مكانة وأهمية الجنسية في القانون الدولي العام

مكانة وأهمية الجنسية في القانون الدولي

مكانة وأهمية الجنسية في القانون الدولي

تتحد الجنسية بموجب مبادئ القانون الدولي باعتبارها أداة لتحديد عنصر الشعب في الدولة، كما تتحدد أيضا بموجب مبادئ القانون الدولي العام على أساس أن المشرع الوطني يستمد اختصاصه من أحد مبادئه الأساسية وهو مبدأ استقلال وحرية كل دولة في سن القواعد الخاصة بالجنسية، ولأنها أداة أساسية لتوزيع الأفراد دوليا.

 فالمجتمع الدولي يتكون من مجموعة من الدول وكل دولة تنفرد بتحديد من هم مواطنوها وهذا الحق الانفرادي الممنوح للدولة نابع من مقتضيات القانون الدولي العام وهو ما يسمى بالاختصاص الاستئثاري للدولة أي النطاق القاصر على الدولة.

وإذا كانت الدولة تتمتع في تنظيم جنسيتها بحق حصري بناء على هذه القاعدة العرفية في القانون الدولي العام، فإن تنظيم الجنسية من المسائل الداخلية التي تستأثر بتنظيمها الدولة وفق مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 فالجنسية هي رابطة قانونية يستقل المشرع في كل دولة بتقرير الأحكام المتعلقة بها والقواعد المنظمة لها، انطلاقا من التوجه الفلسفي والإيديولوجي للدولة على أساس مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ووضعها الدولي والتاريخي والحضاري، وبالتالي فإن دور الإرادة الفردية، في مجال الجنسية، دور ضئيل يقتصر على تهيئة الوقائع التي يرتبط بها الأثر القانوني دون أن تكون مصدره المباشر.

 من هذا المنطلق تختلف الدول فيما بينها بشان اعتماد المعايير والضوابط المحددة الكيفية منحها جنسيتها، ولهذا فإن الدول التي تبتغي الزيادة في ساكنتها بحكم النقص الذي تعاني منه في هذا المجال، نجدها عادة ما تتبنى معيار الإقليم في منح جنسيتها وذلك لتحقيق نوع من التجانس بين المتواجدين فوق أراضيها، في حين أن الدول التي تقنن وتشدد في شروط الهجرة إليها وتعرف هجرة سكانية إليها، عادم ما نجدها تتبنى معيار الدم في الانتساب إلى أصول وطنية.

المبحث الأول: استئثار الدولة بتنظيم أحكام جنسيتها:

 يبدو استقلال كل دولة بوضع القواعد الناظمة أمرا طبيعيا، بحكم أن الجنسية تدخل ضمن ما يسمى بالاختصاص الاستئثاري للدولة في تنظيم جنسيتها وهو ما نصت عليه قاعدة في العرف الدولي مفادها استقلال وحرية كل دولة في سن القواعد الخاصة بجنسيتها حيث لا تتقيد في ذلك إلا بما تعقده وتصادق عليه من اتفاقيات ومعاهدات دولية. فالدولة لا تثبت لها السيادة على إقليمها فقط بل أنها علاوة على ذلك قد يتعرف لها بنوع من السيادة الشخصية وبالتالي تتبع رعاياها أينما حلوا وارتحلوا.

المطلب الأول: الطابع الوطني للقواعد المنظمة للجنسية:

 يثبت إذن للدولة وحدها الحق في تحديد عنصر الشعب فيها، ولذلك فإنه من الطبيعي أن تظل الجنسية، وهي الأداة والوسيلة في هذا التحديد، حكرا على هذه الدولة تكريسا المبدأ معروف في القانون الدولي وهو مبدأ استقلال وحرية الدولة في تنظيم جنسيتها.

وقد تقرر هذا المبدأ في نص المادة 1 من اتفاقية لاهاي المبرمة في 12 أبريل 1930 والخاصة ببعض المسائل المتعلقة بتنازع القوانين في الجنسية عندما نصت على أن “لكل دولة أن تحدد بمقتضى تشريعها من هم وطنيوها” وهذا التشريع يجب أن ترتضيه الدول الأخرى كما تأكد هذا المبدأ أيضا في الرأي الاستشاري للمحكمة الدائمة للعدل الدولي رقم 4 بتاریخ 7 فبراير 1923 بصدد النزاع بين فرنسا وإنجلترا بشأن مراسيم الجنسية التونسية المغربية عندما قررت بان اختصاص سلطات الدول في مادة الجنسية هو في الأصل اختصاص قاصر أو مانع وأنه في الوضع الحالي للقانون الدولي الخاص فإن مسائل الجنسية تدخل من حيث المبدأ في المجال الخاص القانون كل دولة.

 من هذا يتضح أن الجنسية من المسائل المتروكة للاختصاص الوطني الداخلي، مما يضفي على مسائلها طباع السيادة، دون أن يعني ذ تحرر الدول من احترام قواعد القانون الدولي العام والمعاهدات والاتفاقيات التي تبرمها.

 فالدول عندما تقوم بوضع الأحكام والضوابط الناظمة لجنسيتها يجب أن تراعي بعض المبادئ والأفكار المثالية والأخلاقية مثل مبدأ المساواة بين الجنسين وهكذا نجد أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال ضد المرأة بتاريخ 3 سبتمبر 1981 تنص في المادة 9 منها على أنه:

1- تمنح الدول الأطراف المرأة حقوقا متساوية لحقوق الرجل في اكتساب جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها. وتضمن بوجه خاص ألا يترتب على الزواج من أجنبي، أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج أن تتغير تلقائيا جنسية الزوجة، أو أن تصبح بلا جنسية، أو أن تغرض عليها جنسية الزوج.

2- تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها.

 فالحق في الجنسية ظل دائما مبدأ من حقوق الإنسان وهو ما أكد عليه الإعلان العام الحقوق الإنسان أو العد الدول للحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على أن كل شخص له الحق في أن تكون له جنسية.

المطلب الثاني: أسباب ضعف تطور القانون الدولي العام في مجال الجنسية :

إن من بين الخلاصات الأساسية التي يمكن أن تترتب مما سبق أن القانون الدولي العام في جانب قواعده العرفية لا يمكن أن يملي على الدول تعلیمات بخصوص تنظيمها لأحكام جنسيتها بصورة إلزامية. فهناك اعتراف للدول بسلطة التقرير المطلق في المجالات التي تهم سيادتها ومن بينها الجنسية التي تختلف معنی ومضمونا من الدولة إلى أخرى.

فالتجربة قد أبانت على محدودية أثر المعاهدات الدولية في مجال الجنسية، فالعديد من الدول لا تصادق عليها، ففرنسنا مثلا لم تصادق على معاهدة لاهاي 12 أبريل 1930 لحد الآن. وإن كانت قد انضمت إلى معاهدة المجلس الأوروبي للتخفيف من حالات تعدد الجنسيات والالتزامات العسكرية المترتبة عن ذلك والموقعة في ستراسبورغ في 6 ماي 1963، كما أن المغرب انظم إلى معاهدة الأمم المتحدة حول مناهضة مختلف أشكال التمييز ضد المرأة الموقع بتاريخ 1 مارس 1980، وقد حاول المشرع المغربية بموجب التعديلات التي أدخلها على قانون الجنسية أن يوائم بين مقتضيات القانون الداخلي ومقتضيات هذه المعاهدة خاصة ما يتعلق بمادتها التاسعة.

فالهدف الرئيسي من إقدام الدول على إبرام معاهدات دولية في هذا المجال هو إيجاد الحلول الوحدة لبعض الإشكالات التي تترتب عن اختلاف الأنظمة في الأسس المعتمدة لمنح جنسيتها وما يترتب عن هذا الاختلاف من نتائج.

غير أن الدول كما أشرنا إلى ذلك لا تبدي عادة حماسا قويا للانضمام إلى مثل هذه المعاهدات لكونها تتعلق بمجال ما زال يغلب على قواعده الصبغة الوطنية. ولكونها لا ترغب في أن تتنازل عن مجال لازالت تعتبره محرما.

 للاعتبارات السالفة يتضح أن قواعد القانون الدولي العرفي لا تستطيع فرض أمي التزام فعلي أو حقيقي على الدول، لأن اعتدادها في مجال الجنسية مقارنة بدور المصادر الدولية كالمعاهدات التي مازال دورها محدودا في هذا الإطار.

 المبحث الثاني: القيود الواردة على ممارسة الاختصاص الاستئثاري بالتشريع في مسائل الجنسية :

تتمتع إذن كل دولة بحق وحرية تنظيم الجنسية اكتسابا وفقدا بموجب تشريعها الداخلي، وتلتزم الدول الأخرى باحترام هذا المبدأ. غير أن ممارسة الدولة لهذا الحق ليس مطلقا من أي قيد سواء كانت مصادر هذه القيود إرادة الدولة ذاتها، أو الاعتبارات مستمدة من القانون الدولي العام.

المطلب الأول: القيود الاتفاقية:

 قد تبرم الدولة اتفاقيات أو معاهدات لتنظيم جانب متعلق بمسائل الجنسية، ولما كانت الاتفاقيات تقوم على مبدأ السمو على القوانين الداخلية متى انتظمت وفق الشروط اللازمة لاعتمادها، فإنه لا يسوغ للدول أن تحتج بقانونها الداخلي بهدف التخلص من التزاماتها الدولية التي تفرضها الاتفاقيات الدولية والتي تعد طرفا فيها. وهكذا نصت اتفاقية لاهاي الذي 12 أبريل 1930 على أن لكل دولة أن تحدد بموجب تشريعها من هم مواطنوها في حدود عدم تعارضها مع الاتفاقيات الدولية.

المطلب الثاني: القيود القانونية:

تضمن القانون الدولي مجموعة من المبادئ تدعو الدول إلى ضرورة احترامها. فمن جهة يتعين على الدولة وهي تمنح جنسيتها الشخص التأكد من وجود رابطة جدية وفعلية بينها وذلك الشخص، لأن الجنسية هي تجسيد لرابطة الانتماء وهي ترجمة الواقع اجتماعي واتصال فعلي بين الشخص والدولة. فالجنسية تقوم على رابطة اجتماعية وعلى تضامن فعلي في المعيشة والمصالح والمشاعر. ومن جهة ثانية تقررت على مستوى القانون الدولي بعض المبادئ العرفية من قبيل:

– حق كل شخص أن تكون له جنسية وأن لا تكون له إلا جنسية واحدة حتى لا نكون بصدد انعدام الجنسية أو تعددها.

– لا يجوز للدولة أن تفرض جنسيتها على أفراد لا يرتبطون معها برابطة حقيقية أو فعلية.

– الاعتداد بحق الإقليم لاكتساب الجنسية ولا يسوغ فرض جنسية الدولة على أبناء البعثات الدبلوماسية.

– قرار الميثاق الدولي لحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966 أن الكل طفل الحق في جنسية ما” وقد أقر قبل ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 هذا الأمر بأن صرح بأن: الكل فرد حق المتمتع بجنسيته”.

– كما أنه من زاوية أخرى يتأكد حق كل شخص في أن يتخلى عن جنسيته حيث لم تعد الجنسية قائمة في الوقت الراهن على رابطة الولاء الدائم للدولة فلا يجوز إنكار حق الشخص في تغيير جنسيته فضلا على أنه لا يجوز حرمانه من جنسيته بشكل تعسفي.

وقد تقرير هذه المبادئ لتفادي مشكلة التنازع الإيجابي والسلبي بين الجنسيات مما يستدعي من الدول وهي بصدد تنظيم أحكام جنسيتها أن تتفادى اعتماد أحكام يمكن أن تفضي إلى قيام هذا التنازع في صورتيه.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!