مفهوم وخصائص القاعدة القانونية

مفهوم وخصائص القاعدة القانونية


مدخل إلى العلوم القانونية

    يعيش الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا في جماعة معينة تربطه بأفرادها علاقات و روابط متعددة فالإنسان لا يمكنه إشباع كل حاجاته بمفرده من مأكل و ملبس و مسكن و تعلم وعلاج , بل و استمرار جنسه إلا بالعيش في مجموعة بشرية مما يستتبع دخوله مع غيره من الناس في معاملات و علاقات و هده العلاقات قد تتعارض من خلالها مع مصالح الأفراد, ويؤدي هدا التعارض إلى الفوضى في المجتمع, إدا لم يتم وضع ضوابط لتنظيم هده العلاقات.

    لذا كانت الحاجة ماسة مند بدأ الخليقة لوجود نواميس للضبط الاجتماعي ترمي إلى استقرار النظام و تحقيق الأمن و التوفيق بين الرغبات و المصالح المتعارضة بين أفراد و نواميس الضبط الاجتماعي المتعددة كالدين و الأخلاق و التربية و القانون

   و يعتبر القانون من أهم وسائل الضبط الاجتماعي نظرا لشموله و تغطيته كافة جوانب المعاملات في الجماعة هذا بالإضافة إلى صفته الملزمة

   وقد اختلف الفقه حول أصل كلمة قانون حيث ذهب البعض إلى القول إن هدا المصطلح دخيل على اللغة العربية و هو مستخرج من كلمة kanoun اللاتينية التي تعني المسطرة او القاعدة في حين اعتبره البعض مصطلحا عربي الأصل مادة و شكلا

  و استخدم مصطلح القانون للدلالة على النظم التي تحكم الظواهر الطبيعية فيقال مثلا قانون الجاذبية , كذلك يستخدم مصطلح القانون للدلالة على النظم التي تحكم بعض الأوضاع الاقتصادية كأن يقال قانون العرض و الطلب .

  و في هذا الصدد يقول الأستاذ محمد الشافعي إن كلمة قانون ليست كلمة عربية بل هي مأخوذة من اللغة الإغريقية و انتقلت إلى العربية بأصلها اليوناني kanun و هي تعني العصا المستقيمة .

  أما من الناحية القانونية فان اصطلاح القانون يستخدم للدلالة على معنيين مختلفين فالقانون بمعناه العام هو مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع والتي تلزم السلطة العامة للأفراد على احترامها من خلال توقيع الجزاء على من يخالفها.

  كما قد يستعمل اصطلاح قانون للدلالة على فرع معين من فروع القانون الوضعي كالقانون المدني و القانون البحري . ولفظ القانون هنا ينصرف إلى التشريع أي القانون المكتوب الصادر عن السلطة التشريعية.

  وتتمثل مهمة القانون و وظيفته في حماية المصالح الأساسية العامة و اللازمة لبقاء و استمرار و تقدم الجماعة ووضع تنظيم يحقق التوازن بين هده المصالح و المصالح الخاصة توازنا يستجيب لمختلف الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الأخلاقية و الدينية , كما أن وظائفه التوفيق بين المصلحة الخاصة و مصلحة الجماعة وفي حالة تعارض هاتين المصلحتين و عدم إمكانية التوفيق بينهما فإنه يتعين ترجيح و تغليب المصلحة العامة بغير إهدار للمصلحة الخاصة .


خصائص القاعدة القانونية 

القانون هو مجموعة من القواعد التي تنظم الروابط الاجتماعية و تقوم على احترامها سلطة عامة توقع الجزاء على من يخالفها , فالقاعدة القانونية هي الوحدة التي يتكون منها القانون في مجموعه وهي من واقع التعريف السابق تتميز بمجموعة من الخصائص :

قاعدة اجتماعية , تتصف بالعموم و التجريد , وملزمة للمخاطبين بها , القاعدة القانونية قاعدة سلوك


المطلب الأول : القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية

   يرتبط القانون بوجود الجماعة, فوجود الإنسان داخل المجتمع هو الذي يحثم ظهور القانون حيث ينظم علاقة الفرد بغيره ويوفق بين المصالح المتضاربة ومن تم فإن القانون لا يوجد إلا حيث يوجد مجتمع بشري , والقاعدة القانونية من جهة أخرى قاعدة سلوكية بمعنى أنها تنصب على الاهتمام بسلوك الإنسان أي بعمله الظاهر.

 وهذا ما يميز القانون عن الأخلاق و الدين اللذين يعتدان بالنوايا و المقاصد أما القانون فهو ظاهرة اجتماعية و من ثم فهو لا يهتم إلا بما يظهر في المجتمع .

  ويترتب على كون القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية أن يتخصص القانون بالمكان و الزمان, إذ القانون مرآة للبيئة التي ينطبق عليها, حيث يستجيب لظروفها وحاجياتها , فالقوانين تختلف باختلاف المكان و تتطور في المجتمع الواحد بتطور الزمن ,

ومن أجل هذا نرى أن المشرع يتدخل من وقت لآخر فيعدل القانون القائم أو يغير فيه بما يلاءم الظروف الجديدة في المجتمع , وعليه فان ما يعد مباحا في بلد ,لا يعد كذلك في بلد آخر أو في زمان آخر كتعدد الزوجات مثلا ,كما قد يتم تحريم ما كان مباحا فيما قبل مثل الرق .

  نستخلص إذن أن القانون له علاقة وطيدة بالمجتمع ولا يتصور وجود قانون بدون مجتمع كما أنه لم يثبت علميا وجود مجتمع يخلو من القواعد القانونية ولو كانت في شكل قواعد عرفية أو دينية أو أخلاقية فالقاعدة القانونية تعتبر بحق قاعدة اجتماعية ويعبر عن ذلك التلازم بين القانون و المجتمع

المطلب الثاني : القاعدة القانونية قاعدة عامة و مجردة

  القاعدة قانونية خطاب موجه إلى الأشخاص بصفة عامة ومجردة, فهي لا توجه إلى شخص معين بذاته ولا إلى واقعة معينة بذاتها و إنما بتعيين الشخص أو الأشخاص و الوقائع بالأوصاف و الشروط ,

 فالقاعدة القانونية تنطبق إذا توفرت في الشخص أو في  الواقعة شروط معينة أو أوصاف معينة و ينصرف حكمها بالتالي إلى كل شخص أو واقعة تتحقق فيها هده الأوصاف و الشروط لأنه يستحيل على القاعدة القانونية أن تستغرق جميع الحلول و الفرضيات حسب كل حالة على حدة أو واقعة محددة لهذا يتم تحديد مضمون القاعدة القانونية طبقا لمعطيات موضوعية و مجردة 

  فعند نشوء القاعدة القانونية لا تكون مرتبطة بشخص أو بواقعة معينة بل تطبق على جميع الأشخاص و الوقائع التي تتوفر فيها صفات و شروط معينة , فالتجريد و العموم صفتان متلازمتان تتصف بهما القاعدة القانونية , فهي مجردة من حيث نشوؤها وعامة من حيث تطبيقها فهي لا تنشأ لحالة معينة بالذات بل لكل الحالات المماثلة في المستقبل.

  لكن صفة العموم و التجريد لا تعني تطبيق القاعدة القانونية على كل الأفراد بل يمكن أن يقتصر تطبيقها على مجموعة محدودة منهم كطائفة أو فئة معينة من قبيل التجار أو العمال و الموظفين … كما هو الشأن بالنسبة للقوانين التي تنظم مهنة أو نشاطا معينا فهي تخص المنتسبين لتلك المهنة فقط إلا أنها عامة و مجردة لأنها تخاطبهم بصفاتهم وليس بدواتهم, بل إن القاعدة القانونية تظل عامة و مجردة ولو كانت تتعلق بشخص واحد طالما أنها تخاطبه بوصفه لا بذاته كالقاعدة التي تحدد واجبات رئيس الدولة ما مثلا .

المطلب الثالث : القاعدة القانونية قاعدة سلوك

  تهدف القاعدة القانونية إلى ضبط سلوك الأفراد نحو نظرائهم في المجتمع, فترسم لهذا السلوك حدودا معينة لا يتعداها, فكل الأعمال و الأقوال الواقعة في نطاق الحدود يقرها القانون بصرف النظر عن نية فاعلها وبالعكس كل الأعمال و الأقوال الخارجة عنها يحرمها القانون.

و بعبارة أخرى إن القاعدة القانونية لا تتدخل إلا في ميدان الحياة الخارجية وبصدد ما يبدو من سلوك الأفراد فهي لا تنقد إلى منطقة الضمير و لا تعني بمجرد التفكير مادام أن ما يجول فيهما لم يبرز إلى الحيز الخارجي

  فالقانون يهتم بالسلوك الخارجي, أما الظواهر الداخلية كالمشاعر و الأحاسيس فلا يهتم بها إلا إذا كانت وراء تصرف خارجي يخالف القانون كالسرقة أو القتل فهنا يعتد القانون بالنية كعامل تشديد أو تخفيف للعقوبة

المطلب الرابع : القاعدة القانونية قاعدة ملزمة

  القاعدة القانونية ليست مجرد توصية أو إرشاد فهي حكم ملزم لا بد من الامتثال له و التقيد به وإلا تعرض المخالف للجزاء المقترن بهذا الحكم , فالهدف من وجود القانون يقتضي تطبيقه وكفالة احترامه ,هذا الاحترام يتم في الأغلب من الأحوال تلقائيا, أي أن يقوم الأفراد بالتصرف طبقا للحكم القانوني من تلقاء أنفسهم اقتناعا منهم بالصفة الملزمة للقانون, لأنه يتفق مع ظروفهم الاجتماعية و الاقتصادية و عاداتهم , فإن الخضوع الإجباري هو السبيل لتطبيق القانون

   والجزاء في القاعدة القانونية هو الذي من شأنه أن يكفل لها الاحترام, وهو وسيلة لإجبار الأفراد على إطاعة القواعد القانونية عند الاقتضاء فلولا عنصر الجزاء في القاعدة القانونية, لكانت هذه الأخيرة ضربا من الإرشادات و النصائح ولجاز للأفراد إتباعها إذا أحبوا و تركها إذا شاءوا, لذلك يجب أن يخضع الإنسان لرادع محسوس يؤثر فيه.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 



التعليقات

  1. بلفعل انه موقع يصتحق التشجيع ،لقد استطعت على ان تساعد الناس بمعلومات صحيحة شكرا جزيلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: