ماهية الجنسية

إن الجنسية كان لها تأثير مباشر أو غير مباشر في ظهور القانون الدولي الخاص، وتعتبر المقياس الأول والأوحد والأصيل الذي يتم على أساسه توزيع الأفراد توزيعا دوليا بين مختلف دول العالم وبواسطته يتم تمييز الوطنيين عبر الأجانب.

 إن إمكانية تدريس الجنسية في القانون الدولي الخاص كموضوع مستقل بذاته لا يعني انقطاع أي صلة مع باقي مواضيع القانون الدولي الخاص، فالجنسية هي معيار الإسناد في مسائل الأحوال الشخصية مثلا، وفي كثير من المجالات لا يكتسب الشخص جنسية بلد ما إلا إذا كان مقيما في هذا البلد، بل إن اختلاف جنسية أحد أطراف العلاقة الدولية في أحايين كثيرة المحور الأساسي الذي تدول حوله أحكام القانون الدولي الخاص، مما يعني أن هناك ترابط يكاد يكون مطلقا بين الجنسية ومواضيع تنازع القوانين أو الموطن أو مراكب الأجانب.

المبحث الأول: مفهوم الجنسية :

هي رابطة قانونية تفصل الفرد بالدولة أي أن الجنسية ما هي إلا إطار قانوني ينظم علاقة الفرد بالدولة من جميع جوانبها مما يضفي على الفرد في الدولة صفة قانونية تسمح له باكتساب الحقوق التي تخولها الدولة لأفرادها ويتحمل بالالتزامات التي تفرض عليه في مواجهة الدولة لذلك يعرفها البعض بأنها: “انتماء الفرد للشعب المكون للدولة أو هي “علاقة قانونية بين الفرد والدولة يصير الفرد بمقتضاها عضوا في شعب الدولة”.

ولعل اعتداد هذا الاتجاه في تعريفه للجنسية بوصفها رابطة قانونية مرده بالأساس إلى نظرة القائلين به من كون الجنسية كموضوع مرتبط بالقانون الخاص أكثر من ارتباطه بالقانون العام.

الاتجاه الثاني: فينظر في تعريفه للجنسية إلى الصلة التي ترتبط بين الفرد والدولة حيث تبني هذه الصلة على التبعية السياسية فنعرف الجنسية بأنها رابطة سياسية بين الفرد والدولة بمقتضاها يعتبر الفرد عنصرا من العناصر المكونة للدولة > ولعل اعتداد هذا الاتجاه في تعريفه للجنسية على الجانب السياسي مرده اعتقادهم أن القواعد السياسية قد تساعد في التمييز بين الجنسية وغيرها من المؤسسات التي تستتبعها (الجنس، الدين، المواطنة، القومية…)ا

الاتجاه الثالث: يربط بين الاتجاهين السابقين حيث يعرف الجنسية بانها رابطة سياسية وقانونية، فهي سياسة لأنها تربط الفرد بوحدة سياسية هي الدولة، هذه الأخيرة التي تملك السيادة في تحديد من يكون شعبها ومتى يحق للأجنبي اكتساب جنسيتها ، ومتى يتم تجرده منها، فالجانب السياسي يعبر عن سلطة الدولة في المسائل المتعلقة بجنسيتها من الناحيتين الدولية والداخلية، وهي من جهة أخرى رابطة قانونية لأن المشرع وضع للجنسية قواعد قانونية واضحة المعالم ومحددة للآثار المترتبة على حمل الجنسية الوطنية وفي هذا الصدد عرف الفقه الجنسية بأنها: “رابطة سياسية وقانونية بين الفرد والدولة يوجب عليه الولاء وتجب عليها حمايته ومنحه المزايا المترتبة على هذه الرابطة”.

ويتضح مما تقدم أن اختلافات الفقهاء حول مفهوم وتعريف الجنسية لم تكن اختلافات جوهرية بقدر ما كانت اختلافات حول توضيح وتوسيع مفهوم هذه الجنسية.

ومن تم يمكننا القول إن الجنسية نظام قانوني يقوم على أسس خاصة فالجنسية هي وسيلة قانونية وسياسية بواسطتها يتم تحديد المعيار الذي بمقتضاه يتم التوزيع القانوني للأفراد في المجتمع الدولي – وتحديد عنصر – الشعب في كل دولة وفقا القانون جنسيتها، وترتب هذه الوسيلة آثار قانونية للفرد تحدد حقوقه ومركزه القانوني في علاقته بالدولة التي ينتمي إليها بالنسبة لسائر الدول الأخرى.

المبحث الثاني: التطور التاريخي للجنسية المغربية :

المغرب باعتباره دولة إسلامية ظل يخضع كغيره من البلدان الإسلامية لمبادئ وقواعد الفقه الإسلامي، قبل أن يفرض عليه تموقعه جغرافيا، كملتقى طرق بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، أن يكون محط أطماع العديد من الدول ناهيك أن أهم السمات التي ميزت المغرب خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كونه كان يردح تحت ضغط صعوبات بنيوية من ضعف اقتصادي وغياب استقرار سياسي بسبب الصراع على السلطة وانغلاق الثقافة وضغط التجارة الدولية بصفة خاصة، فبدأ مفهوم الانتماء ينسلخ من الأساس الديني ليحل محله مقتضيات ذات طابع علماني، ويتضح ذلك من خلال مضمون بعض الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمتها عدة دول مع المغرب حيث تضمنت بعض المصطلحات التي أصبحت من الركائز الأساسية للجنسية المغربية في ذلك الوقت، كمصطلح “الرعايا” الذي تضمنته الاتفاقية المبرمة بين المغرب وبريطانيا في 28 يوليوز 1760، وذلك في المادة 14 التي جاء فيها ما يلي:

” إن جميع رعایا سلطان فاس ومراكش سواء منهم المسلمون أو اليهود يمكنهم …” ونفس الشيء بالنسبة للاتفاقية البريطانية المغربية المبرمة سنة 1856 حيث نصت المادة 16 منها أن: الرعايا البريطانيين الذين يعتنقون الدين الإسلامي لا يفقدون التمتع بالامتيازات المعترف بها للرعايا البريطانيين”.

 ويعتبر مصطلح “رعايا السلطان” أقرب إلى المفهوم المتداول في الشريعة الإسلامية، بحيث أن الجنسية كمفهوم ذو طابع علماني لم تبرز ملامحها إلا مع توقيع اتفاقية مدريد في 3 يوليوز 1880، وقد وقعت هذه الاتفاقية من طرف تسع دول هي: بلجيكا والدانمارك واسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا والنرويج والسويد والمغرب. وقد نص الفصل 15 منها على ما يلي: “كل رعية مغربي، يتجنس في بلاد أجنبية ويعود إلى المغرب، يتعين عليه بعد أن يقضي في المغرب مدة موازية لمدة الإقامة بالخارج، أن يختار بين الخضوع لقوانين المملكة، أو مغادرة البلاد، ما لم يثبت أن التجنيس في البلاد الأجنبية قد تم بموافقة الحكومة المغربية”.

 ويمكن أن نستخلص من هذا النص بعض القواعد الأساسية للجنسية المغربية منها:

1 – لا يجوز للمغربي أن يتجنس بجنسية أجنبية فوق تراب المغرب.

2 – الإقامة عنصر أساسي في استرجاع الجنسية المغربية.

3 – يعفي المغربي الراغب في استرجاع المغربية من شرط من شرط الإقامة إذا كان التجنيس قد تم بموافقة الحكومة المغربية.

 وقد اعتبر استقلال المغرب سنة 1956 بمثابة الانطلاقة الفعلية لوضع قطيعة مع القواعد التي كانت تخدم مصالح الدولة الأجنبية، ففي 11 شتنبر 1956 أصدرت رئاسة الوزارة مرسوما لتأليف لجنة برئاسة وزير العدل قامت بدراسة مشروع قانون الجنسية، والذي رأى النور سنة 1958 بمقتضى الظهير رقم 1. 58 . 250 المؤرخ في 21 صفر 1378 موافق الذي 6 شتنبر 1958، وأصبح نافذ المفعول ابتداء من فاتح أكتوبر 1958، غير أن بعض أحكام هذا القانون أصبحت متجاوزة، وبعضها يتعارض النهج الديمقراطي الذي راهن عليه المغرب والقائم على أساس احترام حقوق الإنسان وتكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة،

وبالتالي تم تعديل بعض مقتضيات هذا القانون سنة 2007 بالقانون رقم 62 . 06 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 23 مارس 2007 المعدل والمتمم للظهير الشريف رقم 1. 58 . 250 الصادر في 6 شتنبر 1958 المتعلق بقانون الجنسية المغربية، وقد جاء هذا التعديل انسجاما مع قوانين أخرى صدرت بعده کمدونة الأسرة وقانون الحالة المدنية والقانون المتعلق بكفالة الأطفال المهملين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادق عليها المغرب خصوصا تلك المتعلقة بحماية الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

المبحث الثالث: أنواع الجنسيات:

 يميز الفقه بمختلف مشاربه بين جنسية التأسيس والجنسية الأصلية ثم الجنسية المكتسبة.

– جنسية التأسيس: تعرف بأنها الجنسية التي تسند إلى المواطنين الأوائل الذين يتكون منهم ركن الشعب بعد الاعتراف الدولي بالدولة، بسبب تحريرها من يد المستعمر أو حصولها على الاستقلال بناء على حق تقرير المصير مثلا، أي أن أهمية هذه الجنسية لا تظهر إلا بالنسبة للدول حديثة النشأة، وتضعف هذه الأهمية وتسير إلى العدم بعد قيام الدولة واستمرارهم وغالبا ما تستند هذه الجنسية على أساس الميلاد والتوطين والإقامة الطويلة واللغة.

– الجنسية الأصلية: وهي التي تسند بحكم القانون إلى الشخص حين ولادته استنادا على الرابطة الدموية وأما على الرابطة الإقليمية وإما على كليهما معا، بحيث يصبح المولود حاملا بقوة القانون الجنسية الدولة التي ولد فوق ترابها ولو كان أبوبه يحملان جنسية أخرى أو كانا مجهولين أو حاملا الجنسية أمه أو أبيه ولو ازداد أو ولد في دولة غير دولة أحد أبويه.

 وأما الجنسية المكتسبة هي التي تسند إلى الشخص بعد ولادته لمدة من الزمن عاش خلالها حاملا لجنسية أخرى أو غير حامل لأي جنسية أي منعدم الجنسية بمعنى أن الجنسية المكتسبة لا تمنح كقاعدة عامة إلا إلى الأجنبي، إذا توفرت فيه الشروط المقررة قانونيا.

المبحث الرابع: النطاق المكاني للجنسية:

 ينص الفصل 5 من قانون الجنسية المغربي على أنه « يفهم من عبارة “في المغرب” في منطوق هذا القانون مجموع التراب المغربي والمياه الإقليمية المغربية والسفن والطائرات ذات الجنسية المغربية».

ويفهم من هذا النص أن قانون الجنسية المغربية يطبق على جميع الأقاليم التي تم استرجاعها من يد المستعمر وكذا المياه الإقليمية المتصلة بشواطئ البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي والتي تبلغ مساحتها 12 ميلا طبقا لظهير 30 يونيو 1962، كما يدخل في مفهوم “المغرب” الطائرات والسفن التي تحمل الراية المغربية بغض النظر عن المكان الذي تتواجد فيه.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!