مبدأ عدم رجعية القوانين- الإعتبارات التي يقوم عليها

مبدأ عدم رجعية القوانين

القاعدة العامة أن التشريع الجديد يسري على التصرفات و الوقائع التي تقع بعد صدوره إلى غاية إلغائه, أما الوقائع و الأحداث التي وقعت قبل صدوره, فلا يطبق عليها كما لا يطبق كذلك على ما يحدث من وقائع بعد إلغائه , ومن هنا يتضح أن القانون الجديد إدا كان يسري من وقت نفاده مباشرة فلأصل أن لا يمتد إلى ما قبل هذا الوقت حتى لا يطبق على الماضي أي حتى لا يكون للقانون مفعول رجعي,

وهذا ما يصطلح عليه بمبدأ عدم رجعية القوانين والذي يعد من المبادئ الأساسية في التشريعات الحديثة فقد نص عليه القانون المدني الفرنسي في الفصل الثاني منه بقوله ” لا يحكم القانون إلا بالنسبة إلى المستقبل فليس له أثر رجعي” كما نص عليه الدستور المغربي في الفقرة الأخيرة من الفصل السادس و التي جاء فيها ” ليس للقانون أثر رجعي “

 وهذا المبدأ من حيث الأصل هو مبدأ عام لا يقتصر على فرع دون آخر من فروع القانون فهو يسري في نطاق القانون المدني  كما يسري في نطاق قانون الشغل و غيرهما

كما يجوز للمشرع أن ينص صراحة على سريان القانون على الماضي فقد تقتضي دواعي العدالة هذا الإجراء كأن يصدر قانون يجيز لفئة مهضومة الحقوق من الموظفين الحق في احتساب فروق المرتبات أو الحق في التقاعد بأثر رجعي

الاعتبارات التي يقوم عليها مبدأ عدم رجعية القوانين :

يعد هذا المبدأ من مبادئ العدالة اللازمة لضمان استقرار المعاملات بين الناس ولضمان ثقتهم في القانون أيضا , كما يلاحظ أن السماح بسريان القانون على الماضي يفضي إلى إهدار ثقة الناس بالقانون لأن التسليم بتطبيق القانون على الماضي قد يكون فيه إلغاء أو إبطال لتصرفات الأفراد التي نشأت في الماضي, الشيء الذي يولد القلق في نفوس هؤلاء بالنظر إلى عدم اطمئنانهم على تصرفات أو على ما اكتسبوه من حقوق ويؤدي بالتالي غلى الاضطراب في معاملات الناس وعلاقاتهم بعضهم ببعض نتيجة تخوفهم من أن يصبح تصرفهم فيما يعد مخالفا للقانون .

إضافة إلى ما تقدم فإن المنطق يقضي أن لا يسري القانون على الوقائع السابقة على نفاذه, إذ القانون هو أمر أو تكليف بسلوك معين, و التكليف أو الأمر لا يتصور توجيهه إلى ما فات وإنما إلى ما هو آت , ففي الرجوع بالقانون إلى الماضي خروج عن المدى الزمني لسريانه, وهو الذي يبدأ من وقت نفاذه, واعتداء على اختصاص القانون المدني بالإنقاص من المدى الزمني لسريانه الذي يمتد إلى يوم انقضائه.

ورغم كل هذه الاعتبارات التي يستند عليها مبدأ عدم رجعية القوانين , والتي جعلت معظم الدول تأخذ به في قوانينها, إلا أن مسألة تنازع القوانين في الزمان تبقى من المسائل المعقدة والتي حاول الفقه إيجاد حلول لها من خلال عدة نظريات فقهية.

ولبيان حدود مبدأ عدم رجعية القوانين يفرق الفقهاء بين ما يسمى الحقوق المكتسبة droits acquis ومجرد الأمل simple expectative حيث ذهبوا إلى أن القانون الجديد يكون ذا أثر رجعي، فيمتنع تطبيقه إذا كان من شأن هذا التطبيق المساس بحق مكتسب في ظل القانون القديم، ولا يكون للقانون الجديد، هذا الأثر فيجب تطبيقه إذا لم يكن من شأن هذا التطبيق سوى المساس بمجرد أمل.

ولا يتفق أنصار نظرية الحق المكتسب، على تعريف واحد للحق المكتسب حيث  أضعف سند نظريتهم في الفقه وجعلها هدفاً سهلاً قريباً للنقد، فالحق المكتسب عند بعضهم، هو الحق الذي دخل ذمة الشخص نهائياً، بحيث لا يمكن نقضه أو نزعه عنه إلا برضاه، وهو عند آخرين الحق الذي يقوم على سند قانوني، وهو عند فريق ثالث الحق الذي يملك صاحبه المطالبة به والدفاع عنه أمام القضاء،

أما مجرد الأمل فهو محض ترقّب ورجاء في اكتساب حق من الحقوق مما يفرض عدم اكتساب الحق بعد، ويضرب أنصار النظرية أمثلة يرون أنها توضح المقصود منه، فالإرث عندهم مثلاً يكون مجرد أمل طالما المورث بقيد الحياة، ولكنه يصبح حقاً مكتسباً بوفاة المورث.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!