مبدأ سلطان الإرادة

مبدأ سلطان الإرادة ودوره في تكوين العقد

مبدأ سلطان الإرادة ودوره في تكوين العقد

يتصل تطور فكرة العقد في الشرائع المدنية بتطور مبدأ سلطان الإرادة ومعنى هذا المبدأ أنه يكفي توافق إرادتين لإنشاء الالتزام أي لانعقاد العقد, وان إرادة المتعاقدين هي التي تحدد مدى الالتزامات التي يرتبها العقد , وهذا المبدأ لم تعرفه الشرائع القديمة كالقانون الروماني, حيث ظلت القاعدة في هذا القانون هي الشكلية, أما الرضائية فكان لها ميدان ضيق جدا لا يتعدى العقود الأربعة التالية البيع, الإيجار, الوكالة, و الشركة, إذ أنها كانت تنعقد بمجرد توافق الأطراف.

وقد ظل الحال كذلك في القرون الوسطى إلى أن قوي سلطان الكنيسة, واستقرت قواعد القانون الكنيسي, فأصبح العقد مرتبطا بكيفية محسوسة باحترام مبادئ ذات طابع ديني كاحترام الوفاء بالعهد وأداء الثمن العادل وان عدم تنفيذ العقد يؤدي إلى الوقوع في الخطيئة, وبالرغم من اختلاط الإرادة بهذه المفاهيم ذات الطابع الديني, إلا أن الثابت في هذا العهد هو أن إرادة الأطراف كان لها السلطان الأكبر في تحديد مضمون العقد وكيفية تنفيذه, وهذا هو جوهر مبدأ سلطان الإرادة,

وبذلك ظهر هذا المبدأ الذي ازدهر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بفعل عوامل متعددة منها انتشار المذهب الفردي الذي يدس الحرية ويجعل القانون غاية واحدة هي ضمان الحرية وقد اثر هذا المذهب على الفلسفة القانونية و الاجتماعية و الاقتصادية, فسادت فكرة القانون الطبيعي في مجال الفلسفة القانونية وظهرت فكرة العقد الاجتماعي في مجال الفلسفة الاجتماعية و اقتصرت فكرة الحرية الاقتصادية في مجال الفلسفة الاقتصادية.

ونتيجة لتضافر هذه العوامل كلها أخذ مبدأ سلطان الإرادة مكانة الثابت داخل التفنينات المدنية التي ظهرت إبان القرنين المذكورين, وهكذا أقرت المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي هذا المبدأ عندما اعتبرت الاتفاقات المنشئة بكيفية مشروعة بمثابة القانون بالنسبة للأطراف المنشئة لها, بحيث لا يمكن مراجعتها إلا باتفاق الجميع أو في الحالات المرخصة من طرف القانون.

وهكذا إذا كان مبدأ سلطان الإرادة قد ازدهر متأثرا بالنظريات السياسية و الاقتصادية القائمة على تقدير حرية الفرد واعتبار أن  المجتمع مسخر لخدمته, فإن هذه الحرية لم تعد في القانون الحديث متفقة مع المبادئ الاجتماعية و الاشتراكية السائدة في هذا العصر.

ذلك أن الدول الحديثة أصبحت تتدخل لفرض القيود على الإرادة بأن منعت اشتراط شروط معينة في عقود الضمان مساعدة منها للجانب الضعيف , وفي عقود الإذعان فإن التشريعات المعاصرة ومنها التشريع المغربي, أصبحت تتدخل لحماية الطرف المذعن وذلك بشتى الوسائل سواء منها القضائية أو الإدارية بهدف إعادة التوازن للمعاملات المدنية حتى يتحقق العدل الذي هو غاية المجتمع.

وإذا كان العقد يُبنى أساسا على الإرادة وما تتمتع به من سلطان، فإن ذلك يعد ترجمة لمبدأ سلطان الإرادة الذي يعني أن الإرادة هي صاحبة السلطان الأكبر في إنشاء العقود وفي تحديد آثارها.

إن مقتضى مبدأ سلطان الإرادة في إطار القانون المدني هو أن إرادة الفرد تشرع بذاتها لذاتها وتنشئ بذاتها لذاتها التزامها، فللإرادة الحق في إنشاء ما تشاء من العقود غير متقيدة في ذلك بأنواع العقود التي نظمها المشرع في القانون المدني.

كما أن للإرادة الحرية في تحديد آثار العقد، فلا تتقيد بالآثار التي يرتبها المشرع على عقد من العقود فقط، وإنما يكون لها الحرية في تضييق هذه الآثار أو توسيعها أو حذفها، كما يكون لها الحرية في تعديل هذه الآثار بعد قيامها، وكذلك في إنهاء العقد بعد إبرامه.

ويقوم مبدأ سلطان الإرادة على أساسين، هما: الحرية والمساواة.

فالحرية هي أساس النشاط الذي مظهره الإرادة، فإن المصلحة العامة تتحقق عندما يتم التوفيق بين إرادتين كل منهما تقرر مصلحة قائمة، على اعتبار أن المصلحة العامة ليست إلا مجموع من المصالح الفردية.

أما الأساس الأخر وهو المساواة، فلا يقصد بها المساواة الفعلية، إذ هذه لا يمكن تحقيقها، بل يقصد بها المساواة القانونية التي تكفل في النهاية تحقيق المصلحة العامة؛ لأن المصلحة الخاصة وهي أساس المصلحة العامة لن تتحقق إلا إذا اعتبر الأفراد متساوين أمام القانون في مظاهر نشاطهم.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!