مناهج علم الإجرام وعلاقته بباقي العلوم الأخرى

مناهج علم الإجرام وعلاقته بباقي العلوم الأخرى

مناهج علم الإجرام وعلاقته بباقي العلوم الأخرى

يتخذ علم الإجرام من الظاهرة الإجرامية موضوعا له ، هاته الأخيرة التي تتميز بالتشعب والتعقد إلى حد قد يستعصي معها إخضاعها لتطبيقات القواعد المنهجية.

وانطلاقا من انتماء علم الإجرام لحظيرة العلوم الإنسانية لا شك أنه سوف يستفيد من مناهجها العلمية.

هذا الاستنتاج يدفعنا إلى تناول مناهج علم الإجرام بالتمييز بين مناهج علم الإجرام النظري و مناهج علم الإجرام الأكلنيكي

إضافة إلى ذلك، فإن علم الإجرام يدخل في علاقات مع مجموعة من العلوم الأخرى سواء تلك التي تهتم بالظاهرة الإجرامية أو التي تهتم بتكوين الإنسان ومدى تؤثره بالعوامل المحيطة به.

الفقرة الأولى : المناهج المعتمدة في علم الإجرام

إن المناهج المتبعة في علم الإجرام يغلب عليها طابع العلوم الإنسانية التي تختلف وتتميز بين علم الإجرام النظري وعلم الإجرام الاكلينيكي.

أولا : مناهج علم الإجرام النظري :

تتلخص مناهج علم الإجرام النظري في وسيلتين هما  الإحصاءات الجنائية و المسح الاجتماعي.

 1- الإحصاءات الجنائية :

الإحصاءات الجنائية هي عملية حسابية لعدد الجرائم المرتكبة داخل بلد معين في وقت معين، حيث تعتبر ترجمة حسابية للظاهرة الإجرامية .

تكمن أهمية الإحصاءات الجنائية في كونها تستعمل لقياس حجم الإجرام بالنسبة لعدد السكان، كما أنها تساعد الباحث على رسم خطوط مبيانية لتطور الجريمة بالنظر إلى سن المجرمين وجنسيتهم ومهنتهم ووضعيتهم الاجتماعية، كما أنها توضح أهم الجرائم المرتكبة في منطقة معينة دون أخرى.

إن الإحصاءات الجنائية إلى جانب كونها تفيد عالم الإجرام في بناء نظرياته، فإنها تفيد أيضا الشرطة والمشرع على مستوى السياسة الجنائية.

غير أن علماء الاجتماع لا يتفقون حول أهمية الإحصاءات الجنائية، فهناك من يوليها أهمية كبرى مثل “سيلين sellin” الذي يري فيها أنها مرآة الجريمة، ومنهم من يرى أنها لا تصلح إلا لتكون فكرة تمهيدية أو عامة عن النشاط الإجرامي في منطقة ما أو في وقت ما، وينبغي التوفر على الوسائل الفنية اللازمة والفهم الدقيق للتمكن من البيانات الكافية في تفسیر نتائج الإحصاءات لان الخطأ أو القصور في الفهم قد يؤدي إلى تضليل الباحث ويبعده عن أدراك الحقائق.

وقد سبق لعلم الإجرام أن سجل نتائج مهمة بالاعتماد على الإحصاءات في النصف الأول من القرن التاسع عشر على يد ” فيري GUERRY” و”كيتيليت QUETELET ” وهما عالمان في الرياضيات وكانا يعتمدان في أعمالهما على الأرقام المقدمة من طرف الإحصاء العام للعدالة الجنائية.

وبالرغم من الفوائد التي تقدمها الإحصاءات الجنائية، فقد وجهت إليها جملة من الانتقادات تمركزت حول عجزها على عكس الحقائق الإجرامية، وارتكزت بالأساس حول ما يسمى بالرقم الأسود، والفوارق بين الإجرامية الواقعية والإجرامية الظاهرية، والإجرامية التشريعية.

فالبحث في الإجرامية الواقعية، لا نجد أن الإحصاءات الجنائية تعكس الحقيقة الإجرامية نظرا للفوارق المتواجدة بينهما والتي يعبر عنها الرقي الأسود، الذي لا يعدو أن يكون سوى تلك الجرائم التي لم تصل إلى علم السلطات العامة أي مصالح الشرطة الجنائية وذلك لأسباب متعددة منها ما يرجع إلى المجرم ومنها ما يعود إلى طبيعة الجريمة أو إلى الضحية نفسها

أما الإجرامية الظاهرية فهي مجموع الجرائم التي تصل إلى مصالح الشرطة والنيابة العامة وقضاء التحقيق، والإحصاءات الجنائية هنا أيضا لا تعكس الحقيقة الإجرامية، لعدة أسباب منها ما يرتبط بالصعوبات التي تعترض عمل الشرطة، ودور النيابة العامة في اعتماد حق الملاءمة من عدمه وسقوط الدعوى العمومية

وبخصوص الإجرامية الشرعية فهي تلك الجرائم التي أدينت من طرف المحاكم الزجرية، والإحصاءات الجنائية هنا أيضا لا تعكس الحقيقة الإجرامية لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار تلك الجرائم التي استفادت من طرق التبرير الشرعية، و الجرائم التي تسقط فيها الدعوى العمومية بالموت أو التقادم أو العفو أو التنازل.

كما أن الإحصاءات التي تقدمها إدارة السجون لا تعكس أيضا الحقيقة الإجرامية لأنه لا يوجد بين المسجونين أولئك الذين صدر بحقهم حكم غيابي أو عقوبة موقوفة التنفيذ أو حكم بالغرامة

2 – المسح الاجتماعي

الى جانب الإحصاء الجنائي يعتمد علم الإجرام النظرى على تقصی الحقائق الإجرامية بواسطة البحث الاجتماعي من خلال أساليبه التالية :

الاستبيان : هي استمارة توجه إلى المجرم أو الضحية يتم من خلالها الإجابة على العديد من الأسئلة ؛

المقابلة : وهي عكس الاستبيان، يوجه الباحث من خلالها الأسئلة مباشرة للأفراد موضوع البحث وأسلوب المقابلة يتماشى مع نسبة الأمية التي لا زالت متفشية لدى العديد من الأفراد ؛

دراسة البيئة : أي الاهتمام بالعوامل الايكولوجية من خلال تقسيم الأقاليم تقسيما جغرافيا أو اجتماعيا كأن يقسم الإقليم إلى منطقة فلاحية وأخرى صناعية ومنطقة غنية وأخرى فقيرة ؛

دراسة السيرة الذاتية للمجرم : تروم دراسة السيرة الذاتية للمجرم تتبعه والوقوف على الأسباب الكامنة فيه التي قد تكون قديمة بهدف استئصالها.

ثانيا : مناهج علم الإجرام العيادي أو الكلينيكي

علم الإجرام العيادي هو خلاصة الدراسة الإجرامية التي تهتم بفحص المجرم من الناحية الطبيعية والنفسية والاجتماعية للخروج بفكرة مخبرية عن خطورته الإجرامية

وقد تطور علم الإجرام العيادي تطورا كبيرا مقارنة مع علم الإجرام النظري فقد ميز ” بيناتل pinatel” بين أربعة مراحل في تطور علم الإجرام العيادي :

– المرحلة العلمية, المرحلة السجونية؛ المرحلة القضائية , المرحلة التشريعية

علم الإجرام العيادي يسعى إلى تكوين ملف عن شخصية المجرم، وهذا الملف يقوم بتهيييع الفريق العيادي الذي يتكون من :

– الطبيب؛ عالم النفس؛ الطبيب العقلي؛ الباحث الاجتماعي.

وكل عضو في الفريق العيادي يقوم بدراسة حول شخصية المجرم لتجتمع هذه الدراسات، وبعد ذلك يتم استخلاص النتائج للخروج بالخلاصة الجماعية حول الشخصية محل الدراسة، وبعد هذه المرحلة التي تعتبر مرحلة الفحص تأتي مرحلة التنبؤ الاجتماعي ،أي حظوظ اندماج المجرم في الوسط الاجتماعي، لتأتي مرحلة اقتراح العلاج المناسب تماشيا مع الخطورة الإجرامية للشخصية محل الدراسة.

وتنقسم مرحلة الفحص والتشخيص إلى :

– الفحص الطبي, الفحص العقلي أو النفسي؛ البحث الاجتماعي

فالفحص الطبي هو قياس الأطراف الخارجية وفحص الأعضاء الداخلية كأن يقيس رأس وأطراف الشخص موضوع الفحص ويعمل على تصنيف هذه القياسات ومقارنتها بالمعدلات العادية المعتمدة من قبل الطب للكشف عن شذوذ معين في التركيب العضوي الخارجي للمجرم، وكذا الخلل في التركيب الداخلى سلامة الغدد الصماء والتركيب الكروموزونی للخلايا الجسدية وسلامة الجهاز العصبي، والهدف من كل هذه العمليات هو محاولة إيجاد التوازن العضوي للشخص موضوع الفحص.

أما الفحص العقلى فيسعى إلى التأكد من سلامة العقل وسلامة الجهاز العصبي، ويتم وفق أساليب تقنية تعتمد القياس الالكتروني للموجات الكهربائية الدماغية

وبخصوص البحث الاجتماعي فهو الذي ينصب على الظروف العائلية والاجتماعية للشخص ونوعية علاقاته ومخالطاته وتصرفاته في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه، لكونها محددا دافعا إلى ارتكاب الجريمة.

يتضح أن دراسة ظاهرة الإجرام صعبة ومعقدة، مما يحتم استعمال جميع طرق البحث من الإحصاء إلى المسح الاجتماعي مرورا بمختلف الأبحاث المخبرية والفحوصات الطبية بهدف الوصول إلى نتيجة يعتد بها.

إن علم الإجرام في سبيل تفسيره للظاهرة الإجرامية يتبع أساليب البحث المتبعة في العلوم الاجتماعية كالإحصاء والبحث والاستجواب مثلا، علما أن النتائج المتحصل عليها تقريبية، لذلك ظل هذا العلم يقترب من العلوم الطبيعية للاستعانة بها عن طريق أخد أسلوب الملاحظة التي اكتنفتها نوعان من الصعوبات :

– نوع يتعلق بموضوع الملاحظة ؛ ونوع آخر يتعلق بزمانها.

نخلص أن هناك صعوبات جمة تعترض الباحث في علم الإجرام لأنه لا يتوفر على الوسائل الكفيلة للإحاطة بظاهرة الإجرام، فإذا كان الإحصاء يمده بالمعلومات الدقيقة في سبيل البحث عن الإجرام القانوني فإنه لا يسعفه بالنسبة للإجرام الظاهر بسبب الرقم الأسود على نحو ما رأينا.

أما الوسائل الأخرى كالبحوث والمسح الاجتماعي والاستجوابات فإنها توفر للباحث المعلومات الكافية لفهم الظاهرة الإجرامية، لكنها تحتاج إلى يقظة وفهم جيدين ، إضافة إلى تحضير الأسئلة التي تستجيب لطبيعة البحث التي لاشك أنها تختلف من عينة إلى أخرى.

الفقرة الثانية: موقع علم الإجرام في المنظومة الجنائية

ينصب علم الإجرام على دراسة الظاهرة الإجرامية بهدف الوقوف عند أسبابها سواء كانت في جانبها الفردي (المجرم) أو الاجتماعي المجتمع)، وهو بذلك يجمع بين دراسة الأنتروبولوجيا الجنائية التي تتناول الظاهرة الإجرامية كواقعة فردية وعلم الاجتماع الذي يعني بتفسير الظاهرة كواقعة اجتماعية لتكون الأنتروبولوجيا الجنائية وعلم الاجتماع الجنائي هما جناحا علم الإجرام.

فإذا كان علم الإجرام يبحث الظاهرة الإجرامية بالنظر إلى شخص المجرم وإلى بحث أسباب الجريمة انطلاقا من المجتمع ، فسوف تكون له علاقة وطيدة بالعلوم القانونية الأخرى التي تتقاسمه البحث في مكافحة الجريمة التي تطمح إلى معرفة ودراسة سلوك الإنسان.

أولا : علاقة علم الإجرام بعلم العقاب

يروم علم العقاب إلى تحديد الجزاءات المناسبة لخرق القاعدة القانونية الجنائية، فهو بهذا المعنى يقوم على دراسة القواعد الجنائية التي تحدد صور الجريمة في المجتمع والجزاء المقرر لمركتبيها.

يتميز علم العقاب بأنه علم قاعدي، لأنه هو الذي يحدد على أفراد المجتمع قواعد السلوك ويقرر الجزاء الجنائي الواجب تطبيقه على من يخالف هذه القواعد

في حين يعني علم الإجرام بتفسير الظاهرة الإجرامية انطلاقا من الواقع بوصفه السلوك الإجرامي والبحث عن أسباب الجريمة سواء تلك الكامنة في المجرم أو الخارجة عنه بهدف إيجاد سبل مواجهة الظاهرة الإجرامية وهو بذلك علم واقعي .

يتضح جليا أن علم العقاب وعلم الإجرام يلتقيان في دراسة الجريمة حيث يقوم الأول بدراسة انتهاكها لقاعدة قانونية في حين يعتبرها الثاني سلوكا إنسانيا جانحا.

واذا كانت الأهداف المنوطة بالعقوبة هي ردع المجرم ومحاولة اصلاحه قصد إعادة إدماجه من جديد في المجتمع، فإن علم الإجرام يفيد علم العقاب بما يقدمه له من أفكار ونظریات حول السلوكات الشاذة و المنحرفة وكيفية التعامل معها حتى يتأتی اعتماد فلسفة جنائية تعتمد معايير علمية في كيفية معالجة المجرمين وإرجاعهم إلى بيئتهم الطبيعية.

تظهر الحاجة ملحة إلى علم الإجرام حيث يستلهم منه علم العقوبات في وضع قواعده القانونية والنتائج التي يصل إليها علم الإجرام، وبالتالي يسعف في تحديد العقوبات والتدابير الزجرية الملائمة ليس فقط من أجل ردع المجرم بل أيضا من أجل منح المناعة الكافية لوقوع الجرائم وإعادة تصالح المنحرفين مع بيئتهم وانخراطهم فيها بعد إصلاح وتهذيب السلوكات المنحرفة.

في ظل هذا التكامل بين علم العقاب وعلم الإجرام فإن الأول يتميز بنسبيته لأنه يستمد قوته من إرادة المشرع في إطار مكان وزمان لا يتجاوزه إلى العالمية، ثم انه يخضع لقواعده التي يقررها مبدأ الشرعية بهدف حماية الفرد والجماعة، في حين يستمد علم الإجرام قوته من النظريات التي تناولت تفسير السلوك الإجرامي كانت بيولوجية أو اجتماعية وهي غير محددة بالزمان والمكان، ثم انه يهدف إلى تفسير الظاهرة الإجرامية بشكل عام بغية الوصول إلى تفسير منطقي ومعقول لا يجاد أساليب الوقاية من الجريمة. 

ثانيا: علاقة علم الإجرام بالقانون الجنائي

إذا تفحصنا العلاقة القائمة بين علم الإجرام والقانون الجنائي نجدها نتائج بين نقط تشابه ونقط اختلاف

1 – أوجه التشابه:

 تتحد نقط التشابه بين علم الإجرام والقانون الجنائي فيما يلي :

– إن الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي والمعاقب عليها بمقتضاه هي نفسها التي يراها علم الإجرام سلوكات شاذة ومنحرفة يجب تقويمها؛

– إن كلا العلمين يهدف إلى حماية الفرد ، المجتمع ومكافحة الجريم عن طريق تقویم اعوجاج سلوك الجاني عن طريق العقاب كما يراه القان الجنائي، أو عن طريق العلاج والوقاية كما يراه علم الإجرام؛

– إذا كانت غاية القانون الجنائي تتجه إلى وضع قواعد يراها ضرورية لسلامة النظام العام وامن المواطنين، فإن علم الإجرام يساعده في بلوغ هدفه بما يقدمه من دراسات ومعلومات حول أسباب الإجرام وشخصية المجرمين.

2 – أوجه الاختلاف:

تتلخص أوجه الاختلاف بين علم الاجرام والقانون الجنائي فيما يلي :

– الاختلاف في الموضوع، لأن موضوع علم الإجرام هو دراسة الجريمة بصفتها ظاهرة اجتماعية، بينما ينصب موضوع القانون الجنائي على وضع قواعد زجرية للسلوكات المنحرفة؛

– القانون الجنائي يعني بدارسة النصوص الجنائية وتحديد عناصر الجريمة فيها، بينما يهتم علم الإجرام بكشف العوامل الكامنة وراء كل سلوك إجرامي؛

– إذا كان القانون الجنائي يخضع لمبدأ الشرعية حيث تخضع إجراءات البحث والإيقاف والتحقيق والمحاكمة لنصوص دقيقة تحت طائلة بطلانها، حيث يعتبر مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات قاعدة أساسية في القانون الجنائي في السياسات الجنائية المعاصرة، فإن علم الإجرام يرى في ذلك جمودا وعائقا في إيقاع الجزاء المناسب الذي قد لا يتطابق مع العقوبة المحددة مسبقا من طرف المشرع لاختلاف أشخاص مرتكبي الجرائم لأنه في نظره لا توجد جرائم بقدر ما يوجد مجرمون.

ثالثا : علاقة علم الإجرام بالمساطر الإجرائية

قانون المساطر الإجرائية هو مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم كيفية البحث في الجرائم وإيقاف مرتكبيها وجمع الأدلة عنها والتحقيق معهم ومحاكمتهم من طرف القضاء المختص وإيقاع الجزاءات المناسبة وتنفيذها.

قانون المسطرة الجنائية هو قانون تبعي لأنه يفترض مسبقا وجود قانون موضوعي يحدد الجرائم والعقوبات و عند انتهاك قواعده حينها يتولى قانون الإجراءات تفعيل وتنزيل وأجرأة هذه القواعد، إذن فهو قانون شکلي وإجرائي باعتباره مجموعة وسائل وأساليب لتطبيق قواعد قانون العقوبات، وفي إطار علاقة قانون الإجراءات بعلم الإجرام وبالرغم من اختلاف موضوع كل منهما، يظل هذا الأخير منبعا يأخذ منه القوانين الشكلية وتستلهم قواعدها على ضوء ما تتلقاه من إشارات ما تستقيه من معلومات حول شخصية المجرم وأسباب إجرامه، وبالتالي إيجاد الإجراءات المناسبة واللازمة لمحاكمة المتهم وتنفيذ العقاب عليه بشكل يتناسب مع طبيعة الجريمة دون إغفال إعادة إدماج الفاعل وتقويم سلوكه.

في ظل هذا الارتباط العضوي بين علم الإجرام والقانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية، هل بإمكان القاضي الجنائي التوفيق بين فلسفة إنزال العقوبة على شخص المجرم وفي ذات الآن الأخذ بعين الاعتبار خصائص الجاني ؟ وهل يمكن تكوين قناعة القاضي الجنائي المبنية على الاعتقاد الصميم (الاعتقاد الوجداني) بالأخذ بعين الاعتبار ظروف الجاني والتي تختلف من شخص إلى آخر حيث يستحق كل واحد فحصا فرديا وإجراءات خاصة في تأسيس حكمه وتعليله بذلك؟

رابعا : علاقة علم الإجرام بالسياسة الجنائية

تروم السياسة الجنائية إلى وضع تصورات عامة على كيفية تنظيم مكافحة الجريمة عن طريق تحديد الوسائل الناجعة لذلك، فالسياسة الجنائية علم قائم بذاته ينتمي إلى العلوم القاعدية لأنها تنصب على دراسة ووضع القواعد القانونية الجنائية وتتحرى مدى ملاءمة تلك القواعد مع الهدف الذي تسعى إليه المتمثل في مكافحة وقمع الجريمة وتحقيق وسائل الأمن القضائي لضمان استقرار المجتمع.

وإذا كان يتبين من الوهلة الأولى أن السياسة الجنائية جزء من على الإجرام لأنها تلتقي معه في البحث عن سبل الوقاية من الجريمة فإن هنا فرقا كبيرا بينهما من حيث موضوع اهتمام كل علم على حدة

فعلم السياسة الجنائية يعكف على دراسة فن التشريع ومدى ملاءمة التشريع القائم وفاعليته في حماية المصالح الجديرة بالحماية، وهو بذلك علم قانوني يهتم بملاءمة وتقييم النص التشريعي بهدف تطويعه لتحقيق هدف المشرع.

أما علم الإجرام فهو علم واقعي يهدف إلى تفسير الظاهرة الإجرامية سواء كانت واقعة فردية أو اجتماعية وكشف أسبابها سواء تعلقت بالفرد أو المجتمع فيظل كل واحد منهما علما قائما بذاته و إن كانت تربطهما علاقة تكامل.

إن هاجس السياسة الجنائية يكون امنيا وردعيا لأنها تنظر إلى الجريمة باعتبارها خرقا لقاعدة اجتماعية لابد من مكافحتها والوقاية منها مستقبلا وذلك بالتصدي إلى مقترفيها بعقوبات زجرية صارمة في حين ينظر علم الإجرام إلى الجريمة كظاهرة أنتجتها جملة من الأسباب هي أولى بالدراسة قصد تقویم اعوجاج السلوك الإجرامي.

خامسا: علاقة علم الإجرام بعلم الاجتماع الجنائي

يعتبر علم الإجرام الجريمة ظاهرة اجتماعية تجد مشتلها داخل المجتمع وهي تنم عن فشل المجرم في تكييف سلوكه مع مجتمعه والتشبع بقيمة، وتعبر في ذات الآن عن قصور تهيئته وتأهيله بشكل سليم فيه.

فالجريمة في نظر العلوم الاجتماعية : “كل فعل يعتبر مخالفا للحاجات الأساسية والمصالح الرئيسية لمجتمع معين أو يمثل خطرا على المجتمع أو يجعل من المستحيل تحقيق التعايش والتعاون بين الأفراد الذين يكونونه.

وعلم الإجرام الذي يهدف الإحاطة بالظاهرة الإجرامية يتفرع تبعا التنوع وتعدد أسباب هذه الظاهرة إلى ثلاثة علوم:

– علم البيولوجيا الجنائي : الذي يبحث العوامل البيولوجية من خلال نظريات المذهب البيولوجي؛

علم النفس الجنائي: الذي ينصب على بحث العوامل النفسية للجريمة من خلال نظريات المذهب النفسي؛

علم الاجتماع الجنائي : الذي يبحث العوامل الاجتماعية من خلال نظريات المذهب الاجتماعية فهو جزء أو رافد لعلم الإجرام، فهو من جهة يقوم على تفسير السلوك الإنساني ويرجعه إلى عوامل اجتماعية وينظر إلى الجريمة بأنها ظاهرة تتصل بتكوين المجتمع وطبيعة الحياة الاجتماعية ينشئها المجتمع ذاته بإقامة بعض الأنماط السلوكية بوصفها أفعالا مخلة بمعايير القواعد الاجتماعية المألوفة يعتبرها جرائم وبالتالي يصبح فاعلها مجرما.

انسجاما مع ذلك فإن العلوم الاجتماعية تقدم خدمات لا يستهان بها لعلم الإجرام في تفسير السلوك الإجرامي، و بالتالي يعتبر علم الاجتماع الجنائي جزءا من علم الإجرام

سادسا: علاقة علم الإجرام بالعلوم الطبية

سبق أن أشرنا إلى أن الظاهرة الإجرامية كموضوع بحث تتداخل فيها مجموعة من الأسباب منها ما يرجع إلى البيئة الاجتماعية ومنها ما يرجع إلى عوامل كامنة في ذات المجرم تدفعه إلى ارتكاب الجريمة وقد يكون متأثرا في سلوكه ببعض الأمراض تجعله أكثر استعدادا لارتكاب أفعال إجرامية.

وأجمعت الدراسات الطبية على أن المرض العضوي بصفة عامة والمرض العصبي والنفسي بصفة خاصة يحدث اضطرابا في عواطف المريض ورغباته وقد يضعف إرادته أو ينقص وعيه مما يؤدي به إلى القيام بأعمال لا يسمح بها القانون.

1- علاقة علم الإجرام بعلم الانتروبولوجيا

يعتبر “لومبروز” أول عالم ربط بين الملامح الخارجية للأفراد وسلوكاتهم وحاول إيجاد العلة بين الطب وعلم الإجرام عندما نشر مؤلفه الإنسان المجرم سنة 1874 والذي كان له الفضل في تأسيس علم الأنتروبولوجيا الجنائية، حيث قام “الميروزو” بإخضاع علم الإجرام إلى منهج الملاحظة والتجربة والاستنتاج المتبع في علم الطب وحاول إبراز العلاقة بين الطب وعلم الإجرام في سبيل البحث عن أسباب الجريمة.

2 – علاقة علم الإجرام بعلم الفسيولوجيا والبيولوجيا

أظهر علماء البيولوجيا بناءا على أبحاثهم وفحوصاتهم حول المجرمين المشوهين خلقيا أن ملامحهم الخارجية التي تميزهم عن غيرهم من الأفراد ليست هي السبب الحقيقي في سلوكهم الاجتماعي كما ذهب إلى ذلك “الومبروزو” هي بدورها نتيجة لظاهرة أخرى تكون السبب الحقيقي مما حدي بهم إلى دراسة وظيفة الأعضاء

وقد توصل البيولوجيون إلى حقيقة علمية مفادها أن طباع الأشخاص مرتبطة بجهازهم الفيسيولوجي ومفرزاتهم الباطنية، وأن الملامح الخارجية ماهي إلا مضاعفات لتلك الإفرازات الخارجية ، و قد أثبتوا من خلال دراساتهم المخبرية كثيرا من الأمراض مثل مرض السكري والكبد والدم تنعكس على وجه المريض غير أن ذلك لا يعبر على أن بروز تلك العلامات هي الدافع إلى ارتكاب الجريمة بل يمكن القول إن الظاهرة المتسببة في بروز تلك العلامة هي نفس الظاهرة التي جعلت من المريض شخصا عصبيا سريع الغضب مهيأ للجريمة أكثر من غيره، ليخلص انه يجب التركيز على الجانب البيولوجي والفسيولوجي بدلا من الجانب الأنتروبولوجي في البحث عن أسباب الجريمة.

3 – علاقة علم الإجرام بعلم النفس

يهدف علم النفس إلى دراسة الإنسان لمعرفة سلوكه داخل المجتمع من خلال التركيز على شخص المجرم من جميع الجوانب باعتبار سلوكه نتاج لتكوينه العضوي الفيسيولوجي والنفسي.

فعلم النفس الجنائي ينصب على تناول السلوك الإجرامي من الناحية السيكولوجية حيث يتتبع أثر التركيب النفساني للإنسان على سلوكه الإجرامي من خلال تفاعله مع محيطه البشري

إن العامل النفسي يعتبر ضابطا ومعيارا في تمييز الشخص العادي عن للشخص غير العادي، وبالتالي الوصول إلى الأسباب الكامنة في الشخصية الإنسانية والتي تدفع إلى ارتكاب بعض السلوكات المنحرفة.

4- علاقة علم الإجرام بعلم الأمراض العقلية

يهتم علماء الأمراض العقلية بالبحث عن أسباب أمراض العقل لا يجاد العلاج الملائم لها، وهم بذلك يقدمون خدمات جليلة لعلم الإجرام من خلال التمييز بين المريض المجرم المصاب بخلل عقلي والمريض غير المجرم.

فعلم الإجرام يحاول إعطاء تفسيرات لسلوكات المجرمين من خلال البحث عن الأسباب الكامنة وراءها، وفي ظل علم الأمراض العقلية لتفسير حالات كثيرة تفسر بالاختلال العقلي، وبالتالي انتفاء المسؤولية الجنائية عن هؤلاء والتركيز على الحالات الأخرى التي لا تفسر بمرض عقلي.

وتظهر أهمية هذا التوجه أنه لا يمكن معاقبة شخص على ارتكاب جريمة بتوافر أركانها الثلاث المتمثلة في الركن المادي والقانوني والمعنوي، فإذا كان من السهل إثبات الركنين الأوليين فإنه يصعب إثبات الركن المعنوي في حق المختل عقليا في المجال الجنائي، وبالتالى غير أهل للمساءلة الجنائية والمحاكمة.

فطبيب الأمراض العقلية هو الجهة الوحيدة والمسؤولة عن تقدير مسؤولية المتهم أو عدم مسؤوليته في نسبة ارتكاب الجريمة إليه وهو بذلك يكرس جهده لايجاد علاقة متينة بين علم الإجرام وعلم الأمراض العقل

خامسا : علم التحليل النفسي

هو علم يبحث في تكوين الشخصية الروحية للأفراد وتطورها ومدى تأثیر حالات القلق والكبت والذنب المعاشة فيها، بمعنى أنه يدرس حالات التصرف اللاشعوري للأشخاص بصفة عامة وبصفة خاصة في بحث تطور العقلية الجنائية وتدرجها نحو ارتكاب الجريمة، فتكون الجريمة نتاج لسلوك متأثر بكبت داخلی تراکم منذ زمان، واكتسب من الضغط مما فرض على المجرم القيام بجريمته.

بناء على ذلك يمكن علم التحليل النفسي علماء الإجرام من حقيقة مفادها أن الجريمة يمكن أن تكون نتاجا غير طبيعي لتطور نفسي من خلال دراسة المراحل الجنائية للمجرم ابتداءا من طفولته

وفي هذا الإطار أثبت العلماء وعلى رأسهم “فرويد” أن الوقائع التي يواجهها الإنسان في حياته عن طريق الإدراك والشعور تترك في نفسيته آثارا لا تزول بزوال الواقعة بل تتخزن في منطقة اللاشعور أو في منطقة الذاكرة الباطنة وهي تسعف في تفسير الكثير من سلوكاته في المستقبل.

فعلم التحليل النفسي أسدي خدمات جليلة لعلم الإجرام لما قدمه من تفسيرات وحقائق حول سلوك الأفراد بصفة عامة وسلوكهم في جانبهم الخفي اللاشعوري بصفة خاصة حيث يمكن لعلماء الإجرام من تصنيف الجرائم بحسب أسباب ارتكابها والوقوف على البواعث الكامنة وراءها.

إن علم الإجرام وبالنظر لأهميته في دراسته ورصد الظاهرة الإجرامية والوقوف على أسبابها بهدف إيجاد الحلول المناسبة وإلهام المشرع بوضع قواعد قانونية تتناسب مع الظاهرة الإجرامية لا يمكنه أبدا أن يضع نظريات تعبر فعلا عن الظاهرة الإجرامية بدون الاستفادة من العلوم الأخرى على نحو ما رأينا والاستعانة بها في محاولة معرفة ورصد أسباب الجريمة كظاهرة اجتماعية

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!