مصادر الشريعة الإسلامية

مصادر الشريعة الإسلامية

القرآن الكريم

مصادر الشريعة الإسلامية – عند التحقيق – مصدر واحد لا شريك له، هو الوحي الإلهي وهذا الوحي قسمان :

وحي متلو، وهو القرآن الكريم، ومعنى أنه “متلو” أنه متعبد بتلاوته، ووحي غیر متلو، وهو السنة النبوية.

– ومن فضل الله على المسلمين: أنهم وحدهم الذين يملكون المصدر الوحيد، الذي يتضمن كلمات الله تعالى الأخيرة للبشر، سالمة من كل تحريف او تزييف او زيادة أو نقصان. وذلك هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولم يزل كما أنزله الله على قلب محمد، وكما لقنه لأصحابه، وتلقاه عنهم من بعدهم جيلا بعد جيل، محفوظة في الصدور، مکتوبا في المصاحف، متلوا بالألسنة، مسموعة في المساجد والمعاهد والمنازل، محوطا بكل معاني التكريم والتقديس.

کتاب تميز بجملة خصائص، أهمها:

الإعجاز:

فقد تمیز دون الكتب السماوية الأخرى بالإعجاز الإلهي فهو المعجزة الكبرى والآية العظمى لمحمد صلى الله عليه و سلم

فقد شاء الله أن تكون معجزات الرسل، وآيات الأنبياء السابقين، مادية حسية ، كقلب العصا حية لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله للمسيح عيسى لأن رسالاتهم كانت موقوته بزمن ثم ينسخها ما بعدها,

اما رسالة محمد فهي الرسالة الخاتمة والخالدة، التي تميزت بشمولها في المكان، فهي رحمة للعالمين، وشمولها في الزمان، فهي باقية إلى قيام الساعة، ولا نبوة بعد محمد، وبشمولها لكل حياة الإنسان، فهي رسالة الدنيا والآخرة، ورسالة الفرد والمجتمع، ورسالة العقل والقلب، والمادة والروح.

وكان من حكمة الله أن تكون الآية الدالة على صدق صاحب هذه الرسالة أية عقلية معنوية، لا تنتهي بانتهاء زمن وقوعها كالآيات الكونية الأخرى، بل هي باقية تتحدى العالمين من بعد كما تحدت العرب من قبل.

إن هذه الآية العظمى – القرآن – تشتمل على الإعجاز البياني، الذي كان أظهر ألوان الإعجاز في تحدي العرب، الذين عجزوا أن يأتوا بحديث مثله أو «بعشر صور مثله مفتريات، أو بسورة من مثله،

كما اشتمل القرآن على لون آخر من الإعجاز، يمكن تحدي الأمم جميعا به ، وإن لم يعرفوا العربية، لأنه يتعلق بمضمون القرآن ومحتواه، وهو ما يمكن تسميته “الإعجاز الإصلاحي او التشريعي” الذي تضمن اعظم التعاليم، وأقوم المناهج، لهداية البشرية إلى التي هي أقوم، في تزكية الفرد، وإسعاد الأسرة، وتوجيه المجتمع، وبناء الدولة، وإقامة العلاقات الدولية على أمتن الدعائم.

واشتمل القرآن الكريم على لون آخر من الإعجاز كشف عنه العصر الحديث وهو ما اصطلح على تسميته بالإعجاز العلمي، وهو ما يتعلق بحقائق الكون والحياة ، وعجائب خلق الإنسان والحيوان والنبات، وخلق السموات والأرض، ما تضمن ذلك من اوصاف بالغة الدقة، باهرة الروعة، سبقت أحدث ما انتهت إليه علوم الكون والحياة في عصرنا الذي بلغ الذروة في مضمار المعارف العلمية الطبيعية والرياضية .

ولهذا الإعجاز رجال متحمسون، جلهم بل كلهم من علماء الكون لا من علماء الدين، ولهم كتب ومؤلفات، وندوات ومؤتمرات، وهيئات ومؤسسات، ولا ريب أن جانبا كبيرا مما ظهر من بحوث الإعجاز العلمي يدل على أن هذا الكتاب يستحيل أن يكون من صنع رجل أمي في أمة أمية في عصر متخلف، فلم يبق إلا أن يكون كما قال منزله: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض)

الخلود والحفظ :

ويتميز القرآن كذلك بأنه كتاب الله الخالد، الباقي إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، فهو ليس كتاب جيل أو عصر، ولا كتاب أجيال أو أعصار، ثم ينقضي زمنه ، وينسخه غيره، كما نسخت كتب الأولين بكتب بعدها.

بل هو الكتاب الخاتم للرسالة الخاتمة، وقد تضمن آخر ما أراد الله تعالى أن يقوله للبشرية بعد أن اكتمل نضجها، واستحقت أن تخاطب بالرسالة العامة الخالدة

فليس بعد القرآن كتاب، ولا بعد محمد رسول، بعد أن ختم الله به النبيين

ومن هنا تكفل الله تعالی بحفظه من كل تحريف أو تبديل، وأعلن ذلك بصيغة تجمع كل دلائل التأكيد : “إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون” بما تدل عليه الجملة الإسمية وحرف التأكيد “إن” وضمير الفصل “نحن”، وبإعادة “ان” وباللام في الخبر “لحافظون”، ومجرد الوعد أو الخبر من الله تعالی کافي، فإن وعده حق، وخبره صدق، فكيف مع هذه المؤكدات؟!.

ومن دلائل ذلك أن أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان مرت على هذا الكتاب الكريم منذ نزوله على قلب محمد في غار حراء، وإلى اليوم، ولم يزل محفوظا مصونا كاملا، كما نزل به الروح الأمين جبريل، وكما وعاء عنه الرسول الكريم محمد، وكما بلغه لاصحابه فحفظوه في صدورهم، وكتبوه في صحفهم، وكما تلقاه منهم المسلمون بعدهم جيلا إثر جيل، لم يتعرض هذا الكتاب لزيادة أو نقص، بل بقي كما هو برسمه الأول وإن تغيرت قواعد الرسم والإملاء، كما بقي يقرا بطريقة قراءته الأولى بغنه مده وحركاته وسكناته، وقراءاته المختلفة التي أقرها كلها الرسول

حفظ الله القرآن، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه كتاب الزمن كله، فلا ينبغي أن يحمل على ثقافة عصر خاص، أو أفكار جيل معين فإن الثقافات تتطور، والأفكار تتغير، والقوانين تتبدل، والعصور والأجيال تذهب، ويبقى كتاب الله كما أنزله الله.

 الشمول:

ومن خصائص القرآن كذلك : الشمول، فكما أنه كتاب الزمن كله هو كتاب الدین كله : جمع أصول الهداية الإلهية، والتوجيه الرباني، في العقائد والشعائر والآداب والاخلاق، كما جمع اصول التشريع الإلهي في العبادات والمعاملات وشؤون الأسرة، وعلاقات المجتمع الصغير والكبير، المحلي والدولي. حتى إن أطول آية فيه إنما أنزلت لتنظم شأن من شؤون الحياة الاجتماعية، وهو كتابة الدين..

فليس هو كتابة لجنس دون جنس، ولا لوطن دون وطن، ولا لطائفة من الناس دون أخرى. ليس للعقليين دون العاطفيين، ولا العكس، وليس للروحيين دون الماديين ولا العكس، وليس للحكام دون المحكومين، ولا العكس، وليس للأغنياء دون الفقراء ولا للفقراء دون الأغنياء، إنه کتاب الجميع، ودستور الجميع.

السنة النبوية كمصدر من مصادر الشريعة الإسلامية

السنة : ما روي عن النبي هو من قول أو فعل أو تقریر

فإذا كان القرآن هو المصدر الأول للشريعة، فالسنة هي المصدر الثاني لها، وهي البيان النظري، والتطبيق العملي للقرآن.

القرآن بمثابة “الدستور” الذي يتضمن الأصول والقواعد الإلهية الأساسية التي لا بد منها لتوجيه الحياة الإسلامية، وهداية البشرية إلى التي هي أقوم .

والسنة في المنهاج النبوي الذي يفصل ما أجمله هذا الدستور، ويخصص ما عممه، ويقيد ما أطلقه ، ويضع له الصور التطبيقية من حياة رسول الله وسيرته الجامعة. والقرآن يقرر أن من مهمة الرسول أن يبين ما أنزل الله من الكتاب يقول تعالى : “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم ولعلهم يتفكرون”

ويقول: “وما أنزل عليك الكتب إلا لتبين لهم الذين اختلفوا فيه و هدى و رحمة لقوم  يؤمنون”

ولولا السنة ما عرفنا الكثير من أحكام الإسلام من عبادات أو معاملات ومن قرا كتب الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه، تبين له أن السنة هي عمدة معظم الأحكام.

لقد أمر القرآن بالصلاة، ولكن لم يبين عددها، ولا مواقيتها، ولا كيفيتها ولا أنواعها، من فرض و نفل، ولكن السنة هي التي تولت تفصيل ذلك.

وأمر القرآن بالزكاة ، ولكن لم يبين كل أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة، ولا النصاب اللازم لوجوب الزكاة، ولا مقدار الواجب، ولا زمن الوجوب، ولكن السنة هي التي حددت ذلك كله.

وكذلك الصوم والحج والعمرة كلها فصلتها السنة.

وقد زعم بعض الناس قديما وحديثا أن القرآن يغني عن السنة، وأن الله جعله تبيانا لكل شيء، وأن القرآن حفظ من التبديل، والسنة لم يضمن لها هذا الحفظ.

وهذا الزعم مخالف للقرآن نفسه، فقد أمر بطاعة الله وطاعة رسول الله معا قال تعالى : ” قل أطيعوا الله و أطيعوا الرسول”

والقول بأن القرآن حفظ من التبديل دون السنة، فقد بين الإمام أبو إسحاق الشاطبي أن حفظ القرآن يتضمن حفظ السنة، لأن حفظ المبين يقتضي حفظ ما بينه، فهذا من لوازم ذاك، ولهذا هيأ الله لعلم السنة من كل خلف عدوله «ینفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»، كما بينا ذلك في كتابنا كيف نتعامل مع السنة النبوية

وزعم بعضهم أن الذي يؤخذ به في الأحكام هو السنة المتواترة أو الحديث المتواتر، وهو الذي نقله جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة

أما السنة الأحادية أو حديث الآحاد، وهو ما يقابل المتواتر مما نقله فرد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر مما لم يبلغ حد التواتر، فلا يؤخذ به.

وقد رد الإمام الشافعي في “الرسالة” على من قال هذا القول، وفنده بالأدلة الناصعة فقد كان الرجل يفد على الرسول الكريم مندوبة من قومه، فيتعلم منه الدين، ثم يعود إلى قومه مبلغا ومعلما.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبعث أفراد من أصحابه إلى القبائل والأقاليم كما بعث أبا موسى ومعاذ إلى اليمن، دعاة ومعلمين.

والفرق بين القرآن والسنة أمور، أهمها:

 ا- إن القرآن كله ثابت بالوحي الجلي، فقد نزل به جبريل على قلب محمد ، أما السنة فمنها ما كان عن طريق الإلهام في اليقظة – النفث في الروع- ومنها عن طريق الإلهام في المنام : الرؤيا الصادقة، ومنها ما كان اجتهادا من الرسول أقره الله عليه.

 ۲ – إن القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى ، ليس لجبريل فيه إلا النقل، ولا لمحمد فيه إلا التلقي، بخلاف السنة فإن معناها الموحى به من الله واللفظ من النبي

٣- إن القرآن كله ثابت بالتواتر اليقيني الذي لا ريب فيه، بخلاف السنة، فمنها ما هو ثابت بالتواتر وهو الأقل، مثل الأركان العملية كالصلاة والحج، وبعض الأحاديث القولية، ومنها ما هو ثابت بطريق الأحاد وهو الأكثر.

4 – إن القرآن له أحكامه الخاصة، فهو يتعبد بتلاوته، ولا يجوز قراءته بالمعنى، ولا يمسه جنب ولا حائض ولا خبيث (على خلاف في هذا الحكم) بخلاف السنة في ذلك

وقد مر تدوين السنة وكتابتها بأطوار مختلفة حيث بدأت كتابتها من عهد النبي صلى الله عليه وسلم, واتسع في عهد الصحابة ، ثم ازداد اتساعا في عهد التابعين وتلاميذهم، حتى كان عصر التدوين للعلوم، وأفرغت السنة في كتب ودواوين كثيرة أهمها:

الكتب الستة، ومسند أحمد، وشنن الدارمي.

وقد عني العلماء بالسنة المتعلقة بالأحكام والتشريع، وافردوا أحاديثها بالتأليف، ومن أشهرها:

1 – منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخبار للإمام عبد السلام بن تيمية جد شیخ الإسلام أحمد بن تيمية، وهو الذي شرحه الإمام الشوكاني بكتابه الشهير ” نیل الأوطار”

2 – بلوغ المرام من أدلة الأحكام، لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب “فتح الباري”، وغيره من كتب الحديث.

وهما مصدران لا غنى عنها في دراسة مصادر الشريعة الإسلامية عنهما.

مصادر الشريعة الإسلامية الأخرى

مصادر الشريعة الإسلامية الأخرى، وإن كانت كلها مستمدة من القرآن والسنة. بعضها يعتبر مصادر الشريعة الإسلامية أصلية، وبعضها مصادر الشريعة الإسلامية فرعية أو تابعة. بعضها متفق عليه أو شبه متفق عليه، وبعضها مختلف فيه

من هذه المصادر مصدران يذكران عادة مع الكتاب والسنة، وهما: الإجماع والقياس، وهما من المصادر – أو الأدلة التي يعتمدها جمهور الأمة.

ومجالنا هنا لا يتسع عنهما. وإنما مجالهما الأساسي “علم اصول الفقه”، على أننا سنشير إلى القياس، عندما نتحدث بعد ذلك عن عوامل السعة والمرونة في الشريعة.

وهناك مصادر أخرى تابعة. وقد اختلف في اعتبارها الفقهاء، ما بين قابل و رافض، وموسع ومضيق، مثل: الاستصلاح، والأستحسان، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي .. وغيرها،

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!