مبادئ العدل و الإنصاف

مبادئ العدل و الإنصاف و الضوابط التي تحكم تطبيقها

مبادئ العدل و الإنصاف

لا يمكن للقاعدة القانونية استيعاب كل الفروض و الحالات المحتمل أن تكون محل معالجة من قبلها، مما يستدعي حسب أرسطو” تطبيق العدالة في هذا المقام، لقد كانت قسوة القانون في بعض الأحيان حسب قروسيوس” وراء الدعوة إلى تغيير المعاهدات في إطار اعتبارات العدالة، فغالبا ما كان يطلب من لجان التحكيم الدولية في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين الفصل في النزاعات المرفوعة إليها بتطبيق مبادئ العدالة، أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد كان الإصرار أكبر من بعض الأوساط الدولية ( رجال السياسة والقانون ) على ضرورة إعادة النظر في معاهدات السلام التي فرضت على ألمانيا خصوصا شروطا غير عادلة أو مجحفة، و ذلك باللجوء إلى محاكم تتولى التخفيف من قسوة تلك المعاهدات.

مثلها مثل المبادئ العامة للقانون، لم تكن مبادئ العدل و الإنصاف محل اتفاق من قبل الفقه، حيث تنكر المدرسة الوضعية أي دور يمكن أن تقوم به هذه المبادئ في القانون الدولي، لأنها ببساطة تخول القاضي الدولي سلطة تقديرية واسعة يمكن أن تحد من سيادة القول، أما مدرسة القانون الطبيعي فتشيد بدور هذه المبادئ في الوصول إلى مجتمع دولي أكثر عدلا و مساواة و إنصافا

 و تجاوزا لهذا الجدل الفقهي، فإن المادة 238 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية نصت على أنه: “لا يترتب على النص المتقدم ذكره أي إخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضية وفقا لمبادئ العدل والإنصاف، متى وافق أطراف الدعوى على ذلك.” انطلاقا من هذا النص سنحاول تحديد مفهوم مبادئ العدل و الإنصاف ، و وظيفة أو دور هذه المبادئ في القانون الأولي

 المطلب الأول: مفهوم مبادئ العدل و الإنصاف:

 إن فكرة ملح القاضي الدولي سلطة الفصل في النزاع الماثل أمامه بمقتضى قواعد العدل و الإنصاف، ليست فكرة حديثة، بل تجد أساسها في القانون الداخلي، حيث تسمح معظم القوانين الداخلية القاضي الوطني، بل تلزمه بأن يحكم استنادا إلى قواعد العدالة في حال عدم العثور على القاعدة واجبة التطبيق على النزاع، و إلا بعد الأخير مرتكبا لجريمة إنكار العدالة.

 غير أن نقل الفكرة من القوانين الداخلية إلى القانون الأولي أمر لا يخلو من مخاطرة، خاصة في ظل الغموض الذي يكتنف مبادئ العدل و الإنصاف في حد ذاتها و صعوبة تحديدها، رغم إحاطتها بضوابط قد تعمل على إجلاء الغموض عنها و تيسير تطبيقها:

تحديد مبادئ العدل و الإنصاف:

 تعني مبادئ العدل و الإنصاف عموما تلك القواعد التي يتم استخلاصها من خلال العقل و حكمة التشريع ويتم الالتجاء إليها من أجل استخلاص الحلول الواجب تطبيقها على المنازعات التي يتم عرضها على القضاء.

الضوابط التي تحكم تطبيق مبادئ العدل و الإنصاف:

 تبرز أهمية مبادئ العدل و الإنصاف أنه من غير الملائم الحد من صلاحية أية مؤسسة قضائية دولية في المبادرة بحل النزاع المعروض عليها في حال عدم العثور على أي مصدر من تلك المصادر الواردة في الفقرة الأولى من المادة 38 السابقة بعد موافقة أطراف النزاع على تطبيق المبادئ المذكورة، بالمقابل يفصح تطبيق هذه المبادئ عن أنه من غير المعقول منح المؤسسة القضائية المعنية صكا على بياض، أي تخويلها سلطة مطلقة في الاجتهاد المبالغ فيه، خلافا لمهمتها الأساسية و هي القضاء، من هنا يبدو خلق موازنة بين الحالتين أكثر من ضروري في نطاق قانون دولي لم يكتمل صرحه بعد.

 هذه الموازنة تختزل الضوابط التي تحكم عملية تطبيق مبادئ العدل و الإنصاف، و التي يمكن ردها في الحقيقة إلى ضابطين أساسيين: موافقة أطراف النزاع على تطبيق هذه المبادئ (أولا)، و موافقة المحكمة ذاتها على طلب الأطراف الحكم بموجب هذه المبادئ

أولا- موافقة أطراف النزاع على تطبيق مبادئ العدل و الإنصاف:

لا يمكن للمحكمة الدولية في نطاق هذا الضابط أن تلجأ إلى تطبيق مبادئ العدل و الإنصاف من تلقاء نفسها حتى و لو لم تجد حلا للنزاع المعروض عليها في كل المصادر المذكورة في المادة 1/ 38 السابقة و هي المعاهدات، العرف الدولي، المبادئ العامة للقانون، و على سبيل الاستئناس أحكام المحاكم و مذاهب الفقه، إذ لا تملك المحكمة مبدئيا سلطة خلق قواعد جديدة و لو كانت عادلة، أو إهمال أو تعديل القواعد التولية القائمة ذات العلاقة بموضوع النزاع و لو كانت غير عادلة، ما لم يطلب منها أطراف النزاع ذلك صراحة.

و تكون موافقة أطراف النزاع بهذه الصفة إما عن طريق اتفاق خاص و مستقل موضوعه الوحيد دعوة المحكمة إلى تطبيق تلك المبادئ على ذلك النزاع، و الأمر في هذه الحالة أشبه بمشارطة التحكيم التي تخول هيئات أو لجان التحكيم سلطة الفصل في النزاع بناء على رغبة أطرافه، و الواقع أن مشارطات التحكيم بدورها كثيرا ما تخول المحكم الفصل في النزاع وفق مبادئ العدل و الإنصاف خاصة في المنازعات السياسية و الحدودية، في المقابل لم يحدث أن تم تخويل محكمة العدل الدولية سلطة الفصل في أي نزاع بالاستناد إلى هذه المبادئ

 كما يمكن أن تترجم موافقة الأطراف في نصوص صريحة يتم تضمينها في الاتفاقيات ذات الموضوعات المتعددة و المتنوعة خاصة تلك المتصلة بالحدود و المسؤولية الأولية، و في هذه الحالة تتحول مبادئ العدل والإنصاف إلى شبه إلزام قانوني على عاتق المحكمة تزول معه الفوارق بين الإنصاف كغاية للقاعدة القانونية الأولية و بين هذه القاعدة ذاتها، إنها تصيح في هذه الحالة أشبه بالمصدر المستقل الذي تعتمده المحكمة للفصل في النزاع.

 فإذا كان هناك من الفقه من ينادي بامتناع القاضي الأولي من الفصل في النزاع إذا لم يجد مصدرا قانونيا يطبقه مخافة مخالفة القانون الدولي أو الخروج عنه، فإن هناك جانبا آخر منه يطالبه بضرورة استنباط الحل عن طريق القياس بالارتكاز على مبادئ العدالة و الإنصاف، للتأكيد على أن القاضي الأولي مثل القاضي الوطني لا يمكنه الامتناع عن الحكم، بل عليه إصداره وفق هذه المبادي عندما تعجز القواعد الموجودة عن تلبية ما يتطلبه حسن السياسة الدولية، و تخوله الأطراف من جهة أخرى هذه السلطة.

 مع أن موافقة الأطراف لا تمتد إلى تحديد نطاق العدل و الإنصاف المخول للقاضي الحكم بموجبهما، إن كل ما تنتجه هذه الموافقة هو السماح له باللجوء إلى هذين المفهومين وفق قناعته، و ما يمليه عليه ضميره القضائي وإن كانت لا تعدم إمكانية إرشاده أو توجيهه إلى ما يمكن أن يمثل عدلا و إنصافا حسب منظورها.

ثانيا- موافقة المحكمة ذاتها على طلب الأطراف تخويلها الحكم بموجب مبادئ العدل و الإنصاف :

مقتضى هذا الشرط أنه لا يمكن لأطراف النزاع إلزام المحكمة بالفصل فيه وفقا لمبادئ العدل والإنصاف، حيث تبقى لها الحرية الكاملة بين أن ترفض طلب الأطراف و تفصل بالتالي في النزاع استنادا إلى مصادر القانون التولي الموجودة، و بين قبول طلبها و الفصل تبعا لذلك بالاعتماد على ما تراه محققا للعدل و الإنصاف في ترتيب الحقوق و الالتزامات المتبادلة بين هذه الأطراف.

لأن طلب الأطراف من المحكمة تطبيق هذه المبادئ لا يقتصر على الحالة التي ينعدم فيها أي مصدر من المصادر الواردة في الفقرة الأولى من المادة 38 السابقة، بل قد توجد قاعدة في أحد هذه المصادر و تكون صالحة للتطبيق على موضوع النزاع، لكن أطرافه مع ذلك ترى في هذه القاعدة إجحافا في حقها، مما يضطرها إلى تخويل المحكمة اللجوء إلى مقتضيات العدالة (ميادين العدل والإنصاف) تجاوزا للقاعدة المجحفة حسبها. والمحكمة في كل الأحوال – كما تقدم – ليست ملزمة بتحقيق رغبة الأطراف في هذا الصدد،

و بالنظر إلى السلطة الواسعة للقاضي الأولي في إطار الحكم بموجب هذه المبادئ فإن الأول غالبا ما لا تترك مصالحها بيد قاض أجنبي قد تتدخل في حكمه أثناء تطبيق هذه المبادئ مصالح دولته، أو يكون عرضة لطغيان اعتبارات غير موضوعية، خاصة إذا علمنا أن مبادئ العدل و الإنصاف لا تأخذ تسلسلا بين مصادر القانون الدولي الواردة في المادة 38 السابقة، فقد تكون أول المصادر أو آخرها يلجأ إليها القاضي عندما يجد أو لا يجد مصدرا يحسم به النزاع، لأنه قبل كل شيء ليس ملزما برغبة أطرافه.

 عمليا من جهة أخرى، لا يمكن تصور رفض القاضي طلب الأطراف في هذا الخصوص، بل إنه كثيرا ما يلجأ إلى تطبيق مبادئ العدل والإنصاف، بوصفها أحد المبادئ العامة للقانون المستنبطة من النظم القانونية الداخلية دون حاجة إلى اتفاق الأطراف أو طلبهم ذلك.

المطلب الثاني: وظيفة مبادئ العدل و الإنصاف في القانون الدولي العام:

 تأسيسا على ما سبق، يمكن لمبادئ العدل و الإنصاف أن تؤدي على مستوي القانون الدولي وظيفتين متباينتين: و بناء على ذلك قد تكون بمثابة أحد المبادئ العامة القانون، باعتبارها انعكاسا مبدئيا للقانون و صفة ملازمة له، كما قد تكون مصدرا مستقلا و متميزا للقانون الدولي.

 مبادئ العدل و الإنصاف كأحد المبادئ العامة للقانون باعتبارها انعكاس مبدئي له و صفة ملازمة:

في هذه الحالة يكون اللجوء إلى مبادئ العدل و الإنصاف التزاما قانونيا على عاتق المحكمة الدولية، كون هذه المبادئ متضمنة في قاعدة قانونية أو ترتقي لمرتبة القانون على الأقل، و إن كان الاستناد إليها يتم بصورة غير مباشرة أو مشتقة من خلال المعاهدة و العرف الدوليين.

 تجسد هذا التلازم بين تلك المبادئ و القانون مثلا في قضية الجرف القاري لبحر الشمال” في حكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 1969، حيث خلصت إلى أن هناك قاعدة عرفية تقتضي ” تعيين الحدود عن طريق الاتفاق بين الدول المعنية وفقا لمبادئ العدل و الإنصاف. و حتى لا يسود الاعتقاد بأن المحكمة تطبق هذه المبادئ كمصدر مستقل أضافت: أن تلك المبادئ تعد ” قواعد قانونية حقيقية في مسألة تعيين حدود الجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتلاصقة”

في ذات السياق و من خلال قضية ” المصائد” بين إيسلندا و بريطانيا أكدت ذات المحكمة في حكمها الصادر عام 1973 على ضرورة الحكم بشكل يضمن ” الوصول إلى حل عادل يستند إلى القانون، هذا الحل ليس تصورا للعدالة المجردة، و إنما هو إعمال القاعدة القانونية التي تقتضي اللجوء لمبادئ العدل و الإنصاف.”


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!