ماهية التنازع بين القوانين في نطاق القانون الدولي الخاص

تعريف القانون الدولي الخاص

هو قانون متميز يطبق على الأشخاص الخاصة التي ترتبط فيما بينها بعلاقات ذات طابع دولي فالقانون الدولي الخاص هو قانون متميز وتميزه ينبع من أنه لا يعالج سوى المشاكل المترتبة على الطابع الدولي لتلك العلاقة تاركا تنظيمها الموضوعي الأحد الدول التي ترتبط بها وهو قانون يطبق على الأشخاص الخاصة، وهذا ما يميزه عن القانون الدولي العام الذي يطبق على الدول والمنظمات الدولية. وهؤلاء الأشخاص يرتبطون فيما بينهم بعلاقة ذات طابع دولي.

والعلاقة ذات الطابع الدولي هي العلاقة التي ترتبط من خلال عناصرها بأكثر من دولة، وبالتالي بأكثر من نظام قانوني، فعلى سبيل المثال: عقد الزواج المبرم بين فرنسي ومغربية هو علاقة ذات طابع دولي لأنها ترتبط بدولة فرنسا عن طريق جنسية الزوج وبدولة المغرب عن طریق جنسية الزوجة.

 نطاق القانون الدولي الخاص

 لم يحصل اتفاق فقهي وتشريعي بصدد الموضوعات التي تندرج ضمن نطاق مادة القانون الدولي الخاص، فبينما يذهب البعض إلى التضييق من مجالها ليجعلها من التنازع بين القوانين المبحث الأصيل للقانون الدولي الخاص نجد أن البعض الآخر ينحو التوسيع في نطاقها بشكل يجعل أهم موضوعاتها متمثلة بالإضافة إلى التنازع بين القوانين في تنازع الاختصاص القضائي الدولي والمركز القانوني للأجانب ثم موضوع الجنسية.

المطلب الأول : التنازع بين القوانين الموضوع الأصيل للقانون الدولي الخاص

لقد برز هذا الاتجاه الضيق أساسا في ألمانيا حيث أن موضوع التنازع بين القوانين بعد الموضوع الرئيسي والوحيد للقانون الدولي الخاص، ولفهم مضمون هذا التوجه لابد من التوقف بداية عند مدلول التنازع بني القوانين قبل تقييم هذا التوجه.

الفقرة الأولى : مدلول التنازع بين القوانين

 يطرح التنازع بين القوانين في كل مرة نكون فيها بصدد وضعية أو مركز قانوني متصل ومرتبط بقوانين دولتين أو أكثر، حيث يتعين إجراء اختيار أو مفاضلة بين مختلف قوانين هذه الدول لاختيار إحداهما تحكم المنازعة المطروحة.

 فمسألة الاختيار بين قوانين هذه الدول المتزاحمة، تعد روح القانون الدولي الخاص باعتبارها معيارا أساسيا يؤثر في كثير من الأحيان في جوهر النزاع بحكم الاختلاف الذي يطبع تشريعات هذه الدول في معالجة المسألة المطروحة.

 وللتدليل على هذا المشكل ندرج في هذا الإطار وقائع قضية نظر فيها القضاء الفرنسي بتاريخ: 1948 / 05 / 28 والتي تتلخص عناصرها في أن مجموعة من الشاحنات كانت تنقل إبان الحرب الأهلية الإسبانية متفجرات، وحصل أن اصطدمت شاحنة في المقدمة بقطار، ونتج عن هذا الحادث انفجار حمولة بقية الشاحنات الأخرى مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا وانهيار العديد من البنايات، وكان السائقون كلهم من جنسية فرنسية ويعملون لفائدة شركة فرنسية.

 ففي العلاقات ما بين ذوي الضحايا ورب العمل تم تطبيق قواعد المسؤولية عن حوادث الشغل، غير أن هذه القواعد ما كانت لتسمح لذوي الضحايا سوى الحصول على تعويض جزئي لا يسمح بتغطية كل الضرر الذي لحق بهؤلاء، وبهدف الحصول على تعويض إضافي رجعوا إلى رب العمل الفرنسي بناء على أحكام المسؤولية فطرح عندئذ مشکل التنازع بيم القوانين بحيث وجب الاختيار ما بين القانون الإسباني باعتباره قانون مكان وقوع الحادث والقانون الفرنسي باعتباره قانون جنسية الأطراف، وقد كان مثل هذا الاختيار أثر كبير على جوهر النزاع، لأن القانون الإسباني في ذلك الوقت لم يكن يأخذ بالمسؤولية المفترضة فكان من الضروري إثبات الخطأ، وقد طبق القضاء الفرنسي في هذه النازلة القانون الإسباني باعتباره قانون مكان وقوع الحادثة.

فمن هذه الأمثلة يتبين بأنه في كل مرة تكون فيها علاقة أو مركز قانوني ما مرتبطا بأكثر من قانون دولة وأن القوانين الداخلية لهذه الدول تعطي حلولا مختلفة فإنه يصبح من الضروري قبل حل هذا النزاع في الجوهر تحديد القانون الواجب التطبيق.

 الفقرة الثانية: تقييم الاتجاه الضيق

 لاشك أن قواعد التنازع تشكل محورا مهما في مادة القانون الدولي الخاص لخصوصيتها سواء على مستوى مصادرها أو طبيعة قواعدها المنهجية المتبعة في نطاقها لمعالجة التنازع بين القوانين، غير أن هناك من الفقه من انتقد هذا التوجه، فالأحوال الشخصية مثلا تشكل جزءا مهما في القانون المدني ولكن مع ذلا أحد يقول بأنها تشكل المحور الوحيد والأصيل فيه، فالعديد من الموضوعات المترابطة فيما بينها يمكن أن تتعايش في نطاق ومجال واحد وهو ما حدا ببعض الفقه الآخر إلى تبني اتجاه أكثر اتساعا.

المطلب الثاني: الاتجاه الموسع لنطاق القانون الدولي الخاص

 قد يرتبط النزاع المطروح كذلك في أحد عناصره بنظام قضائي معين بشكل تثار معه إشكالية تنازع الاختصاص القضائي الدولي. فإذا كان الارتباط يقوم في الغالب ما بين المحكمة المختصة والقانون الواجب التطبيق، فإن هذا الارتباط لا يعني دائما التلازم لأن قاعدة الإسناد في أحوال معينة قد تؤدي إلى تطبيق القانون الوطني وفي أحوال أخرى بتطبيق قانون أجنبي ولو أمام القضاء الوطني.

 ويطرح عادة بصدد تنازع الاختصاص القضائي الدولي مسالة معرفة ما إذا كان النظام القضائي لدولة معينة مختصا أم لا بالنظر في نزاع ذي طبيعة دولية؟

ويتصل بموضوع الاختصاص القضائي مسالة تنفيذ الأحكام الصادرة في موضوع بموجب حکم بات ونهائي، ويتمسك به من صدر لصالحه في دولة القاضي، فيثار التساؤل حول القيمة الدولية لمثل هذا الحكم وقد يتطلب الأمر كذلك تحديد القواعد التي تحكم المركز القانوني للأجنبي في مواجهة الأشخاص الذين يحملون الجنسية الوطنية، وتندرج هذه المسألة ضمن خانة الوضعية المدنية للأجانب حيث يتم بحث مدى تمتع الأجانب بحقوق مدنية في دولة القاضي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموضوعات السالفة تدور كلها وبدرجات مختلفة ومتفاوتة حول مسألة مهمة وهي الجنسية الأمر الذي يتبين أن موضوعات القانون الدولي الخاص بالرغم من تشعبها واختلافها ، فإنه تجمع فيما بينها عدة روابط.

فالجنسية توزع الأفراد من الناحية الدولية ومركز الأجانب، وفي هذه المرحلة التي تتكون فيها علاقات قانونية ويتم اكتساب حقوق تطرح مسألة معرفة القانون الواجب التطبيق، إذا تدخل في نطاقها عنصر أجنبي، وقد يتطلب الأمر تقدم الأجنبي أمام القضاء الوطني لأجل المطالبة بحقوقه حيث تطرح إشكالية الاختصاص القضائي الدولي ومسألة تنفيذ الأحكام الأجنبية.

 ولعل النقطة الأساسية التي تعد لحمة كل موضوعات القانون الدولي الخاص هي أنها جواب عن الوضعية القانونية للشخص في نطاق العلاقات الدولية الخاصة. نخلص من كل ما سبق أن هناك عدة اعتبارات قوية تؤكد ضرورة إدماج كل الموضوعات السابقة ضمن نطاق القانون الدولي الخاص:

1 – منها أولا أن في تركيبة مختلف الموضوعات تدخل مجموعة من المعطيات المشتركة تفتقدها في بعض فروع القانون الداخلي وهي معطيات ترتبط بانعكاساتها على العلاقات الخاصة الدولية أو بمصالح الدول.

2 – وأنه من ناحية ثانية فإن نفس الأسباب والعوامل هي التي تؤدي تقريبا إلى التدخل في التطور التشريعي لمختلف هذه المواد. فكثيرا ما تؤدي عوامل الهجرة إلى تعديل ومراجعة قانون الجنسية وقانون الوضعية المدنية للأجانب والانعكاس الذي قد يترتب على ذلك فيما يتعلق بالتطبيق الضيق أو الموسع للقانون الوطني للأجانب، ولذلك فقد كان من الضروري تجميع مختلف هذه المواد ضمن نطاق قانون مستقل، غير أن هذا الأمر لا يعني إمكانية عدم وجود اختلافات سواء في الجوهر أو في الشكل.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!