع شخص بعقاره المحفظ على شخص آخر، ولم يتم تسجيل هذا التبرع بالرسم العقاري، فقام شخص ثالث على المتبرع عليه يطالبه باستحقاق ذلك العقار، بناء على سند ناقل للملكية، ففي هذه الحالة يمكن الحديث عن قواعد الاستحقاق دون أن تؤثر عليها قواعد القانون العقاري. وصورتها أن يبيع شخص هو (أ) عقاره المحفظ لشخص آخر هو (ب)، ولم يقع تسجيل ذلك البيع، فعمد (أ) إلى التبرع بنفس العقار على شخص ثالث هو (ج) وحاز هذا الأخير العقار حوزا فعليا لكن دون أن يسجل التبرع كذلك في الرسم العقاري. فإذا قام (ب) بطالبة (ج) باستحقاق ذلك العقار على أساس توفره على سند ناقل للملكية وهو عقد البيع السابق في التاريخ على سند المتبرع عليه، فهنا يستحق المشتري العقار من يد المتبرع عليه.

أما إذا وقع تسجيل التبرع بالرسم العقاري، فينبغي التفريق بين المتبرع عليه سيء النية، والمتبرع عليه حسن النية :

ففي نفس المثال السابق إذا كان المتبرع عليه سيء النية بأن كان عالما بوقوع البيع ومع ذلك قبل التبرع إضرارا بالمشتري ورغبة في حرمانه من العقار الذي اشترى وبادر إلى تسجيل سند التبرع بالرسم العقاري، فهنا لا يستطيع المتبرع عليه أن يتحصن وراء الأثر المنشئ للتسجيل.

فالعقد المسجل الذي انطوى على غش وتواطئ هو عقد باطل ولا يخلصه التسجيل من البطلان.[4] وفي هذا السياق جاء في قرار للمجلس الأعلى أنه لما كانت الطاعنة أبرمت عقد بيع ثان مع زوجها للأرض المتنازع عليها بتاريخ 1 دجنبر 1962 وكانت على علم بوجود البيع الأول المبرم بتاريخ 21 شتنبر 1962 لفائدة مشتري آخر، وأن الزوجة أبرمت البيع باتفاق مع زوجها تدليسا منهما حتى لا يتوصل المشتري الأول إلى التمتع بما اشتراه، فلا يضر في شيء كون البيع الذي أبرمته مع زوجها وقع تسجيله بالسجل العقاري دون البيع الأول. وتكون المحكمة على صواب حينما قضت…أن البيع التالي تاريخه لاغ ولا يعتد به لما وقع فيه من تدليس ويتعين بالتالي تشطيبه من الرسم العقاري لتمكين المشتري الأول من تقييد شرائه”.

وعلى الرغم من أن هذا القرار يتعلق بالبيع، فإنه لا فرق بين البيع والتبرع بالنسبة للتسجيل، فكلها تدخل في زمرة العقود الناقلة للملكية.

هذا عن المتبرع عليه سيء النية، أما إذا كان حسن النية، فإن التسجيل يحصنه في مواجهة قواعد الاستحقاق وبالتالي لا يمكن نزع العقار منه ولو أن تاريخ التبرع جاء لاحقا عن تاريخ التصرف المعتمد عليه للمطالبة بالاستحقاق، وذلك أنه في حالة تفويت نفس العقار لعدة مرات فإن الملكية تثبت لمن بادر إلى تسجيل عقد تفويته قبل الآخرين وبغض النظر عن تاريخ هذا التفويت.

ويستخلص من ذلك كله أن الاستحقاق يكون له محل في التبرع بالعقار المحفظ إذا لم يسجل عقد التبرع في الرسم العقاري، أو إذا سجل بسوء نية.

إلا أن هذه الحالة الأخيرة تخرج عن نطاق ضمان الاستحقاق مادام المتبرع عليه سيء النية كان عالما بسببه، ولذلك ليس له الحق في الرجوع على المتبرع عليه بهذا الضمان ومن ثم فلم يبق محل للضمان إلا في حالة عدم تسجيل التبرع في الرسم العقاري بشرط أن يكون المتبرع عالما بسبب الاستحقاق وأخفاه على المتبرع. [5]

ب – ضمان العيب والهلاك

– ضمان العيب

لما كانت عقود التبرع – بخلاف المعاوضة -عقودا ملزمة لجانب واحد، نظرا لأن المتعاقد فيها لا يأخذ مقابلا لما يعطيه، فإن نطاق ضمان المتبرع يكون أضيق من نطاق ضمان المعاوض.

فالأصل في عقود التبرع هو عدم ضمان العيوب التي قد تكون متلبسة بالعقار موضوع التبرع، وأن هذا الضمان لا يقوم إلا بصفة استثنائية.

يقول ابن رشد الحفيد: “…كما أن العقود التي ليس المقصود منها المعاوضة، لا خلاف أيضا في أنه لا تأثير للعيب فيها، كالهبات لغير الثواب والصدقة”.[6]

وجاء في المادة 281 م.ح.ع.: “لا يلتزم الواهب بضمان استحقاق الملك الموهوب من يد الموهوب له، كما لا يلتزم بضمان العيوب الخفية.

لا يكون الواهب مسؤولا إلا عن فعله العمد أو خطئه الجسيم”.

فالواهب لا يضمن إلا العيوب التي تعمد إخفاءها[7] أو أكد انتفاءها.[8] كما يضمن ما يشترطه على نفسه لصالح الموهوب له،[9] أو إذا ضمن في اتفاق خاص خلو العين الموهوبة من العيوب ثم ظهر بها عيب،[10] ويتبين من ذلك أن أساس الضمان في عقود التبرع ليس هو العقد في حد ذاته وإنما هو خطأ المتبرع من جهة أو التزامه بهذا الضمان من جهة ثانية.

ومع ذلك فإنه في حالتي تعمد الواهب إخفاء العيب وضمان خلو العين الموهوبة من العيوب لا يلزم بتعويض الموهوب له عن العيب ذاته، أي عن نقص قيمة العين الموهوبة بسبب العيب.[11]

غير أن المتبرع يتحمل مسؤولية الضرر الذي قد يلحق المتبرع عليه من جراء العيب العالق بالعقار المتبرع به، وذلك طبقا لمقتضيات الفصل 77 من ق.ل.ع. المغربي الذي ينص على أن: “كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار من غير أن يسمح له به القانون فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، التزم مرتكبه بالتعويض عن الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر، وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر”.

– ضمان الهلاك

إذا كان الأصل في عقود التبرع هو عدم الضمان فإن الهلاك الذي قد يصيب العقار المتبرع به لا يتحمل مسؤوليته المتبرع، فإن كان العقار لا يزال تحت يد هذا الأخير بعد إبرام التبرع وأصابه الهلاك فإن تبعته يتحملها المتبرع عليه.

إلا أن المتبرع إذا امتنع عن تسليم العقار المتبرع به للمتبرع عليه رغم مطالبة هذا الأخير له، أو رغم حلول الأجل المتفق عليه للتسليم، فإنه يكون في حالة مطل وبالتالي يتحمل بالضمان إذا ما هلك العقار في يده، حيث ينص الفصل 259 من ق.ل.ع.م. أنه: “إذا كان المدين في حالة مطل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام مادام تنفيذه ممكنا، فإن لم يكن ممكنا جاز للدائن أنت يطلب فسخ العقد وله الحق في التعويض…”. وقد أورد ق.ل.ع.م. في الفصلين 254 و255 الحالات التي يعتبر فيها المدين مماطلا أي ممتنعا عن أداء الالتزام الملقى على عاتقه طبقا للعقد المبرم بينه وبين الدائن، فالحالة الأولى أن يتأخر المدين عن تنفيذ التزامه كليا أو جزئيا من غير سبب مقبول، والحالة الثانية أن يحل الأجل المقرر لتنفيذ الالتزام وفقا لما نص عليه العقد ثم يمتنع المدين عن تنفيذه، والحالة الثالثة إذا لم يكن العقد محددا لأجل معين لتنفيذ التزام المدين فلا يعتبر في حالة مطل إلا بعد أن يوجه إليه أو إلى نائبه إنذارا صريحا بوفاء الدين.


المراجع:

[1]  محمد مغفور، “الهبة في مدونة الحقوق العينية “، م.س.، ص: 99

[2]  محمد خيري، “مستجدات قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي”، منشورات المعارف، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط المغرب، ص: 546.

[3]  عبد الكريم شهبون، “عقود التبرع في الفقه المالكي …”، م.س.، ص.187.

[4]  محمد خيري، “الملكية ونظام التحفيظ العقاري في المغرب”، طبعة 1997، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ص: 469.

[5]  بهاء الدين بناني في رسالته بعنوان: “عقود التبرعات الواقعة على العقارات المحفظة …”، م.س.، ص: 47.

[6]  ابن رشد الحفيد، “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، م.س.، الجزء الأول، ص: 1670.

[7]  أ المادة 281 من م.ح.ع:” لا يلتزم الواهب بضمان استحقاق الملك الموهوب من يد الموهوب له، كما لا يلتزم بضمان العيوب الخفية. لا يكون الواهب مسؤولا إلا عن فعله العمد أو خطئه الجسيم”.

[8]  جلال علي العدوي، “أصول الالتزامات، مصادر الالتزام”، طبعة 1997، مركز الدلتا للطباعة، الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية، ص: 66.

[9]  عبد الرحمان بلعكيد، “الهبة في المذهب والقانون”، م.س.، ص: 279.

[10]  عبد الكريم شهبون، “عقود التبرع في الفقه المالكي …”، م.س.، ص: 188.

[11]  عبد الرزاق السنهوري، “الوسيط في شرح القانون المدني الجديد”، العقود التي تقع على الملكية، الهبة والشركة والقرض والدخل الدائم والصلح، دار النهضة العربية، القاهرة، الجزء الخامس، ص: 165-166. ماستر 2004. ص: 42

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:







Leave a Comment

error: Content is protected !!