نفقة المحضون وكیفیة تقدیرها

نفقة المحضون وكیفیة تقدیرها

نفقة المحضون وكیفیة تقدیرها

لقد حدد المشرع عناصر نفقة المحضون ووضع معاییر تقدیرها ( المطلب الأول) كما أوضح في ذات الوقت أحكام استخلاص النفقة قضائیا من حیث وسائل التنفیذ وكذا أثر عدم تنفیذ الحكم القاضي بالنفقة ( المطلب الثاني )

المطلب الأول: مشمولات نفقة المحضون وكیفیة تقدیرها

تشتمل نفقة المحضون على عناصر أساسیة ( الفقرة الأولى) ویعتمد القاضي في تقدیرها على معاییر أساسیة ( الفقرة الثانیة) .

الفقرة الأولى : مشتملات نفقة المحضون

المشتملات تعني عناصر النفقة  أو قائمة الحاجیات الضروریة لمستحق النفقة  وبناء على المادة 189 فإن النفقة تشمل الغذاء والكسوة والعلاج وما یعتبر من الضروریات والتعلیم للأولاد.

وعلیه فقد اشتملت هذه المادة على ما یلزم لضمان العیش السلیم للمحضون ، لكن إكراهات الواقع تضرب بهذه العناصر ع رض الحائط على اعتبار أن الدخل الفردي ضعیف جدا مما قد یؤثر على القوة الش ا رئیة فتتأثر بالتالي قدرة الآباء على توفیر الغذاء والكساء لأولادهم.

كما تم التنصیص على حق الأولاد في التعلیم وما یتطلب ذلك من مصاریف ، فالتعلیم یعتبر غذاء روحیا للأبناء والأساس الذي یعول علیه لتوسیع مدارك الطفل والخروج به من قوقعة الجهل.

من خلال هذه المشتملات یتضح أنه لم تأت على سبیل الحصر ، وإنما فقط على سبیل المثال ودلیل ذلك إقحامه لعبارة ” وما یعتبر من الضروریات  ومقارنة مع المدونة الملغاة ، نجد أن مدونة الأسرة أضافت الحق في العلاج أو التطبیب باعتباره من أهم الضروریات وذلك في إطار انفتاحها على مقتضیات الاتفاقیة الأممیة لحقوق الطفل.

والنفقة مستقلة عن أجرة الحضانة وعن أجرة الرضاع وذلك بموجب المادة 167 وهي واجبة على الأب نحو أولاده إلى حین بلوغهم سن الرشد وإتمام الخامسة والعشرین بالنسبة لمن یتابع دراسته.

وفي كل الأحوال لا تسقط نفقة البنت إلا بتوفرها على الكسب أو بوجوب نفقتها على زوجها ویستمر إنفاق الأب على أولاده المصابین بإعاقة والعاجزین عن الكسب  ( المادة 198 )

من خلال هذه المادة یتضح أن المشرع قام بتحدید السن الأقصى التي تنتهي عندها النفقة وهي سن الخامسة والعشرین في حالة متابعة الطفل لدراسته وإلا فإن النفقة تتوقف عند سن الرشد القانوني مستثنیا في ذلك البنت ، على اعتبار أن نفقتها لا تنتهي إلا بإثبات أنها تتوفر على الكسب ، أو بوجوب نفقتها على زوجها ، بدخوله بها دخولا صحیحا ، كما أبقى المشرع على نفقة الأولاد المصابین بإعاقة بدنیة أو ذهنیة والعاجزین عن الكسب في ذمة الأب

بید أن الأب إذا كان معسرا لا تجب علیه نفقة الأولاد وإنما تجب على الأم إذا كانت موسرة وقد تم النص على هذه القاعدة بم وجب المادة 199 من مدونة الأسرة “إذا عجز الأب كلیا أو جزئیا عن الإنفاق على أولاده وكانت الأم موسرة ، وجبت علیها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب “.

هكذا إذن وحتى تلتزم الأم بالنفقة على أولادها لابد من تحقق شرط عجز الأب عن الإنفاق وإثباته العسر ویمكن للأم أن تثبت خلاف ذلك.

كما یجب أن تكون الأم موسرة ، ویمكنها إثبات العكس للتخلص من هذا الالتزام وللأب أن یثبت خلاف ذلك ، ومع ذلك یبقى التأكد من عجز الأب أهو كلي أم جزئي مشروطا لیتم تطبیق التزام الأم بالإنفاق

أما في حالة كون المحضون معاقا، فإن النفقة تكون من نصیب الوالدین باتفاق الفقهاء وقد تجب على الأم إن كان الأب معسرا، والأم أولى بالحضانة من غیرها، وإن كان الأبوان معوزین والأم غیر قادرة على الحضانة فالدولة العصریة أحق بالرعایة والإنفاق

فإذا كانت عناصر النفقة واضحة ولا تثیر أي إشكال فإن تقدیرها على العكس من ذلك یصادف بعض المشاكل على اعتبار أنها تبقى مسألة واقع .

الفقرة الثانیة : تقدیر نفقة المحضون

إن تقدیر النفقة یبقى مسألة واقع، تتحكم فیها السلطة التقدیریة لقضاء الموضوع وذلك بناء على مجموعة من العناصر ، هذه العناصر التي تكون بمثابة أسباب التعلیل التي یتوجب على القاضي توضیحها عند كل حكم وإلا اعتبر الحكم ناقص التعلیل وتعرض بذلك إلى النقض

وإذا كانت المدونة السابقة ، فصلت بین معاییر تقدیر نفقة الزوجة والأبناء ، فإن مدونة الأسرة الحالیة اعتمدت على مبدأ الوحدة في معاییر التقدیر وذلك بناء على الفصل  189 حیث جاءت الصیاغة شاملة للزوجة والأبناء ، وهذا یتماشى وفلسفة المدونة القائمة على تحقیق الوحدة بین أف ا رد الأسرة، ولعل هذا هو سبب تسمیتها بمدونة الأسرة .

ونظرا لأن التفصیل في معاییر تقدیر النفقة حین تم الحدیث عنه في الشق المتعلق بالمطلقة فلن أكرر ما قیل، اللهم ما یتعلق بمراعاة الوضعیة المعیشیة والتعلیمیة التي كان علیها الأطفال قبل الطلاق والتي یمكن اعتبارها معیارا جدیدا ینضاف إلى باقي المعاییر السابقة.

فالحدیث عن الوضعیة والمعیشیة والتعلیمیة التي كان علیها الطفل قبل الطلاق یحیل مباشرة على التفریق بین الطفل المنحدر من أسرة میسورة وذلك المنحدرة من أسرة متوسطة أو فقیرة ، ذلك أن حاجیات الأول تختلف عن حاجیات الثاني فكم من طفل كان یتابع دراسته في المدارس الخاصة، وتخلى عنها بعد الطلاق ، وذلك لتكلفتها الباهضة خاصة إذا كان هناك أكثر من طفل، وفي مستویات مختلفة .

ولعل ما یزید الأمر صعوبة ، الع ا رقیل التي تحول دون تنفیذ الحكم القاضي بالنفقة.

المطلب الثاني : استخلاص نفقة المحضون قضائیا

إن استخلاص نفقة المحضون عن طریق القضاء ، یتم التقاضي فیه عادة من طرف الحاضنة ، إلا أنه لم یتم التعرض من طرف المشرع إلى الحالة التي یكون فیها القاصر المستحق للنفقة مضطرا لمقاضاة أبیه الملزم بالنفقة، بید أن القضاء المغربي أجاز للأبناء القاصرین العاجزین عن الكسب توجیه الدعوى مباشرة ضد أبیهم لمطالبته بالنفقة علیهم، وتمكینهم من مستلزمات متابعة دراستهم ما دام في السن المخولة لهم حق النفقة، ولم یقبل دفع الأب بعدم أهلیة أبنائه القصر لرفعهم دعوى النفقة هذه ضده دون ولیهم الذي هو الأب نفسه ، فمنح الطفل أهلیة التقاضي یحقق مصلحته اعتمادا على قاعدة جلب المنفعة ،هذه المصلحة لن تكتمل إلا بعد ما یأخذ الحكم القضائي طریقه نحو التنفیذ ( الفقرة الأولى) ونظرا للصبغة العیشیة للنفقة فقد رتب المشرع جزاء على الممتنع عن أدائها ( الفقرة الثانیة )

الفقرة الأولى : تنفیذ الحكم القاضي بالنفقة

أقر المشرع وسائل لتنفیذ الحكم(أولا) ومتعه بضمانات أساسیة (ثانیا .

أولا – وسائل تنفیذ الحكم

في الواقع الحدیث عن تنفیذ الأحكام یكون منطقیا إذا تعلق الأمر بقواعد الشكل ولیس بقواعد الموضوع، لكن المدونة الجدیدة درجت على إقحام قواعد الشكل في مواقع كثیرة ، وإن كان هذا الأمر ثار حوله نقاش كبیر، إلا أنني أعتقد أن المشرع ، نحا هذا المنحى لإیمانه بأهمیة قضایا الأسرة عامة، وبمعاشها خاصة ، هادفا من وراء ذلك تسریع المسطرة، لكن مع ذلك تبقى المسطرة المدنیة هي صاحبة الاختصاص

فقد نصت المادة191 من مدونة الأسرة على أنه ” تحدد المحكمة وسائل تنفیذ الحكم بالنفقة … على أموال المحكوم علیه أو اقتطاع النفقة من منبع الریع أو الأجر الذي یتقاضاه وتقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفیلة باستمرار أداء النفقة ..”

فمن خلال هذا الفصل یتضح أن الاقتطاع من منبع الریع أو الأجر یعد وسیلة من وسائل تنفیذ الحكم القاضي بالنفقة، كما أوضح الدلیل العملي لمدونة الأسرة بأن أحكام المادة 191 تبرز ما یجب أن تكتسیه الأحكام الصادرة بالنفقة من طابع خاص ، نظرا للدور المعیشي للنفقة وما تقتضیه من طابع الاستعجال، فقد نصت على الدور الأساسي للمحكمة في تحدید وسائل تنفیذ الحكم الصادر عنها بالنفقة وبتكالیف السكن على أموال المحكوم علیه، منقولا كان أو عقا ا ر أو الأمر باقتطاع قدر النفقة من منبع الریع كمبالغ الكراء أو الأجر الذي یتقاضاه الملزم من الدولة أو المقاولة

وزیادة في تفعیل هذا الفصل یعتمد القضاء الغ ا رمة التهدیدیة كوسیلة ضغط على الأب من أجل أداء النفقة.

إلا أن المشكل یصبح أكثر خطورة على مصلحة الطفل، إذا كان الأب لیس له أجر إما بسبب عمله الحر أو بسبب البطالة، فالحقیقة المحكمة تعدم الوسیلة في مثل هذه الحالات لكن في الحالة العادیة، متع المشرع النفقة بضمانات من أجل دوام استمرا رها.

ثانیا – الضمانات الكفیلة بتنفیذ الحكم

جاء في الدلیل العملي لمدونة الأسرة أنه ولتوفیر الضمانات الكفیلة التي تسمح بتنفیذ الحكم حتى یبقى أداء النفقة مستمرا یتعین على المحكمة أن تحدد تلك الضمانات ما أمكنها ذلك، وضمانا لاستمرار أداء النفقة أو درءا لانقطاع أسباب العیش عن مستحقیها ، وتخفیفا عنه من أعباء ما تقتضیه المطالبة بها كل مرة من إجراءات ومصاریف ، نصت المادة 191 على أن الحكم الصادر بتقریر النفقة یبقى ساري المفعول إلى أن یصدر حكم یحل محله بتعدیله بالرفع أو بالتخفیض منها أو بسقوط حق المحكوم له في النفقة.

هذا ناهیك عن تمتیع الحكم الصادر بالنفقة بالحصانة لمدة سنة ، حیث لا تقبل مراجعة النفقة إلا بعد مرور سنة ، إلا في ظروف استثنائیة ، إذ قرر المشرع من خلال المادة 192 من مدونة الأسرة أنه ” لا یقبل طلب الزیادة في النفقة المتفق علیها أو المقرر قضائیا أو التخفیض منها قبل مضي سنة إلا في ظروف استثنائیة”.

مما یكون معه الأصل عدم مراجعة النفقة خلال سنة والاستثناء هو المراجعة ، طالما توفرت الشروط الاستثنائیة كظهور نفقات طارئة كبیرة لها طابع الدیمومة أو إصابة المحضون بمرض مزمن أو بعاهة دائمة أو انقطاع كسب الأب بكیفیة مفاجئة وإذا كان من حق الأم طلب الزیادة، فإنه وبالمثل یمكن للأب طلب التخفیض إذا كانت النفقة المقررة تفوق قدراته المالیة لحمایة الأطفال وضمان حقوقهم ورعایتها طبقا للقانون

المراجع :

أحمد الخملیشي : التعلیق على قانون الأحوال الشخصیة

أحمد اجویید : شرح القانون الجنائي الخاص ، الجزء الثاني

أحمد السنهوري : الوسیط في شرح القانون المدني

إدریس الفاخوري : الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصیة وفق أخر التعدیلات

خالد بنیس : مدونة الأحوال الشخصیة الولادة ونتائجها مع قضاء الحالة المدنیة

 سعید أزكیك : إهمال الأسرة في التشریع المغربي ، رسالة لنیل دبلوم الدراسات العلیا في القانون الخاص

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي





أحدث المقالات
error: Content is protected !!