الجريمة عند علماء الإجرام

مفهوم الجريمة عند علماء الإجرام

الجريمة عند علماء الإجرام

يهدف علماء الإجرام من خلال دراستهم للظاهرة الإجرامية التركيز على كل من الجريمة والمجرم باعتبارهما المحددان الأساسيان الفاعلان في كل النتائج التي يمكن استخلاصها بالنظر إلى التفاوت الحاصل في نوعية الجرائم سواء في بعدها الاجتماعي أو القانوني وأيضا لطبيعة المجرم المركب المعقد الذي يتداخل فيه ماهو بيولوجي وماهو نفسي وما هو اجتماعی، ولذلك يكون لزاما علينا تناول كل من مفهوم الجريمة والمجرم في كل تمظراتها وتجلياتها ضمن نطاق الظاهرة الإجرامية

مفهوم الجريمة عند علماء الإجرام

ينصب علم الإجرام على دراسة الظاهرة الإجرامية بهدف تفسير أسبابها وضبط صورها وتمظهراتها، فمكونات الظاهرة الإجرامية هي الجريمة كواقعة تترتب عنها آثار تهم المجتمع، والمجرم باعتباره الفاعل الذي يصدر عنه السلوك الشاذ الضار بالمجتمع.

فتحديد مفهوم الجريمة يعتبر تحديد موضوع علم الإجرام، باعتبار أن أبحاث علماء الإجرام تنطلق من تفسير وتحليل الجريمة التي تأخذ صورا عديدة بحسب أسبابها”

لذلك، اختلفت توجهات علماء الإجرام مع طبيعة موضوع علم الإجرام أي طبيعة الجريمة

حيث هناك من يرى أنها واقعة اجتماعية، وفريق آخر يرى أنها واقعة قانونية، وفريق ثالث يجمع بين الطبيعتين الاجتماعية والقانونية

الفقرة الأولى : تمظهرات الجريمة لدى علماء الإجرام

اختلف علماء الإجرام في معالجتهم للجريمة بين من يعتبرها و اقعة اجتماعية وبين من يعتبرها واقعة قانونية وبين من ياخد بكلا البعدين أي القانوني والاجتماعي.

أولا : مفهوم الجريمة كواقعة اجتماعية

يأخذ بعض علماء الإجرام بالمفهوم الاجتماعي للجريمة معتبرين أن الطابع الاجتماعي هو الضابط والمحدد في تعريف الجريمة وفي دراسات ياخذ بعض وأبحاث علم الإجرام.

وقد ظهر هذا التصور وتبلور مع النقاشات التي أثارها علماء المدرسة الوضعية التي تتمحور حول وضع ظابط معياري للجريمة.

مفهوم الجريمة عند هذا التيار تكمن في كونها سلوك شاذ مخالف للتصور العام للجماعة يعبر عن نقص في شعور التضامن الاجتماعي لدى المجرم الذي لم يكتسب المناعة الكافية التي تغذيها منظومة القيم وقواعد الضبط الاجتماعي اللازمة لحفظ كيان الجماعة 

وتناسبت مجموعة من التعاريف ذهبت إلى هذا الاتجاه من قبيل أن الجريمة تمثل خروج الفرد على منطق الجماعة وما تقتضيه قواعد العيش المشترك من التعايش في كنف مجتمع يراعي مصلحة الفرد والجماعة على حد سواء.

وذهب البعض الآخر إلى أن الجريمة تجسد الأفعال أو السلوكات المخالفة للقيم واتجاهات المجتمع.

عموما تلتقي هذه التعاريف مجتمعة في أن مفهوم الجريمة هي مجموعة أفعال مخالفة لواجب الضبط الاجتماعي والخروج عن قواعد السلوك والاتجاهات السائدة في المجتمع.

وهناك اتجاه آخر أخذ بالمفهوم القانوني للجريمة، حيث أعطاها بعدا قانونيا وينظر إليها كواقعة قانونية وإن اختلفت وتباينت الرؤي حيال ذلك.

ثانيا : مفهوم الجريمة كواقعة قانونية

أخذ أكثر علماء الإجرام بالطابع القانوني في محاولة تحديدهم لماهية الجريمة حيث ينظرون إليها كحقيقة قانونية

فالجريمة في نظر هذا الاتجاه تتمثل في السلوكات المخالفة للقاعدة القانونية المحددة للأفعال المتمثلة في الأوامر والنواهي الضارة بالمجتمع والمعاقب عليها بمقتضى القانون.

فهذا الاتجاه من علماء الإجرام يكرس فلسفة شرعية الجرائم والعقوبات المبنية على قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”

ومفاد ذلك أنه لا سبيل للحديث عن الجريمة متى لم تكن واردة بنص قانوني،

وبمفهوم المخالفة لا وجود لجرائم تستمد أصولها من قواعد الضبط الاجتماعي باعتبارها تخالف ضوابط السلوك الاجتماعي مالم يكن منصوصا عليها في نص تشريعي ويرتب عنها جزاءا قانونيا،

فإذا لم يخالف السلوك قاعدة قانونية منصوصا عليها فلا نكون إزاء جريمة ولا يكون مرتكبها مجرما، و بالتالي لا تصح أن تكون موضوعا لعلم الإجرام

غير أن هذا الاتجاه يؤخذ عنه أنه أخذ بالمفهوم الضيق للجريمة بتركيزه على الجانب القانوني الذي لا يعبر عن جوهرها باعتبارها واقعة مادية قبل أن تكون واقعة قانونية

والأخذ بهذا المفهوم لا يشمل الجريمة في جميع أبعادها لأن عدم تجريم بعض الأفعال المخالفة لقواعد الضبط الاجتماعي يبعدها عن دائرة دراسة علم الإجرام.

ثالثا : مفهوم الجريمة في بعديها القانوني والاجتماعي

ذهب علماء المدرسة الوضعية الايطالية إلى الإحاطة بجوانب الجريمة الإنسانية والاجتماعية، مما يكون معه الأخذ بالبعد القانوني وحده لا يسعف في تمثل وفهم الجريمة على نحو يمكن معه دراستها دراسة علمية ويساعد في تفسير العوامل التي تحكمها.

لذلك، كان حتما ولزاما أن يكشف تعريف الجريمة ليس فقط عن خصائصها القانونية باعتبارها كائنا قانونيا وإنما كذلك عن العناصر الأساسية التي يتألف منها جوهرها باعتبارها حقيقة إنسانية واجتماعية ذلك اجدي لدراسة العوامل الإنسانية والاجتماعية المؤدية إلى ارتكاب الجريمة سواء كانت تلك العوامل داخلية أو خارجية.

تكمن فلسفة هذا الاتجاه أنه يجمع بين الجانب الاجتماعي والجانب القانوني في تصوره للجريمة، متجاوزا بذلك قاعدة النصية المتمثلة في شرعية الجرائم والعقوبات ليس من أجل إلغائها بل بتوسيع دائرة الأفعال الجرمية التي تكمن في كل تصرف عدواني ينم عن الاستهتار بقواعد الضبط الاجتماعي والقانوني.

في هذا الإطار، اتجه بعض العلماء إلى إعطاء الجريمة تعريفا عاما كما فعل “الجارفارو”، الذي نادى بفكرة الجريمة الطبيعية، وهي الجريمة التي تجمع كافة المجتمعات المتمدنة على تجريمها وترتيب الجزاء الجنائي على فاعلها.

وقد تعرض هذا التوجه لمجموعة من الانتقادات لأنها تتعارض مع الواقع الاجتماعي حيث يمكن اعتبار بعض السلوكات جريمة في ظروف معينة ليست كذلك في ظروف أخرى، كما أنه يصعب إثبات أن فعلا من الأفعال يعتبر جريمة على مر الأزمنة والعصور كما يصعب إجماع المشرعين كافة على ذلك.

في هذا الاتجاه، قدم العالم الايطالي “جريسبيني ” تصورا أخر عن الجريمة الطبيعية نظرا إليها باعتبارها كائنا قانونيا و اجتماعيا في نفس الوقت.

ومفاد هذه الفكرة أن المجتمعات تحتاج في سبيل استمرار وجودها والحفاظ عليه أن تضع قواعد العيش المشترك بين جميع أفرادها، وكل سلوك قد يتعارض مع هذه القواعد يحرك الشعور العام الجماعة من أجل تجريم تلك الأفعال وتقرير الجزاءات المناسبة لها، وهو ما تضطلع به السلطة التشريعية

الفقرة الثانية : نماذج الجرائم عند علماء الإجرام

عادة ما ينظر علماء الإجرام إلى الجرائم من زاويتين :

من زاوية سبب ارتكابها “أولا” ومن زاوية نوع المجرم المرتكب لها “ثانيا” غير أننا نضيف نوعا “ثالثا “يتمثل في جرائم ظهرت نتيجة الثورة التكنولوجية والاقتصادية التي عصفت بالهياكل التقليدية وأخذت أبعادا عالمية وهي ما يمكن أن نسميها بالجرائم العابرة للحدود.

أولا : الجرائم بحسب سبب ارتكابها

تنقسم الجرائم بحسب سبب ارتكابها لدى علماء الإجرام إلى ثلاثة أنواع وهي :

– جرائم العنف ؛- الجرائم النفعية – جرائم إرساء،

تعبر جرائم العنف عن سلوكات عدوانية تصدر من الفاعل بقصد الحاق الأذى بالآخرين، وقد يصدر هذا النوع من الجرائم عن شعور يعتري المجرم بدافع الانتقام أو رد فعل أو اعتداء ولو كان بسيطا

وتتميز هذه الجرائم بالقسوة والشدة بالنظر إلى الآثار والنتائج المترتبة عنها كالضرب والجرح والقتل حيث تنم عن رد فعل بدائي يعتمد القوة

أما الجرائم النفعية فهي التي يرتكبها المجرم بدافع الحصول على منفعة شخصية أو أنانية كما هو الشأن بالنسبة لجريمة السرقة والنصب والاحتيال وخيانة الأمانة للحصول على منافع مالية

أما جرائم إرساء العدالة الكاذبة فهي الجرائم التي يروم من ورائها المجرم إلى تحقيق وإرساء دعائم العدالة في نظره كجرائم الشذوذ الجنسي التي يرى فيها أن له الحق في ارتكابها، والجرائم المذهبية حينما يتشبع المجرم بأفكار عقيدة مذهبية ما، يرتكب جرائمه إخلاصا لهذه العقيدة بهدف تخليص طائفته أو أسرته أو نفسه أحيانا فيقوم بتغليب القوة على العقل

وقد باتت الجرائم المرتكبة بدافع العقيدة الدينية المتطرفة تتكاثر وتهدف إلى تغليب منطق العقيدة التي يؤمن بها المجرم بهدف تغيير المنكر او النظام السياسي، حيث يرى في كل من لا يشاطره رأيه وعقيدته مارق خارجا عن الدين ويستبيح دمه.

ويدخل في زمرة هذه الجرائم كذلك من يطبق العدالة بيده حيث يقوم بتصفية مجرم يعتدي على أموال الناس وأرواحهم فيرى في قتل هذا الأخير تحقيقا للعدالة ولن تطاله يد القانون.

يتضح أن هذه الجرائم ترتكب بدافع عاطفة مشحونة وجياشة قد تكون بدوافع نبيلة كما هو الشأن بقتل مجرم اعتاد الاعتداء على الناس عن طريق الرعب والإرهاب أو قتل مريض ميؤوس من شفائه لإنهاء الامه ومعاناته او ما يصطلح عليه بالقتل بدافع الشفقة. وقد يكون الدافع مذهبيا حيث تنساق العاطفة وراء عقائد و أفكار تسيطر على المجرم وتدفعه إلى ارتكاب الجريمة إخلاصا لانتمائه العقدي أو الديني.

ثانيا : الجرائم بحسب طريقة ارتكابها

عادة ما يقوم علماء الإجرام بتقسيم الجرائم بحسب طريقة ارتكابها إلى جرائم منظمة وجرائم غیر منظمة. فالجرائم المنظمة هي التي يتم ارتكابها بعد إعداد مسبق لها سواء ارتكبتها عصابات إجرامية أو ارتكبها أفراد.

أما الجرائم الغير المنظمة فهي الجرائم التي يغلب عليها طابع المفاجأة دون إعداد أو ترتيب مسبق لها كما هو الشأن بالنسبة للجرائم العاطفية التي ترتكب على إثر انفعال عاطفي.

وتنقسم الجرائم المنظمة إلى جرائم تقع في محيط المجرمين حيث تعبر عن الاحتراف في ارتكاب الجرائم، وهذه الحالة يمكن تصورها بالنسبة للمجرمين الذين صاروا يتخذون من الإجرام مهنة لهم.

أما الجرائم المنظمة التي تقع خارج محيط المجرمين فهي التي يرتكبها أشخاص عاديون يستغلون وضعهم الاعتباري أو وظائفهم المشروعة بالقيام ببعض الأفعال بهدف الحصول على أغراض شخصية

مراجع إضافية

 اسحق ابراهيم منصور: موجز في علم الإجرام وعلم العقاب

 سليمان عبد المنعم سليمان، أصول علم الجزاء الجنائي، نظرية الجزاء الجنائي، فلسفة الجزاء الجنائي، أصول المعاملة العقابية

 منصور رحماني : علم الإجرام والسياسة الجنائية

 

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا







 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!