مصادر القانون الدولي الخاص

تحديد مصادر القانون الدولي الخاص

مصادر القانون الدولي الخاص

 يعتبر القانون الدولي الخاص من حيث المبدأ دوليا بموضوعه أكثر من مصادره فقواعد هذا القانون في غالبيتها، سواء كانت قواعد الإسناد أو قواعد مادية موضوعية تستمد من القانون الداخلي غير أن الصفة الوطنية لمصادر القانون الدولي الخاص لا يعني بتاتا إنكار للدور الذي يمكن أن تلعبه المصادر الدولية. وجرت العادة على تقسيم مصادر القانون الدولي الخاص إلى مصادر داخلية ومصادر خارجية.

المطلب الأول: مصادر القانون الدولي الخاص الداخلية :

الفقرة الأولى: التشريع :

تتباين أهمية التشريع في نطاق القانون الدولي الخاص تبعا لموضوعاته. فالطابع السيادي المميز لبعض هذه الموضوعات كالجنسية مثلا، تجعل من الطبيعي أن تتكفل الدولة بوضع أحكامها بموجب نصوصها التشريعية. بينما فيما يتعلق بقواعد التنازع فإن الدولة اختلفت في هذا الباب. فبالنسبة للمغرب نجد أن النص الأساسي الذي ظل مصدرا لها هو ظهير الوضعية المدنية للأجانب الصادر بتاريخ 12 غشت 1913 والذي تضمن في جانب من مقتضياته أحكاما تتعلق بالتنازع وأخرى متعلقة بالوضعية المدنية للأجانب هذا فضلا على بعض النصوص الأخرى المتفرقة والتي تضمنتها بعض المعاهدات التي صادر عليها المغرب.

أما في مصر فقد تم وضع أحكام شاملة لقواعد التنازع في المواد من 10 إلى 48 من الباب التمهيدي للقانون المدني وتتعلق بالمبادئ الأساسية في فرنسا فإن قواعد التنازع هي ذات صفة عرفية وقضائية بالدرجة الأساسية للموضوع لا نجد سوى الفصل 3 من التقنين المدني الفرنسي وقوانين 3 يناير 1972 حول البنوة وقوانين 11 يناير 1975 حول الطلاق والانفصال الجسماني. كما أن القوانين المتعلقة بتنازع الاختصاص القضائي الدولي فهي قليلة بحيث لا نجد سوى الفصلين 14 و15 من القانون المدني.

 الفقرة الثانية: العرف :

 لقد شكل العرف في القانون الدولي الخاص بالنسبة لبعض الدول مصدرا لقواعد التنازع المكتوبة ولازال يلعب دورا مهما في هذا الباب. ففي فرنسا مثلا يشكل العرف المصدر الأساسي لقواعد التنازع، لدرجة أن معظم المبادئ المستقرة في مادة التنازع تجد مصدرها الأساسي إما في العرف أو فيما توصلت إليه المحاكم الفرنسية من اجتهاد تحت ستار نصوص القانون المدني، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ندرة النصوص التشريعية الفرنسية بالنسبة لقواعد التنازع.

الفقرة الثالثة: القضاء :

 يشكل الاجتهاد القضائي مصدرا مهما للقانون الدولي الخاص خاصة في ميدان التنازع بين القوانين. ففي بعض الدول مثل فرنسا نجد أن القضاء لعب دورا أساسيا وحاسما في وضع الحلول والمبادئ القارة لمشاكل التنازع استخلصها من دراسة بعض القضايا المشهورة التي عرضت عليه.

ومما لا شك فيه أن ندرة النصوص التشريعية الفرنسية، قد ساهمت بشكل كبير في أن يحتل القضاء دور الصدارة كمصدر أساسي وأصيل لقواعد التنازع في فرنسا.

وكتدعيم للدور الذي يلعبه القضاء هنا نصت بعض التشريعات صراحة على مصدر آخر وهو “مبادئ القانون الدولي الخاص”، وهكذا فقد نصت المادة 24 من القانون المدني المصري على أنه مز «تتبع فيما لد يرد بشأنه نص في المواد السابقة من أحوال التنازع مبادئ القانون الدولي الخاص» وكان هدف المشرع هنا هو أن يضع بين يدي القضاء أداة لمسايرة التطور في ميدان التنازع.

 المطلب الثاني: مصادر القانون الدولي الخاص الدولية :

الفقرة الأولى: مدى أهمية المصادر الدولية للقانون الدولي الخاص:

 من المتعارف عليه دوليا أن القانون الدولي الخاص لا يمكن أن يكون دوليا إلا بموضوعه ومصادره على حد سواء غير أن هذا المبدأ لم يعد مطلقا، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العديد من موضوعات القانون الدولي الخاص كالجنسية مثلا أضحت من الاختصاص الفعلي للدول تبعا لما يقرره القانون الدولي العام نفسه بحيث ينص على مبدأ حرية الدول عند تنظيمها الموضوع من موضوعاته.

 فالمقتضيات العامة للقانون الدولي العام تعترف للدول بسلطة التقرير المطلق في المجالات التي تهم العلاقات الخاصة الدولية، وهذا الهامش من الحرية والاستقلال في التنظيم يتدرج بحسب طبيعة موضوعات القانون الدولي الخاص.

– فعلى مستوى الجنسية نجد أن هذه الأخيرة، تعد من المسائل التي يترك أمر تنظيمها للقانون الداخلي للدول، حيث يعود لهذه الأخيرة استقلال حق تعیین من هم مواطنوها، وذلك عن طريق تنظيم شروط کسب جنسيتها وفقا لمبادئ وأحكام تستجيب لاعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية، فهي تتمتع بحرية تكاد تكون مطلقة في إسناد جنسيتها الأصلية أو المكتسبة.

– فقد جاء في اتفاقية لاهاي بان الكل دولة الحق في تحديد مواطنيها بموجب تشريعاتها الداخلية وعلى كل دولة احترام هذا التشريع شرط أن يكون منسجما مع الاتفاقيات الدولية والعرف الدولي والمبادئ المسلم بها في مجال الجنسية.

بمجرد ما يتحقق الوجود الفعلي والقانون الدولة معينة، يثبت لها الحق في أن تنظم المسائل المتعلقة بجنسيتها بالكيفيات التي تنسجم مع مصالحها العليا، وبالطرق التي تتفق ومشاربها الفلسفية والإيديولوجية، فالجنسية هي مظهر من مظاهر السيادة الدولية، ومن ثم فإن تنظيم هذه المسألة هي ذات شأن داخلي غير أن الدول مع ذلك تظل محمولة على احترام بعض المبادئ بناء على الرابطة الفعلية التي تجمع الفرد بالدولة حتى تنسجم حرية الشخص في تغيير جنسيته ومبدأ المساواة بين المرأة والرجل في نقل الجنسية إلى الأبناء، ومبدأ تجنب حالات تعدد الجنسيات بالنسبة للشخص الواحد أو انعدامها بالنسبة إليه وغيرها من المبادئ.

أما على مستوى الأجانب فإنه يترتب على الأعراف الدولية في هذا الباب مبدأ أساسي يتجسد في ضرورة تضمين التشريع الداخلي حدا أدنى من الحقوق للأجانب حتى لا يكون هناك تمييز واضح بين الوطني والأجنبي ول يتجاوز الحدود المنطقية والمعقولة، ولذلك يجب احترام مبدأ المعاملة الدولية النموذجية للأجانب، ولذلك يجب احترام الدبلوماسية المقررة لبعض الشخصيات والهيئات بقصد إعفائهم من الخضوع للقضاء المحلي.

 مما سلف يتضح أن قواعد القانون الدولي العام لا تفرض بشكل حالي ؟؟ فيما يتعلق بتنظيم الجوانب الكبرى لموضوعات القانون الدولي الخاص ؟؟ أهمية المصادر الداخلية بالمقارنة مع الدمور المحدود التي قد تلعبه المصادر الدولية للمعاهدات التي تدفع الدول إلى تحمل مزيد من الالتزامات بشكل أكثر صرامة في هذا الميدان.

الفقرة الثانية: دور المعاهدات الدولية:

 إن الهدف الرئيسي من إقدام الدول على إبرام معاهدات دولية هو معالجة الصعوبات التي تترتب نتيجة اختلاف أنظمتها في حكم مسائل القانون الدولي الخاص بشكل يؤدي إلى تحقيق بعض المصالح المشتركة فيما بينها.

 ففي ميدان الجنسية نجدها تتصدى لمعالجة إشكالية التعدد في الجنسيات أو حالة انعدامها بالنسبة لشخص واحد، وفي ميدان مركز الأجانب فإن غالبية الاتفاقيات المبرمة هنا تنصب على محاولة التقليص من الفوارق على مستوى التمتع بالحقوق بين الوطني والأجنبي، بينما تسعى في ميدان التنازع بين القوانين وتنازع الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية إلى إعطاء حلول موحدة بالنسبة للقواعد التي تحكم هذا الميدان.

وللمعاهدات دور خاص لدرجة أن بعض الفقه أوصى بضرورة اعتمادها وسيلة لتوحيد قواعد القانون الدولي الخاص، فقد أدى تطور العلاقات التجارية بين الدول إلى تزايد أهمية المعاهدات، فالجهود التي بذلت في هذا الاتجاه ترمي إلى تحقيق مسألتين أساسيتين:

1 – توحيد قواعد القانون الدولي الخاص ذاتها وبالأخص قواعد التنازع، وذلك بالاتفاق على حلول عامة في هذا الباب.

2 – توحيد الأحكام الموضوعية في بعض المسائل المتعلقة بالقانون الخاص (كالقانون التجاري) بشكل يؤدي مبدئيا إلى القضاء على التنازع بين القوانين في هذا الميدان.

ومع الأهمية التي أضحت تتزايد يوما بعد يوم للاتفاقيات الدولية فإن هناك عدة معوقات تحول دون فعالية دورها في مجال القانون الدولي الخاص نذكر منها:

1 – إن المعاهدات عادة ما تهتم بمیادین ترتبط بالحياة الخاصة الدولية أي متعلقة بالأفراد وبالتالي فإن الدولة لا تكون معنية بها إلا بصفة غير مباشرة، ولذلك فإنها لا تبذل مجهودات كافية لإبرام هذه المعاهدات.

2 – كما أنه قد يترتب عن إبرام اتفاقية معينة تنازل الدولة عن جزء من قواعد قانونها الداخلي، وهو ما لا تقبل به الدول بسهولة خاصة في الميادين التي تعتبرها ذات طابع سيادي، الشيء الذي يعيق بسهولة إبرام اتفاقيات ومعاهدات في هذا المجال.

3 – فمختلف هذه المعوقات تفسر إلى حد بعيد قلة المعاهدات المبرمة في القانون الدولي الخاص.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!