مصادر القانون الجبائي

مصادر القانون الجبائي

مصادر القانون الجبائي

يستقي القانون الجبائي كباقي فروع القانون قواعده ومبادئه من مصادر قانونية كالدستور والتشريع وأخرى غير قانونية سوسيولوجية وإيديولوجية، حيث يستمد منها قوته و إلزاميته قبل أن تصاغ الضريبة في قواعد قانونية تلزم المكلف بأدائها، وتشكل هذه المصادر كما أشرنا إلى ذلك قاعدة عامة لمختلف فروع القانون، وتتدرج من حيث قوتها ومكانتها ومرتبتها حسب قوة إلزاميتها في الدولة من الأعلى إلى الأدنی ابتداء من الدستور الذي يعتبر القانون الأسمى في الدولة، ثم التشريع والمراسيم التنظيمية، والمبادئ العامة للقانون ، والمعاهدات الدولية، إضافة إلى المصادر المفسرة للقاعدة الجبائية منها تفسير الإدارة والإجتهاد الفقهي والقضائي، أما المصادر غير القانونية فتتشكل أساسا من مصادر سوسيولوجية.

المبحث الأول: المصادر القانونية

يشكل كل من الدستور والقوانين والمراسيم التنظيمية والمبادئ العامة للقانون والمعاهدات الدولية والإجتهاد الفقهي والقضائي أهم مصادر القانون الجبائي والتي نقسمها إلى مصادر منشئة للقاعدة الجبائية، وأخرى مفسرة لها.

المطلب الأول: المصادر المنشئة للقاعدة القانونية الجبائية

لهذه المصادر دور كبير في خلق وإنشاء القاعدة القانية الجبائية والتي تتشكل من الدستور والقوانين والمراسيم التنظيمية والمعاهدات الدولية والمبادئ العامة للقانون.

الفرع الأول: الدستور

يعتبر الدستور القانون الأسمي والأساسي للدولة ، حيث يحدد القواعد والمبادئ الدستورية التي يجب على السلطات العامة في الدولة احترامها، كما يبين ويحدد اختصاصات هذه السلطات ومن بين هذه الاختصاصات، الاختصاص المحدد للبرلمان في الميدان الجبائي ، ذلك أن الدستور المغربي المراجع سنة 1996 شأنه في ذلك شأن الدساتير السابقة، قد نص في المادة 17 بأنه” على الجميع أن يتحمل كل على قدر استطاعته التكاليف العمومية التي للقانون وحده الصلاحية لإحداثها وتوزيعها حسب الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور”

الفرع الثاني: التشريع والمراسيم التنظيمية

الأصل أو القاعدة أن القانون من اختصاص السلطة التشريعية أو البرلمان وهي القاعدة التقليدية التي استقرت بعد قيام الثورة الفرنسية كانت تجعل البرلمان هو صاحب الإختصاص المطلق في مجال الوظيفة التشريعية، باعتبار أن القانون هو المعبر عن إرادة الأمة، أما عمل السلطة التنفيذية فيكون تبعيا، لكن بصدور دستور الجمهورية الخامسة لسنة 1958 تغير الوضع حيث تداخلت الإختصاصات بين السلطتين، وأصبح معيار التفرقة بين الاختصاص التشريعي والاختصاص التنظيمي يرتبط بمضمون القواعد القانونية،

فإذا كانت القواعد من شأنها إعادة النظر في القواعد القانونية فهي من اختصاص البرلمان أما إذا كان من شأنها تطبيق القاعدة القانونية فهي من اختصاص السلطة التنظيمية

وهكذا فإن الإختصاص البرلماني في المادة الضريبية محددة على المستوى الأفقي في رسم القواعد الرئيسية للضرائب والرسوم دون أن يمتد إلى أشباه الرسوم والإقتطاعات الإجتماعية، أو على المستوى العمودي فينحصر اختصاصه في تحديد المفاهيم والقواعد الأساسية للضريبة دون الدخول في أساليب تطبيقاتها والتي هي من اختصاص السلطة التنظيمية أي الحكومة

الفرع الرابع: المواثيق الدولية

وهي إما عبارة عن اتفاقيات دولية تقليدية ذات طبيعة ثنائية تهدف إلى تفادي أو الحد من الإزدواج الضريبي أو اتفاقيات دولية متعددة الأطراف تهدف إلى القضاء على التهرب الضريبي (نموذج الإتحاد الأوربي) وفي هذا السياق نتساءل عن مدى إلزامية المعاهدات الدولية في المجال الجبائی ، هناك نظريتان، نظرية وحدة القانون والنظرية المزدوجة

فالأولى لا تميز بين القانون الداخلي والقانون الخارجي، وتنقسم بدورها إلى اتجاهين ، الأول يعتمد على نظرية السيادة المطلقة ويمنح الأولوية للقانون الداخلي، والثاني يدافع عن سمو القانون الخارجي على القانون الداخلي، وهو الموقف الذي تبنته معاهدة فيينا المتعلقة بقانون المعاهدات في المادة 27.

أما النظرية المزدوجة فهي تميز بين القانون الداخلي والقانون الخارجي، ومفادها أن القاعدة القانوني الدولية لا تطيق في القانون الداخلي إلا إذا تم دمجها فيه وبالتالي تصبح في صيغة قانون داخلي

أما الدستور المغربي فجاء خاليا من أي بيان وتوضيح حول مسألة مرتبة المعاهدات بالنسبة للقانون الداخلي، لكن بالمقابل توجد بعض القوانين التي تؤكد صراحة سمو المعاهدة على القانون الداخلي من ذلك الفصل الأول من قانون الجنسية “تحدد المقتضيات المتعلقة بالجنسية المغربية بموجب القانون وعند الاقتضاء بمقتضى المعاهدات أو المواثيق الدولية التي تقع المصادقة عليها ويتم نشرها.

إن مقتضيات المعاهدات أو المواثيق الدولية المصادق عليها والموافق على نشرها ترجح على أحكام القانون الداخلي”

ويمكن القول مع أحد الباحثين أن جميع المعاهدات غير المتعارضة مع الدستور والمستوفية لجميع شروطها تكون لها قوة أعلى من القانون الداخلي وبالتالي فإن المعاهدة في إطار التحليل القانوني وكذلك من ناحية الممارسة يكون لها الرجحان على القانون الداخلي السابق لها، كما يكون لها العلو على القانون اللاحق المخالف.

المطلب الثاني: المصادر المفسر للقاعدة الجبائية

يشكل كل من تفسير الإدارة Doctrine administrative والفقه والقضاء الثالوث الأساسي في تفسير القاعدة القانونية الجبائية

الفرع الأول: تفسير الإدارة

تتكون أساسا من تعليقات الإدارة الضريبية أو المذكرات التفسيرية التي تصدر عنها وكذلك التوجيهات الموجهة إلى أعوانها، وهي بذلك تكتسي أهمية بالغة في تطبيق القانون الجبائي خاصة وأن هذا القانون يتسم ببعض التعقيدات نظرا لطابعه

وتفسير الإدارة له أهمية أيضا من حيث أنه يساهم في توضيح وبيان تفاصيل القانون الجبائي وجزئياته، كما يساهم في تبيان حالات جديدة قد تستجد في إطار تطبيقات التشريع الضريبي.

وقد اعتبر الإجتهاد القضائي المذكرات التفسيرية مجرد تعليمات إدارية ليست لها مرتبة النصوص القانونية، وبالتالي لا تتوفر على صفة الإلزامية ولا يمكن الإعتداد بها من قبل الإدارة ما دامت تقتصر على تفسير الأحكام الجبائية وفق النية التي اتجه إليها المشرع دون إثقال العبء الضريبي أو تخفيفه أو تضريب فئة مهنية أعفاها القانون، غير أن الإجتهاد القضائي في فرنسا يقبل الإعتداد من طرف الملزم بالضريبة بالمذكرة التفسيرية في مواجهة الإدارة إذا كانت تتضمن أحكام في مصلحته شريطة عدم مخالفتها لروح القانون..

ومهما يكن من إلزاميتها القانونية فهي وسيلة العمل اليومية التي تتقيد بها الإدارة الجبائية.

الفرع الثاني: الفقه والقضاء

يعتبر الفقه والقضاء من المصادر الرئيسية التي تساهم في تفسير القاعدة الجبائية، بل تتعداه إلى خلق وإنشاء هذه القاعدة القانونية

الفقرة الأولى: الفقه

وهو في الحقيقة ليس مصدرا للقانون الجبائي، لأن الفقيه أيا كانت مكانته لا يعتبر مشرعا، بل أن مهمته تقتصر على شرح و تفسير النصوص القانونية و التعليق على أحكام القضاء، ومع ذلك فإن دور الفقه في مجال القانون العام خطيرة ، بحيث يمكن للفقهاء أن يردو على التشريعات الجزئية التي يبينها المشرع والأحكام الفردية التي يصدرها القضاء إلى أصول عامة، وبصفة عامة فإن الفقه يساهم بشكل عملي و فعال في تقديم نوع من التوجيه والإرشاد لكل من المشرع والقضاء.

الفقرة الثانية: القضاء

يلعب القضاء دور أساسي في تفسير القواعد القانونية الجبائية، بل قد يتعدى هذه المهمة بحيث يساهم في خلق وإنشاء القواعد القانونية في الميدان الجبائي، ولذلك على الفقهاء بترتيب أحكام القضاء ونشرها والتعليق عليها وجعلها في متناول الباحثين والمهتمين خاصة في الدول المتقدمة كفرنسا مثلا، وهكذا فإن مهمة الإجتهاد القضائي تكون مزدوجة، منشئة ومبدعة القاعدة القانونية أحيانا ومفسرة لها أحيانا أخرى.

المبحث الثاني: المصادر السوسيولوجية

يعتبر كل من الدين والأخلاق وكذا القوة والحرب أهم مكونات المصادر السوسيولوجية التي تستند عليها إلزامية الضريبة في المجتمع.

المطلب الأول : الدين والأخلاق

للضريبة مصدر ديني ويبدو ذلك واضحا من خلال هيكلة مختلف الأنظمة الضريبية الرئيسية خاصة أثناء بداية تأسيسها، وهكذا نجد ضرائب تؤدي لفائدة الكنيسة من دخل الأفراد، إلا أن الإرتباط الوثيق يتجلى في الدين الإسلامي ، حيث تعتبر الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وإن كانت معظم البلدان الإسلامية لا تلتزم بتطبيقها.

كما أن الأساليب الفنية للضريبة تستمد أحيانا مصدرها من الدين كما هو الأمر في فرنسا مثلا أن الزوجين يقدمان تصريحا مشتركا واحدا عن دخلهما خلافا لما هو معمول به في الدول الإسلامية حيث نجد انفصال الذمة المالية بين الزوجين، كما يلاحظ تمييز من حيث العبء الضريبي بين الأعزب والمتزوج إذ تكون مرتفعة على الأول ولهذا الأمر سند دیني إذ تعطى الأهمية للمؤسسة الزوجية كنموذج لتنظيم المجتمع.

وعلى الرغم من أهمية ومكانة المصدر الديني في فرض الضريبة ، إلا أنه لا يمكن الإعتداد به من طرف الدولة لأن هذا المصدر يعتمد بالأساس على القناعة الفردية للشخص، مما يفسح المجال لظهور مصدر القوة ليؤكد على إلزامية الضريبة نتيجة نشوب الحروب.

المطلب الثاني: القوة أو الحرب

يلاحظ من خلال استقراء السياق التاريخي للضريبة أنها كثيرا ما تأسست نتيجة حرب معينة فمثلا تم اعتماد الضريبة على الدخل في إنجلترا لأول مرة سنة 1798 وذلك من أجل تمويل الحرب ضد فرنسا رغم أنها ألغيت بمعاهدة السلم سنة 1802 إذ تم تطبيقها ثانية إثر نشوب الحرب من جديد سنة1803.

إلا أن مفعول هذا المصدر كان واضحا في الدول الإسلامية، إذ نشأت ضرائب على إثر الفتوحات الإسلامية في مختلف الأصقاع ، وتعتبر الجزية والخراج أهم هذه الضرائب.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!