موانع إقامة الدعوى العمومية

موانع إقامة الدعوى العمومية

موانع إقامة الدعوى العمومية

إذا كان الأصل أن تتم متابعة مقترفي الجرائم تحقيقا للردع العام والخاص، والحيلولة دون الإفلات من العقاب، فإن هذا الأصل ليس مطلقا بل ترد عليه جملة من القيود حددها المشرع في نصوص صريحة ونظم إجراءاتها وشروط تطبيقها.

وتتجلى هذه القيود أصلا في مجموعة من الموانع بعضها يمنع حق إقامة الدعوى العمومية أصلا ومنذ البداية، والبعض الأخر قد يطرأ بعد ارتكاب الجريمة وقبل إقامة الدعوى العمومية أو بعد إقامتها حيث يترتب عن توفر إحداها سقوط الدعوى العمومية متى توفرت شروطها .

قيود إقامة الدعوى العمومية:

أوكل المشرع للنيابة العامة سلطة إقامة وتحريك الدعوى العمومية بإعمال سلطة الملائمة في كل فعل يشكل جريمة، إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة بل ترد عليها مجموعة من القيود تحد من نفوذها وتغل يد النيابة العامة بصفة دائمة أو مؤقتة في إثارة وتحريك الدعوى العمومية، وهذه القيود تتعلق ببعض الأشخاص يتمتعون بالحصانة القضائية: الملك، أعضاء البرلمان، الدبلوماسيون المعتمدون بالمغرب وأخيرا الاختصاص واشتراط الكتابة، وأهم ما يميز هذه القيود أن الثلاثة الأولى تتميز بطابع الديمومة، في حين يعتبر ويتميز القيد الرابع بكونه قيدا خاصا.

الفقرة الأولى: شخص الملك:

لقد دأبت كل  دساتير المملكة المغربية على تمتيع الملك بالحصانة القضائية ونصت على عدم انتهاك شخصه مع تحويله ما يستحقه من واجب التوقير والاحترام, وقد تم تكريس هذا التوجه في الدستور الجديد 1 يوليوز 2011 في فصله السادس و الأربعين, الذي ينص على “شخص الملك لا تنتهك حرمته، للملك واجب التوقير والاحترام”, وهذا المنحى هو ما كان يؤكده الفصل 23 من دستور 1996.

الفقرة الثانية : أعضاء البرلمان:

تنص المادة 64 من دستور 1 يوليوز 2011 الخاص بالمملكة المغربية أنه “لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان، ولا البحث عنه، ولا إلقاء القبض عليه، ولا اعتقاله ولا محاكمته، بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه، ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي، أو يتضمن ما يخل بالإحترام الواجب للملك.

ولعل هذا التخصيص الدستوري لموضوع الحصانة البرلمانية ينسجم مع طبيعة مهام النائب البرلماني الذي يجب أن يمارس سلطاته التشريعية بمنتهى الحرية، وأن لا يتقيد في إبداء رأيه في مختلف القضايا المعروضة أمام البرلمان، لذلك كان من اللازم تمتيعه بحماية قضائية خاصة حتى يتسنى له القيام بمهامه على الوجه المطلوب

ويلاحظ أنه تم الاستغناء عن الحصانة الإجرائية التي كان قد ورد النص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 39 من الدستور الملغی، والتي كانت تنظم مسطرة متابعة البرلماني وإلقاء القبض عليه من أجل الجنح والجنايات التي قد يرتكبها سواء أثناء دورات البرلمان أو خارجها، واستصدار إذن من مجلس البرلمان أو من مكتب المجلس الذي ينتمي إليه البرلماني في حالة ارتكابه أفعالا جرمية ولا تتعلق بإبدائه لرأيه أو قيامه بتصويت خلال مزاولة مهامه ما عدا الاستثناء الذي أورده المشرع في نص الدستور الملغي وأبقى عليه في الدستور الحال والمتمثل في المجادلة في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو الإخلال بالإحترام  الواجب للملك.

وبمفهوم المخالفة، وبمناسبة عدم التنصيص على ضرورة استصدار إذن م. م البرلمان أو مكتبه في الفصل 64 من الدستور الجديد، لم يعد سلوك نفس المسطرة إلا التي كان ينظمها الدستور القديم، ناهيك على أن حصانة البرلمان تقتصر على الجرائم ال يمكن أن يرتكبها خلال مزاولته مهامه وهي الواردة بالنص المذكور أعلاه.

الفقرة الثالثة : البعثات الدبلوماسية

تنص ديباجة دستور المغرب بأن المملكة المغربية العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية تلتزم بجعل الاتفاقيات الدولية، کیا صادق عليها المغرب في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو فوق التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة.

فبالرغم من عدم وجود نص صريح في القانون الداخلي المغربي يمنح الحصانة القضائية للهيئات والبعثات الدبلوماسية، فإن مصادقة المغرب على بعض الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحصانة الممثلين الدبلوماسيين وممثلي بعض الهيئات الدولية يجعل القضاء المغربي ملزما بمراعاة قواعد الحصانة القضائية لهؤلاء الأشخاص.

وتتمثل البعثات الدبلوماسية في رؤساء الدول الأجنبية والمعتمدون الدبلوماسيون وأفراد عائلاتهم، وممثلو الهيئات الدولية، والقوات العسكرية الأجنبية إذا كان وجودها بترخيص من المملكة المغربية.

فإن إرتكب أحد هؤلاء الدبلوماسيين جريمة خطيرة في المغرب، فإن الحكومة المغربية تطلب من دولته سحبه من بعثتها باعتباره شخصا غير مرغوب فيه أخل بواجبات الاستضافة وانتهك حرمة القانون الوطني.

وقد رتب المشرع المغربي آثار قانونية قاسية عند عدم التقيد بهذه المقتضيات، حيث ما و22 من القانون الجنائي كل عضو في الهيئة القضائية أو أحد ضباط الشرطة القضائية في غير حالات التلبس، يثير متابعة أو يصدر أو يوقع أمرا من أوامر التحقيق أو حكما أو يعطى أمرا بإجراء احتياطي ضد شخص يتمتع بحصانة قضائية، وذلك قبل أن يحصل على رفع تلك الحصانة بالطرق القانونية، يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية”

الفقرة الرابعة : الاختصاص واشتراط الكتابة أو الطلب

إذا كانت القاعدة العامة تقتضي أن النيابة العامة يمكنها إثارة الدعوى العمومية، فإن سلطتها في ذلك، يقيدها توفر شرط الإختصاص، أي اختصاصها في إعمال سلطة الملائمة في الجرائم المعروضة عليها، كما لا يمكنها تحريك الدعوى الزجرية في بعض الجرائم إلا بناء على تقديم شكاية في الموضوع، أو تقديم طلب بخصوصها.

أولا : الإختصاص

قيد المشرع النيابة العامة في تحريكها للدعوى العمومية بخصوص الأفعال الجرمية التي يرتكبها بعض الأشخاص أثناء مزاولة مهامهم أو خارجها، وهم بعض القضاة وسام الموظفين ذكرهم المشرع في المواد 265 إلى 268 من قانون المسطرة الجنائية والمتمثلين في ما يلي:

– الجرائم التي يرتكبها مستشارو جلالة الملك أو أحد أعضاء الحكومة أو كاتب دولة أو نائب كاتب دولة أو قاض بمحكمة النقض أو بالمجلس الأعلى للحسابات أو عضو في المجلس الدستوري أو والي أو عامل أو رئيس أول لمحكمة استئناف عادية أو متخصصة أو وكيل عام للملك لديها.

– الجرائم التي يرتكبها قاض بمحكمة استئناف أو رئيس محكمة ابتدائية عادية أو متخصص أو وكيل للملك بها أو قاض بالمجلس الجهوي للحسابات.

– الجرائم التي يرتكبها أحد قضاة المحكمة الابتدائية العادية أو المتخصصة .

– الجنايات والجنح التي تنسب لباشا أو خليفة عامل أو رئيس دائرة أو قائد أو ضابط شرطة قضائية.

ثانيا : الشكاية

تعتبر الشكاية من أهم القيود التي ترد على تحريك الدعوى العمومية من قبل النيابة عامة، والمشع في قانون المسطرة الجنائية لم يتطرق لها بالتفصيل في مختلف تداعياتها. إلا أن القانون الجنائي وقانون الصحافة  يشكلان مرتعا خصبا للشكوی كقيد يحول بين النيابة العامة وإثارة الدعوى العمومية، ومع ذلك فقد تناولت المسطرة الجنائية، الشکوى كقيد من قيود تحرك الدعوى العمومية من خلال المواد التالية:

المادة 303 قانون المسطرة الجنائية، تنص على:”… تجري المتابعة في الحالتين المشار إليها في الفقرتين السابقتين بناء على شكاية من المعني بالأمر…”

المادة 463 من قانون المسطرة الجنائية تنص على :”… فإن النيابة العامة مؤهلة وحدها لممارسة هذه المتابعة استنادا إلى شكاية سابقة تقدمها الإدارة التي يهمها الأمر…”

وإذا كان شرط تقديم الشكاية من القيود التي تحول دون أن تتمتع النيابة العامة بسلطة الملائمة في تحريك الدعوى العمومية، فإنه في مقابل ذلك اشترط المشرع في الجهة التي تملك حق تقديم الشكاية ويتعلق الأمر هنا بالمجني عليه الضحية أن يقدمها شخصيا ولا يمكن أن ينوب عنه في تقديمها إلا وكيلا يعينه بوكالة خاصة محددة لغرض تقديم شكاية.

ثالثا : الطلب

ومن الموانع المؤقتة في تحريك الدعوى العمومية إضافة إلى الشكاية، ضرورة تقديم اطلب في نوع معين من الجرائم نظمها قانون الصحافة مثلا: السب أو القذف ضد بعض المجالس أو الهيئات، وهو ما تنص عليه الفقرة الثانية من سيارة إلى المادة 71 من قانون الصحافة التي جاء فيها: “في حالة السب أو القذف الموجه إلى المجالس القضائية والمحاكم وغيرها من الهيئات المبينة في الفصل الخامس والأربعين، وهي المجالس القضائية والمحاكم والجيوش البرية أو البحرية، والهيئات المؤسسة والإدارات العمومية بالمغرب فإن المتابعة لا تقع إلا بعد مداولة تحريك المجالس والمحاكم والهيئات المذكورة في جلسة عامة والمطالبة بالمتابعة، وإن لم يكن للهيئة جلسة عامة لتحريك المتابعة بشكوى من رئيس الهيئة”. وتقديم الشكاية أو الطلب يفتح باب المتابعة للنيابة العامة، دون أن يلزمها بذلك.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!