مبادئ القضاء الجنائي الدولي

مبادئ القضاء الجنائي الدولي

مبادئ القضاء الجنائي الدولي

القضاء الجنائي الدولي يقوم على عدة مبادئ تتمثل في: مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ويشكل هذا المبدأ ركيزة أساسية لتحقيق مبادئ العدالة الجنائية الدولية، كما أن مبدأ عدم رجعية أحكام القانون الجنائي الدولي حرصت المواثيق الدولية على تقريره، كما أكده النظام الأساس ي للمحكمة الجنائية الدولية وقد عمل القضاء الجنائي الدولي على تأكيد مبدأ تطبيق القانون الأصلح للمتهم “أولا” وأيضا كرس القضاء الجنائي الدولي مبدأ مسؤولية رؤساء الدول وتابعيهم، وكل هدا في إطا ر مبدأ المحاكمة العادلة بحيث تكون هذه الأخيرة ضمانة أساسية لتحقيق قضاء دولي يتماش ى مع حماية حقوق الحريات الأساسية للأفراد“ثانيا”

أولا: يقوم القضاء الجنائي الدولي على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

يقوم مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في مفهوم القانون الداخلي على انه ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” ومفهوم هذا أنه لا يمكن اعتبار فعل ما جريمة إلا إذا كانت هناك قاعدة تجرم هذا الفعل وتحدد العقوبات الملئمة له.

ويشكل هذا المبدأ ضمانة لتحقيق مبادئ العدالة الجنائية، حيث يهدف إلى حماية حقوق وحريات الأفراد، وذلك من خلل توضيحه للأعمال غير المشروعة، ومن تم يعتبر ما عداها عمل يستطيع الأفراد القيام به، دون خوف، ويلحظ أن القضاء الجنائي الدولي لا يتجاهل هذا المبدأ ، فقد اخذ بهذا المبدأ في ظل محكمة نورمبورغ ، وتمسكت به محكمة طوكيو وفقا لمفهومه في نطاق القانون الجنائي الدولي، وهو مستقر كعرف دولي سابق كما تضمنه النظام الأساس ي للمحكمة الجنائية الدولية ”

ومن النتائج التي تترتب على مبدأ الشرعية، مبدأ عدم رجعية نصوص التجريم او العقاب ومبدأ تطبيق القانون الأصلح للمتهم.

1 – مبدأ عدم رجعية أحكام القانون الجنائي الدولي

يعد مبدأ عدم رجعية أحكام والقانون الجنائي من المبادئ المستقرة في التشريعات الجنائية الداخلية حيث لا يجوز تطبيق قانون جديد بما يحتويه من جرائم وعقوبات على أفعال سابقة عن وجوده أو دخول حيز النفاذ، وإنما يسري أثره على الوقائع اللحقة عن صدوره ونفاذه

إن مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي الدولي اعتنقه القضاء الجنائي الدولي باعتباره ضمانة أساسية وكحق من حقوق الإنسان، وحرصت الوثائق الدولية على تقريره ، كما تأكد هذا المبدأ في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

2 – مبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم

مضمون هذا المبدأ انه إذا صدر قانون جديد بعد ارتكاب واقعة، ونص على عقوبة اخف، وجب أن يستفيد مرتكب الجريمة من هدا التخفيف.

وقد تضمن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التأكيد على مسألة هامة وهي أن الاستثناء على قاعدة عدم الرجعية لا يمتد إلى القوانين التي تلغي اعتبار فعل أو امتناع عن فعل جريمة وفق مبادئ القانون العامة التي تعترف بها جماعة الأمم، إذ يحاكم ويعاقب مرتكب هذا الفعل وفق القانون الذي كان ساريا وقت ارتكاب الفعل أو الامتناع عن الفعل

وقد نصت المادة 121 في الفقرة الثانية من النظام الأساس ي للمحكمة الجنائية الدولية على هذا المبدأ، والذي يقض ي بأنه لكي يتم إعمال الأثر الرجعي للقانون الأصلح للمتهم، أن يكون هذا لقانون قد صدر قبل صدور الحكم النهائي في الدعوى المقدم بها المتهم للمحكمة الجنائية.

فإذا صدر هذا القانون بعد الحكم عليه لا يستفيد المتهم من هذا الاستثناء، وتجدر الإشارة إلى أن النظام الأساس ي للمحكمة الجنائية الدولية لم يتناول مسألة صدور قانون جديد بعد صدور الحكم النهائي يبيح الفعل المرتكب في ظل قاعدة قانونية أخرى

ونشير بخصوص تطبيق هذه القاعدة إلى أن واضعي نظام روما الأساس ي وبالنظر إلى الطابع الدائم للمحكمة، وقد سلكوا نهجا مغايرا لما سبق اعتمد في إطار المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، فقد أنشئت كل من محكمتي نورمبورغ سنة 1945 وطوكيو سنة  194

ليمتد اختصاصهما بأثر رجعي الى محاكمة كبار مجرمي الحرب من دول المحور عن الجرائم التي تسببوا فيها خلل فترة الحرب، كما أنشئت محكمة يوغسلفيا سنة 1993 لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني فوق إقليم يوغسلفيا انطلقا من سنة 1991 ، وأنشئت محكمة رواندا سنة 1994 لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في إقليم رواندا وأراضي الدول المجاورة في الفترة الممتدة مابين 1 يناير 1994 إلى 31 دجنبر 1994

ثانيا: يقوم القضاء الجنائي الدولي على مبدأ مسؤولية رؤساء الدول وتابعيهم ومبدأ المحاكمة العادلة

1 – مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية في القضاء الجنائي لدولي

عند انعقاد محكمة نورمبورغ دفع بعض المتهمين الاتهام الموجه إليهم بدفاع مفادها أن القانون الدولي يحكم العلقات بين الدول بعضها ببعض وان الفرد ليس محل هذه العلقة وبالتالي لا يمكن تحميله بالمسؤولية الجنائية حيث أن الأعمال الإجرامية التي ارتكبها تعتبر من أعمال الدولة، وان الدول التي ينتمون إليها تحميهم من المسؤولية، وغير أن محكمة نورمبورغ لسنة 1945 ردت على هذا الدفاع وأقرت المسؤولية الجنائية الفردية ، بمعنى أن الفرد الذي يرتكب عمل مخالفا للقانون الدولي يعتبر مسؤولا مسؤولية شخصية وبصورة مباشرة أمام القضاء الجنائي الدولي طالما أن هذا الفعل يعتبر جريمة وفقا للقانون الدولي.

كما أقرت محكمة طوكيو مبدأ المسؤولية الجنائية الدولية الفردية أيضا فقد نصت المادة 5 من اللئحة على أنواع الجرائم التي توجب المسؤولية الفردية وهي: الجرائم ضد السلم، والجرائم المرتكبة ضد عادات الحرب والجرائم ضد الإنسانية وهذا ما ذهبت إليه محكمتي يوغسلفيا السابقة ورواندا

وعلى غرار ذلك اقر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية على المستوى الدولي. مما يبين انه يمكن تقرير مسؤولية الفرد الجنائي إذا ارتكب فعل يعاقب عليه القانون الدولي الجنائي بالإضافة إلى تقرير مسؤولية الدولة.

2 – مبدأ مسؤولية رئيس الدولة وتابعيه أمام القضاء الجنائي الدولي

تعد محاولة محاكمة إمبراطور ألمانيا “غيلوم الثاني” أو تطبيق لمبدأ مسؤولية رئيس الدولة رغم أن محاكمته لم تعقد لكونه لجأ إلى هولندا التي امتنعت عن تسليمه ، ومع بداية الحرب العالمية الثانية بدأت تثور هذه المسؤولية من جديد خاصة مع وجود اتجاهات ترفض هذه المسؤولية استنادا إلى الحصانة الدولية لرؤساء الدول التي تعفيهم من المسؤولية، وذلك بعدم مثولها أمام المحاكم الدولية،

غير أن محكمة نورمبورغ اعتنقت مبدأ مسؤولية رئيس الدولة عن الجرائم الدولية ، وخاصة انه ليس من المنطق والعدل أن يعاقب المرؤوسون الدين ينفذون أوامر الرؤساء، ويعفى الرئيس الذين أمر بارتكاب هذه الجرائم

وقد ذهبت محكمة نورمبورغ في تقريرها لمسؤولية رئيس الدولة، وان قواعد القانون الدولي التي تحمي ممثلي الدولة في ظروف معينة لا يمكن أن تنطبق على الأفعال التي تعتبر جنائية في القانون الدولي، ولا يستطيع مرتكبو هذه الأفعال التمسك بصفتهم الرسمية لتجنب المحاكمة والعقاب،

 فمن يخالف قوانين الحرب لا يستطيع في سبيل تبرير هذه الجناية أن يحتج بتفويضه من جانب الدولة، لان الدولة في الوقت الذي تمنحه فيه مثل هذا التفويض تكون متجاوزة حدود السلطات المعترف بها من القانون الدولي.

وجاء أيضا في محاكمات نورمبورغ ويوغسلفيا أن ارتكاب شخص لفعل مجرم تنفيذا لأمر الرئيس تجب طاعته أو لأوام ر الدولة لا يعفيه من المسؤولية الجنائية.

وقد تضمن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة مبدأ مسؤولية رئيس الدولة عن الجرائم التي يرتكبها

ولم يكتف النظام الأساسي بالنص على مسؤولية رئيس الدولة فقط بل تضمن كذلك النص على مسؤولية القادة العسكريين من الأفعال والجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة سواء وقعت منهم أم من مرؤوسيهم.

ومنه إذا وقع رئيس الدولة أو احد حكامها أسيرا في يد إحدى الدول للمحاكمة بتهمة ارتكابه إحدى الجرائم الدولية، فليس له أن يحتج أو يدفع الاتهام بكونه رئيس دولة وانه يتمتع بالحصانة الدولية وان هذه الحصانة تمنع مسؤولية الجنائية

وفيما يتعلق بصغار الموظفين أو الأفراد الذين يحتلون ادني مراتب السلم السياس ي والعسكري مند قيام الحرب العالمية الثانية مرارا بالحرب الرواندية وحرب البوسنة وكوسوفو “يوغسلفيا سابقا” وهي نماذج اقترفت فيه كل أنواع الجرائم البشرية،

وعلى هذا ذهب القضاء الدولي الجنائي على أن أوامر الرؤساء ليست سببا للإباحة، وهذا ما نجده في المادة 8  من لائحة نورمبورغ حين اعتبرت انه: لا يعد سببا معفيا من المسؤولية دفاعا عن المتهم بأنه كان يعلم بناء على تعليمات حكومته أ و بناء على أوام ر رئيس أعلى

3 – مبدأ المحاكمة العادلة وعدم جواز محاكمة الشخص عن نفس الجرم مرتين

تضمنت محكمة نورمبورغ هذا المبدأ بحيث التزمت بمجموعة من القواعد والقيم التي تكفل حقوق المتهم ، كما أشار الإعلن العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 إلى مبدأ المحاكمة العادلة في مادته 10 واقره النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة  67 منه والذي يتضمن بأنه: “عند البت في أي تهمة، يكون للمتهم الحق في محاكمة علنية، مع مراعاة أحكام هذا النظام الأساس ي وفي أن تكون المحاكمة عادلة ونزيهة وان يكون له الحق في الضمانات.

كما يتضمن هذا المبدأ افتراض البراءة حتى نهاية المحاكمة، فقد حرصت المواثيق والإعلنات الدولية على تأكيد هذا الحق، فقد جاء في المادة 11 من الإعلن العالمي لحقوق الإنسان النص على هذا المبدأ، و أكدت المادة 14 في الفقرة الثانية من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، كما نسجت على نفس المنوال المحكمة الجنائية الدولية الدائمة في نظامها الأساس ي في المادة 66 منه

ومبدأ المحاكمة العادلة يرتكز إلى مبدأ أن الأصل في المتهم البراءة، وعدم جواز المحاكمة أو العقاب عن الجريمة مرتين هو مبدأ رئيس ي يقوم عليه القضاء الجنائي الدولي، فقد تضمنته المادة 14 في الفقرة السابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بحيث لا يجوز تقديم احد المتهمين للمحاكمة والعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي، كما أوردته المادة 20 من النظام الأساس ي للمحكمة الجنائية الدولية بحيث وضعت التزاما يكشف عن وجود قاعدة مستقرة في القانون الجنائي الداخلي وفي القانون الجنائي الدولي مؤداه عدم جواز المحاكمة أو العقاب عن ذات الجريمة مرتين.

ومنه يتضح أن المحاكمة العادلة تكون غير منحازة وتقوم على ضمانات أساسية لتحقيق قضاء دولي يتماشى مع المحافظة على الحريات الأساسية للأفراد وتتمثل هذه الضمانات في إقرار مبدأ المشروعة وإبلغ المتهم بالتهمة الموجهة إليه وبادلتها وحق الاستعانة بمحام أثناء الاستجواب والمحاكمة دون قيد من اجل كرامة الإنسان وحماية حقوقه.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!