ماهية التوقف عن الدفع

ماهية التوقف عن الدفع

ماهية التوقف عن الدفع

لقد كان مفهوم التوقف عن الدفع مثار جدل فقهي و قضائي كبير قبل أن يتدخل المشرع لوضع تعريف له، ويكتسي هذا العنصر أهمية قصوى بالنظر إلى الآثار القانونية المترتبة عنه

مفهوم التوقف عن الدفع

أن تحديد مفهوم التوقف عن الدفع تضاربت بشأنه الآراء في التشريع المقارن خصوصا الفرنسي الذي يعتبر المصدر التاريخي للقانون المغربي، ففي غياب تعریف واضح من المشرع الفرنسي قبل قانون 25 / 1 / 1985 اجتهد القضاء في تحديد مفهوم التوقف عن الدفع المبرر لافتتاح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية، إذ عمد في البداية إلى الاعتماد على معيار مادي صرف يكمن في التوقف عن أداء الديون بغض النظر عن وضعية المقاولة، بمعنى أن المقاولة بمجرد أن تتوقف عن أداء ديونها فان مسطرة المعالجة يجب أن تفتح في مواجهتها بغض النظر عن كونها موسرة أم معسرة، إلا أن محكمة النقض الفرنسية سرعان ما هجرت هذا الرأي وقضت في أولى قراراتها في هذا الشأن بتاريخ 5 دجنبر 1949 بان مجرد عدم أداء دین أو عدة ديون لا يكفي الاعتبار المدين في حالة توقف عن الدفع بل يجب أن يكون هذا المدين في وضعية مالية ميئوس منها.

وقد استقر عمل واجتهاد القضاء الفرنسي على هذه النظرية إلى غاية سنة 1978 حيث تدخلت محكمة النقض الفرنسية من جديد لتعدل من موقفها السابق وتجعله أكثر تطورا, بحيث لم يعد يكفي أن تكون وضعية المقاولة أو المدين ميئوسا منها بل يجب مقارنة خصوم المقاولة بأصولها بمعنى أن عدم قدرة المقاولة على مواجهة الخصوم المستحقة عليها بالأصول المتوفرة لديها هو الذي يجعلها في حالة التوقف عن الدفع المبرر لفتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية في حقها

وقد تواثر اجتهاد القضاء الفرنسي على هذا القرار ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تدخل المشرع الفرنسي وتبنى موقف القضاء هذا وكرسه تشريعا عند تعريفه للتوقف عن الدفع في الفصل الثالث من قانون 25 / 1 / 1985 حيث نص على أن مسطرة التسوية القضائية تفتح في حق كل مقاولة يستحيل عليها مواجهة خصومها المستحقة بأصولها المتوفرة.

وإذا كان مفهوم التوقف عن الدفع عرف هذا التطور في القضاء والتشريع الفرنسي، فان القانون المغربي انتقل من النظرية التقليدية إلى النظرية الحديثة من تلقاء نفسه من دون أن يكون أي دور للقضاء في ذلك.

هكذا فقد كان القانون التجاري القديم يتحدث عن التوقف عن الدفع دون أن يحدد عناصره ولا معايير اعتبار في هذه الحالة، تاركا المحال للقضاء الذي بقي حبيس النظرية التقليدية المعروفة آنذاك في فرنسا والتي كانت تعتبر التاجر في حالة التوقف عن الدفع بمجرد رفضه أو امتناعه عن أداء دين عليه.

غير أن الموقف تغير جذريا بصدور المدونة الحديدة للتجارة بحيث نجد المادة 560 منها قد وضعت المعيار الذي على ضوئه يتسنی اعتبار المقاولة في حالة توقف عن الدفع إذ نصت هذه المادة على أن مساطر معالجة صعوبات المقاولة تطبق على كل تاجر وكل حرفي وكل شركة تجارية ليس بمقدور هم سداد الديون المستحقة عليهم عند الحلول بما في ذلك الديون الناجمة عن الالتزامات المبرمة في إطار الاتفاق الودي المنصوص عليه في المادة 556اعلاه.

والظاهر من خلال مضمون هذه المادة أن المعيار في ظل مدونة التجارة الجديدة الاعتبار المقاولة فردية أم جماعية في حالة توقفه عن الدفع هو عدم القدرة على سداد الديون المستحقة عند الحلول.

ويبدو أن هذا المعيار اقرب إلى المعيار الذي تبناه القانون الفرنسي وان كان المشرع المغربي لم يستعمل نفس العبارات التي استعملها نظيره الفرنسي، غير أن عدم القدرة على سداد الديون المستحقة عند الحلول لا يمكن تقريرها إلا بمقارنة خصوم المقاولة بأصولها، فإذا كانت هذه الأخيرة غير قادرة على مجابهة الأولى فان المقاولة تعتبر حينئذ في وضعية التوقف عن الدفع.

عناصر التوقف عن الدفع :

ويتضح مما سبق أن التوقف عن الدفع كشرط أساسي وضروري لافتتاح مساطر المعالجة يقوم على ثلاثة عناصر:

– الخصوم المستحقة : أو ما عبر عنه القانون المغربي في المادة 560 بالديون المستحقة عند الحلول، وتعني الديون التي يحق للدائن المطالبة بها دون أن تتوقف على اجل أو شرط، ويستوي أن يكون الدين مدنيا أو تجاريا واحدا أو متعددا ويجب أن يكون ثابتا ومستحقا و غير منازع فيه.

– الأصول المتوفرة : أو بعبارة القانون الفرنسي الأصول القابلة للتصرف وتتمثل في الأموال والمبالغ التي تضمن الأداء الفوري للديون، ومنها المبالغ المتوفرة في خزينة المقاولة وفي حساباتها البنكية والقيم المنقولة القابلة للتصرف.

– استحالة مجابهة الخصوم المستحقة بالأصول المتوفرة : ذلك أن المقارنة بين هذين العنصرين هي التي تؤدي إلى اعتبار المقاولة في حالة توقف عن الدفع من عدمه، وهذه المهمة هي من اختصاص قاضي الموضوع تحت مراقبة محكمة النقض.

و إذا كان التوقف عن الدفع شرطا أساسيا لافتتاح مساطر المعالجة فإن قوته ودرجته تختلف مما تختلف معه المسطرة الواجب الحكم بها، ذلك أنه إذا كانت وضعية المقاولة ليست مختلة بشكل لا رجعة فيه أي أن وضعية المقاولة أصبحت في حالة مرضية لم يعد ينفع معها علاج فإنه يقضي بالتصفية القضائية تطبيقا للمادة 568 و 619 من مدونة التجارة

لقد سبقت الإشارة أن عنصر التوقف عن الدفع يعتبر شرطا أساسيا لفتح مساطر المعالجة، إذ يعد الشرارة الأولى لإخضاع المقاولة إما لمسطرة التسوية القضائية أو المسطرة التصفية القضائية، وبعبارة أخرى فإن عدم ثبوت هذا الشرط يجعل المقاولة في منای عن هذه المساطر، لكن أهمية شرط التوقف عن الدفع لا تقف عند هذا الحد، بل إنه يلعب دورا أساسيا في تحديد فترة الريبة التي تفتح المجال لبطلان كثير من التصرفات وإبطالها حسب الحالات كما يضع التزامات على رئيس المقاولة للمطالبة بفتح مسطرة داخل اجل 15 يوما، فضلا على أن التوقف عن الدفع يعتبرا عنصرا من عناصر الخطأ الذي يؤدي إلى تحريك دعوى الأداء ضد المسيرين عند عدم كفاية الأصول ولتطبيق العقوبات المالية والجنائية عليهم.

إتبات التوقف عن الدفع

ويمكن إثبات التوقف عن الدفع بجمع وسائل الإثبات خصوصا إقرار و اعتراف رئيس المقاولة عند تصريحه بالتوقف عن الدفع أو بمناسبة دعوی أخرى موجهة ضده.

غير أن هذا الإقرار لا يكفي ولا يؤدي حتما إلى اعتبار المقاولة في حالة عن الدفع بل يتعين على المحكمة إجراء الأبحاث اللازمة على ضوء المقارنة بين أصولها وخصومها.

وإذا كان الدائن هو الذي تقدم بطلب فتح المسطرة فانه يقع عليه واجب إثبات توقف مدينه عن الدفع، وهي مهمة غاية في الصعوبة على اعتبار أن الدائن لا يتوفر على العناصر الداخلية للذمة المالية للمقاولة، وكل ما يتوفر عليه هو بعض المظاهر الخارجية الوضعية المقاولة، غير أن إقامة الدليل من طرف الدائن على هذه المظاهر وأهميتها قد تسعفه في الوصول إلى مبتغاه، ومنها على سبيل المثال أهمية الديون الحالة وتعددها وعددها وعدم احترام المدين للآجال الممنوحة له وعدم أداء الديون الضريبية وديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتوقف الاستغلال.

وعلى العموم فكلما استطاع الدائن إثبات وجود الدين وتحديده واستحقاقه فإنه يقع على المدين إقامة الدليل على كفاية أصوله القابلة على أداء هذا الدين، وذلك لتفادي اعتباره في حالة التوقف عن الدفع.

تحديد تاريخ التوقف عن الدفع وتغييره

تنص المادة 680 من مدونة التجارة على ما يلي:” يعين حكم فتح المسطرة تاريخ التوقف عن الدفع الذي يجب أن لا يتجاوز في جميع الأحوال ثمانية عشر شهرا قيل فتح المسطرة، إذا لم يعين الحكم هذا التاريخ تعتبر بداية التوقف عن الدفع من تاريخ الحكم، يمكن تغيير تاريخ التوقف عن الدفع مرة أو عدة مرات وذلك بطلب من السنديك”

ويستفاد من هذه المادة أن الحكم القاضي بفتح المسطرة يحدد على ضوء المعطيات المقدمة للمحكمة تاريخ التوقف عن الدفع، غير أن هذا التاريخ قد لا يكون حقيقيا مما يبقى معه تاريخا مؤقتا يمكن تغييره مرة أو عدة مرات.

1 – تحديد تاريخ التوقف عن الدفع

بالرجوع إلى المادة 680 من مرت يتبين أن تحديد التوقف عن الدفع يعتبر من البيانات الأساسية التي يجب أن يتضمنها حكم فتح المسطرة، غير أن عدم تحديد هذا التاريخ في الحكم القاضي بل إن المشرع افترض تاريخا معينا بداية التوقف عن الدفع هو تاریخ الحكم نفسه. وإذا حدد الحكم تاريخا معينا لبداية التوقف عن الدفع فإن هذا التاريخ يجب أن لا يتجاوز في جميع الأحوال ثمانية عشرة شهرا قبل فتح المسطرة بمعنى أن المدة القصوى التي يجب إرجاع تاريخ بداية التوقف عن الدفع إليها هي ثمانية عشر شهرا قبل الحكم القاضي يفتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية ومن ثم فإن المحكمة تتمتع بسلطة واسعة على ضوء دراستها لوضعية المقاولة في تحديد تاريخ التوقف عن الدفع على أن لا تتجاوز في جميع الحالات ثمانية عشر شهرا على الحكم.

وتبدو أهمية تحديد تاريخ التوقف عن الدفع من الناحية القانونية في تحديد تاریخ بداية الريبة التي تفتح المجال لبطلان أو إبطال بعض التصرفات التي يجريها المدين إضرارا ہدائنيه أو محاباة لبعضهم على البعض الآخر، وقد أكد المشرع على هذه الأهمية في المادة 679 من مدونة التجارة التي جاء فيها” تبتدئ فترة الريبة من تاريخ التوقف عن الدفع ولغاية حكم فتح المسطرة تضاف إليها مدة سابقة لبعض العقود”.

2 – تغيير تاريخ التوقف عن الدفع

إن تمكين السنديك من طلب تغيير تاريخ التوقف عن الدفع يتم على أن المشرع كان واعيا بان التاريخ المحدد من طرف المحكمة قد يكون غير حقيقي نتيجة دراستها المحدودة الوضعية المقاولة أثناء بثها في طلب فتح المسطرة.

وبالرجوع إلى الفترة الثالثة من المادة 680 من مدونة التجارة يتضح أن السنديك هو وحده الذي له الصفة في تقديم طلب تغيير تاريخ التوقف عن الدفع وذلك على خلاف القانون الفرنسي الذي فتح هذه الإمكانية أمام كل من المحكمة من تلقاء نفسها أو بطلب من المتصرف المعين من طرفها وممثل الدائنين والمصفي ووكيل الجمهورية

ويتعين على السنديك الذي يرغب في تغيير تاريخ التوقف عن الدفع أن يقدم طلبا إلى المحكمة التجارية قبل انتهاء أجل الخمسة عشر يوما التالية للحكم الذي يحدد مخطط الاستمرارية أو مخطط تفويت أو التالية لإيداع قائمة الديون إذا تم الحكم بالتصفية القضائية طبقا للفترة الأخيرة من المادة 680 من مدونة التجارة وكل طلب قدم بعد هذه الآجال فإن مصيره يكون هو عدم القبول ويصير معه التاريخ المحدد بموجب حكم فتح المسطرة نهائيا.

وإذا كان يجوز تغيير تاريخ التوقف عن الدفع بإرجاعه إلى الوراء مرة أو عدة مرات فانه يجب أن لا يتجاوز في جميع الحالات ثمانية عشرا شهرا السابقة على تاريخ الحكم القاضي بفتح المسطرة احتراما للفقرة الأولى من المادة 680 من م.ت.

وإذا كانت الكلمة في استعملها المشرع المغربي في النص العربي لمدونة التجارة وهي تغيير تتحمل تأخير التاريخ أو تقديمه، فإن المنطق والضرورة تقتضي حسب الفقه لتغيير هذا التاريخ في اتجاه واحد وهو إرجاع تاريخ توقف عن الدفع مرة أو عدة مرات إلى ما وراء أو قبل ذلك المنصوص عليه في الحكم القاضي بفتح المسطرة، تماشيا مع القانون الفرنسي الذي استعمل كلمة Reportée والمستعملة أيضا في النص الفرنسي في المادة 680 من مدونة التجارة المغربية..

وتشير في ختام دراستنا الشرط التوقف عن الدفع إلى حالة أخرى اعتبرها المشرع بمثابة وقف عن الدفع و هي تلك التي يعجز فيها المدين عن سداد الديون المبرمة في إطار الإتفاق الودي المنصوص عليه في المادة 556 من مدونة التجارة، ذلك أن إخلال المدين ببنود هذا الاتفاق يجعله في حالة توقف عن الدفع المبرر بفتح مسطرة المعالجة في مواجهته بطلب من الدائنين المعنيين بالاتفاق أو تلقائيا من طرف المحكمة

التلازم بين الصفة التجارية والتوقف عن الدفع

يتعين لفتح مسطرة من مساطر المعالجة ضد مدین معين أن يكون هناك تلازم بين صفته التجارية ( تاجر أو حرفي أو شركة تجارية ) وتوقفه عن الدفع أو عدم القدرة على أداء الديون الحالة والمستحقة عليه، بمعنى أنه لا يمكن الاستجابة لطلب فتح المسطرة إذا تحقق احد هذين الشرطين دون الآخر.

والملاحظ أن مدونة التجارة المغربية لم تنص على هذا الشرط بشكل صريح ولكنه يعتبر من طبيعة الأمور التي لا تحتاج إلى نص، وإن كان مشرع هذه المدونة قد أشار إليه بصفة ضمنية في المادتين 564 و 565 منها حيث يجوز في ظل المادة الأولى فتح المسطرة ضد تاجر أو حرفي وضع حدا لنشاطه أو توفي داخل سنة من اعتزاله أومن وفاته شريطة أن يكون التوقف عن الدفع سابقا عن هذه الوقائع ( أي وضع حد للنشاط أو الوفاة أو الاعتزال) كما يمكن بموجب المادة الثانية ( 565) فتح المسطرة ضد شريك متضامن داخل سنة من اعتزاله شريطة أن يكون توقف الشركة عن الدفع سابقا لهذا الاعتزال

ويتضح من هاتين المادتين أن فتح المسطرة لا يمكن الحكم به إذا كان توقف الأشخاص المشار إليهم فيها عن الدفع لاحقا لوضع حد للنشاط أو للوفاة أو الاعتزال أو الانسحاب من الشركة، ومن الطبيعي أيضا انه لا يتأتي الحكم بفتح المسطرة قبل اكتساب الصفة التجارية.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!