ملتمسات النيابة العامة بشأن التحقيق الإعدادي

ملتمسات النيابة العامة بشأن التحقيق الإعدادي

ملتمسات النيابة العامة بشأن التحقيق الإعدادي

غير أن تلك العلاقة التي تربط النيابة العامة بقاضي التحقيق كان لا بدلها من وسيلة تضمن للنيابة العامة حق المراقبة والتوجيه الذي كلفها بها المشرع، وتضمن في الوقت ذاته لقاضي التحقيق استقلاليته، فكانت “ملتمسات النيابة العامة” هي الوسيلة الكفيلة بتحقيق هذه الغاية.

ومن هذا المنطلق وانسجاما مع موضوع الدراسة الذي يتعلق بعمل النيابة العامة سأحاول التطرق في إطار هذا الفرع إلى مختلف ملتمسات النيابة العامة بشأن التحقيق الإعدادي، بدءا من تلك المتعلقة بفتح التحقيق، ومرورا بتلك التي تصدرها النيابة العامة أثناء سير إجراءات التحقيق، وصولا إلى الملتمسات النهائية.

أولا : ملتمس النيابة بشأن فتح التحقيق

لئن كان قاضي التحقيق ضابطا ساميا للشرطة القضائية بمقتضى قانون المسطرة الجنائية ويجوز له أن يبدأ في إجراءات البحث التمهيدي تلقائيا بمقتضى هذه الصفة، فإن الأمر خلاف ذلك حينما يتعلق بالتحقيق الإعدادي. فلا يمكن له إجراء بحث إلا بعد إشعاره بطلب من النيابة العامة أو بشكاية مصحوبة بالادعاء بالحق المدني. فلا يجوز لقاضي التحقيق أن يجري التحقيق الإعدادي إلا بموجب التماس بإجرائه يصدر من الوكيل العام للملك، أو وكيل الملك – حسب الأحوال – ، ولو كان قاضي التحقيق قد قام في حالة التلبس بجميع الاختصاصات التي يخولها له قانون المسطرة الجنائية.

فمن خلال استعراض مقتضيات الفصول المنظمة للموضوع يتضح أن المشرع حاول جعل قضايا التحقيق كمبدإ عام خاضعة لرقابة قبلية من طرف النيابة العامة فلا تحيل إلا ما كان التحقيق فيها إلزاميا (وهي قضايا قليلة بالمقارنة مع غيرها أو ما ارتأت هي بناء على سلطتها التقديرية إحالتها على التحقيق بمقتضى ملتمس بإجراء تحقيق.

وهذا الملتمس يتعين أن يكون مكتوبا ومطابقا للتعليمات المعطاة لها ضمن الشروط المنصوص عليها في المادة 38 كسائر إلتماساتها الأخرى. وأن يتضمن وقائع الجريمة موضوع المتابعة ولو بمقتضى الوثائق المرفقة به واسم أو أسماء الأشخاص الذين سيجري التحقيق معهم وهوياتهم إن توفر ذلك، إذ ليس ضروريا أن يذكر في ملتمس إجراء متابعة اسم الشخص المعني بالتحقيق، لأنه كما يجوز اتخاذ التماس بإجراء تحقيق ضد شخص معين يجوز اتخاذه ضد مجهول.

وفي حالة وجود عدة قضاة للتحقيق في نفس المحكمة، عينت النيابة العامة في ملتمسها القاضي الذي يتكلف بإجرائه إسميا.

كما يتعين أن يشمل الملتمس بالإضافة إلى حصر وقائع التحقيق، الفصول القانونية المعتمدة، حتى يضع الإطار العام لسير إجراءات التحقيق، ذلك أن قاضي التحقيق وإن كان حرا في اتهام أي شخص بصفته فاعلا أو مشاركا في الوقائع المعروضة عليه فإنه مقيد بهذه الأخيرة، فإذا بلغ إلى علمه أعمال لم يشر إليها في التماس إجراء التحقيق تعين عليه أن يرفعها إلى النيابة العامة رفقة الوثائق المثبتة لها

وبالإضافة إلى ملتمس إجراء تحقيق يمكن لقاضي التحقيق أن يضع يده على القضية بمقتضى شكاية مباشرةمرفقة بالمطالبة بالحق المدني. غير أن الأمر لا يقف عند حد تقديم الشكاية وأداء المبلغ المضنون أنه لازم لصوائر إجراءات الدعوى ليباشر قاضي التحقيق إجراءات البحث، بل لا بد من تبليغ هذه الشكاية إلى النيابة العامة بمقتضى قرار بالاطلاع لإبداء التماساتها بشأنها، بعد أن تقدر ما إذا كانت الأفعال موضوع الشكاية يسوغ قانونا المتابعة من أجلها ويكون من شأنها أن تتسم بصفة جنائية على فرض ثبوتها أم لا، فتكون ملزمة في الحالة الأولى بإصدار التماس بإجراء تحقيق ويمكنها في الحالة الثانية وفي حالة ما إذا كانت الوقائع المعروضة

لا تستوجب قانونا إجراء المتابعة لوجود أسباب تمس الدعوى العمومية كالتقادم أو موت المشتكى به وكذا في الحالة التي تكون فيها الجريمة موضوع الشكاية المباشرة من النوع الغير القابل للتحقيق أن تلتمس عدم إجرائه.

أما إذا اتضح للنيابة العامة أن الشكاية المقدمة غير معللة تعليلا كافيا أو لم تبررها بوجه كاف الحجج المدلى  بها أمكنها أن تلتمس من قاضي التحقيق فتح تحقيق مؤقت ضد كل الأشخاص الذين سيكشف عنهم التحقيق.

وهذه الملتمسات يضع قاضي التحقيق يده على القضية ويباشر إجراءات بحثه، لينتقل دور النيابة العامة إلى مرحلة ثانية هي مرحلة مراقبة سير عملية التحقيق ودائما بمقتضى ملتمسات ترفعها إلى قاضي التحقيق. فما هي هذه الملتمسات ؟

ثانيا : ملتمسات النيابة العامة أثناء سير إجراءات التحقيق

بداية أسلم أنه أمام عمومية المادة 89 من قانون المسطرة الجنائية لا يمكن أن أضع تأطيرا حصريا لملتمسات النيابة العامة أثناء سير مسطرة التحقيق، ذلك أن هذه المادة تقضي بأنه ” للنيابة العامة عند وضعها ملتمس فتح التحقيق أن تطلب من قاضي التحقيق القيام بكل إجراء مفيد لإظهار الحقيقة، وبأي إجراء ضروري للحفاظ على الأمن وخاصة وضع المتهم رهن إشارة العدالة.

يمكنها أن تطلب بملتمسات إضافية القيام بنفس الإجراءات أثناء مراحل التحقيق إلى غاية إنهائه ‘ فعبارة ” بكل إجراء يراه مفيدا لإظهار الحقيقة ” هي عبارة تحتكم للسلطة التقديرية لممثل النيابة العامة، فما قد يراه مناسبا في قضية معينة قد لا يراه كذلك في قضية أخرى، حتى ولو تضمنت نفس الوقائع، والعكس قائم أيضا فما لا يكون مناسبا في قضية قد يصير كذلك في غيرها وهكذا.

لأجل ذلك سأقتصر على بعض الملتمسات التي وجدتها تتكرر في أغلب القضايا الرائجة أمام غرف التحقيق وهي أساسا:

– ملتمس بإضافة متابعة.

– ملتمس بإجراء إضافي للتحقيق.

– ملتمس بإجراء بحث اجتماعي.

– ملتمس بإجراء خبرة.

– ملتمس بشأن تمديد فترة الاعتقال الاحتياطي.

– … إلخ.

إن الجامع بين هذه الملتمسات هو أنها مؤسسة على المطالبة بإجراء تحقيق التي تكون النيابة العامة قد فتحت بمقتضاها إجراءات التحقيق وعلى السلطة التقديرية والحدس القانوني الذي ينبغي أن يتمتع به عضو النيابة العامة، أو تأسيسا على قرار بالإطلاع الصادر عن قاضي التحقيق.

فهكذا مثلا إذا اطلع ممثل النيابة العامة على ملف التحقيق واتضح له أن قاضي التحقيق لم يقم استجابة لمقتضيات المادة 87 من قانون المسطرة الجنائية بإجراء تحقيق عن شخصية المتهمين وكذا عن حالتهم المادية أو العائلية أو الاجتماعية، وأن الضابطة القضائية لم تقم  بهذا البحث خلال استجوابها للمتهم، أو قامت به دون أن تحرر به المحضر، وظهر له أن في ذلك فائدة للبحث حرر ملتمسا بذلك إلى قاضي التحقيق الذي يبقى له الخيار بين أن يقوم به بنفسه أو يكلف به ضابط الشرطة القضائية أو أي شخص أو مؤسسة مؤهلة للقيام  بهذا البحث، أو يرفض القيام به ويصدر قرارا بذلك يبلغ إلى النيابة العامة فور صدوره.

ونفس القول أيضا ينطبق على الحالة التي يظهر فيها لممثل النيابة العامة أن المشبوه فيه تعتريه بعض النوبات العصبية، مما ينم عن إمكانية إصابته بخلل عقلي حيث يمكنه في هذه الحالة أن يحرر ملتمسا بإحالته على خبرة طبية…إلخ .

غير أن الملتمسات الإضافية التي تطغى على ملفات التحقيق هي تلك المتعلقة بإجراء تحقيق إضافي أو إضافة متابعة، وهما على نفس الدرجة من الأهمية الهدف منهما الوصول إلى متابعة الظنين من أجل كل الأفعال الجرمية التي ارتكبها في حق المجتمع.

فإذا ما اتضح للنيابة العامة أن قاضي التحقيق قد أنهى تحقيقه مع الظنين دون أن يستمع إلى أحد الأشخاص مثلا أو دون أن يقوم بإجراء ارتأت النيابة العامة أن القيام به سيكشف عن معطيات لم يصل إليها قاضي التحقيق أصدرت ملتمسا بالتوسع في التحقيق تحدد فيه النقط التي ترى ضرورة البحث فيها أو الأشخاص الذين ترى ضرورة الاستماع إليهم، وأحالته على قاضي التحقيق الذي يبقى له الخيار دائما بين أن يستجيب له أو يصدر -إذا ما رأى أنه لا موجب لتنفيذ الإجراء المطلوب وأن الملف أصبح جاهزا لاتخاذ قرار نهائي فيه-، أمرا معللا خلال خمسة أيام بعدم التوسع في التحقيق، ويحيط النيابة العامة علما بذلك ليتأتى لها استئنافه.

أما إذا اتضح للنيابة العامة بعد فتح إجراءات التحقيق أن الظنين ارتكب بالإضافة إلى الأفعال المضمنة في ملتمسها أفعالا إجرامية أخرى مرتبطة بالجريمة موضوع التحقيق، حرر ملتمسا بإضافة متابعة وأحاله على قاضي التحقيق ليوسع من دائرة الوقائع المسموح له بالتحقيق بشأنها.

وبالإضافة إلى هذه الملتمسات نجد ملتمسا آخر لكثرة تداوله أفردت له وزارة العدل نموذجا خاصا، إنه ملتمس بشأن تمديد فترة الاعتقال الاحتياطي .

فالاعتقال الاحتياطي كما أوضح قانون المسطرة الجنائية في المادة 159 هو تدبير استثنائي يعمل به في الجنايات أو في الجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية. ولا يمكن في القضايا الجنحية أن تتجاوز مدته شهرًا واحدًا، فإذا ظهرت عند انصرام هذا الأجل ضرورة استمرار الاعتقال الاحتياطي، جاز لقاضي التحقيق تمديد فترته بمقتضى أمر قضائي معلل تعليلا خاصاً، يصدره بناء على طلبات النيابة العامة المدعمة أيضا بأسباب.

ولا يمكن تمديد فترة الاعتقال الاحتياطي في الجنح إلا لمرتين ولنفس المدة، فإذا لم يتخذ قاضي التحقيق خلال هذه المدة أمرًا نهائيا، يطلق سراح المتهم بقوة القانون ويستمر التحقيق.

كما لا يمكن أن يتعدى أمد الاعتقال الاحتياطي شهرين في الجنايات، فإذا ظهرت عند انصرام هذا الأجل ضرورة استمرار الاعتقال الاحتياطي، جاز لقاضي التحقيق تمديد فترته بمقتضى أمر قضائي معلل تعليلا خاصا يصدره بناء على طلبات النيابة العامة المدعمة أيضا بأسباب، ولا يمكن أن تكون هذه التمديدات إلا في حدود خمس مرات ولنفس المدة، وأيضا إذا لم يتخذ قاضي التحقيق أمرا بانتهاء التحقيق أثناء هذه المدة، يطلق سراح المتهم بقوة القانون، ويستمر التحقيق.

فملتمس النيابة العامة تبعا لذلك بشأن تمديد فترة الاعتقال الاحتياطي يجب أن يكون معللا تعليلا كافيا أكثر من غيره نظرا لمساسه المباشر بحرية الأشخاص.

ثالثا : ملتمسات النيابة العامة النهائية

لقد أوجبت المادة 214 من قانون المسطرة الجنائية على قاضي التحقيق بمجرد ما يعتبر أن البحث قد انتهى أن يوجه الملف إلى النيابة العامة بعدما يقوم بترقيم أوراقه كاتب الضبط، وأوجب في المقابل على النيابة العامة أن توجه إلى قاضي التحقيق ملتمساتها خلال ثمانية أيام على الأكثر، وأمام عمومية هذه المادة ظهرت طرق متباينة بين مختلف النيابات العامة في كيفية تحرير هذه الملتمسات إضافة إلى عدم إيلائها العناية اللازمة الشيء الذي دفع وزارة العدل مبكرا إلى إصدار منشور تحت عدد 88 وتاريخ 20 يوليوز 1959 بشأن كيفية إنهاء التحقيق، ارتأيت أن في إيراد مقتضياته في هذه الفقرة خير تطرق لهذا النوع من الملتمسات وأعم فائدة بالرغم من صدور قانون المسطرة الجنائية الحالي.

فيجب أن يتضمن ملتمس النيابة العامة قبل كل شيء دائما أسماء المتهمين العائلية والشخصية ونسبهم ومكان ازديادهم والقبيلة التي ينتمون إليها وموطنهم ومهنتهم ، ويجب أن يتضمن على إثر ذلك بأحرف بارزة ما إذا كان المتهم معتقلا أو في حالة سراح أو إذا كان قد اعتقل ثم منح له الإفراج المؤقت. وإذا كان المتهم معتقلا فمن المناسب أن يشار إلى تاريخ الأمر بالإيداع في السجن أو الاعتقال . وإذا كان في حالة الإفراج المؤقت يجب أن تتبع الإشارة إلى ذلك بتاريخ الأمر المذكور سابقا.

وبعد ذلك يذكر اسم المطالب بالحق المدني في ما إذا اتخذ أحد الناس هذه الصفة في القضية. ويجب أن يتضمن الملف دائما عرضا للوقائع ، ويمكن أن يكون هذا العرض مختصرا في القضايا التأديبية وبصدد ملتمسات عدم المتابعة ، أما في القضايا الجنائية فيجب أن يكون موسعا فتعرض فيه القوائم وتناقش في مقاطع مستقلة كل نقطة على حدة .

ومن الضروري ألا يهمل ذكر شيء من الوقائع التي هي موضوع التحقيق وذلك لحمل قاضي التحقيق على إصدار قرار بشأن كل واقعة وضعت بين يديه بواسطة الملتمس الذي فتح الدعوى . وبعد عرض الوقائع يجب أن تذكر البيانات الواردة في السجل العدلي… وعند الاقتضاء يبين في عرض الوقائع ما إذا كان المتهمون في حالة عود ، مع الإشارة إلى تاريخ الوقائع والأحكام النهائية التي تترتب عليها حالة العود.

وبعد عرض الوقائع تبين التهمة الموجهة إلى كل متهم… ويجب أن يتضمن الاام بقدر الإمكان نفس العبارات الواردة في القانون الجنائي أو الظهير الذي أنشأ الجريمة . وعلى إثر هذا الوصف يجب أن تقع الإشارة دائما إلى القانون الواجب تطبيقه ، إما بذكر رقم الفصل المعني بالأمر من مجموعة قانونية وإما تاريخ القانون ورقم الفصول التي تعني الجريمة وتقرر عقوبتها .

وفي التحقيقات المعقدة التي تترتب عليها اتهامات متعددة بالنسبة للمتهمين يكون غالبا من المناسب… أن تضاف إلى الملتمسات الصادرة عن النيابة العامة العبارة الآتية ” وعلاوة على ذلك يطلب عدم المتابعة من أجل جميع التهم التي لم تقع الإشارة إليها في هذا الملتمس” .

ومتى كانت النصوص القانونية التي تعطي للجريمة وصفها القانوني تشمل عناصر مختلفة بحيث يكون كل واحد منها كاف لإعطاء الفعل صفة جريمة فمن الأفضل أن يقتصر جهد المستطاع على ذكر العنصر الوحيد الذي يتناسب مع الواقعة…

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 

المراجع

الشرقاوي الغزواني نور الدین : تدخل النیابة العامة في الدعاوي المدنیة ، أطروحة لنیل دبلوم الدراسات العلیا بجامعة محمد الخامس

محمد عید الغریب : المركز القانوني للنیابة العامة، دراسة مقارنة


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!