القيود الواردة على الملكية العقارية الخاصة

قيود الملكية العقارية الخاصة

قيود الملكية العقارية الخاصة

اختلف الفقهاء في تعريف قيود الملكية وتحديد طبيعتها

فمنهم من يرى أن قيود الملكية هي عنصر وتحديد خارجي مضاد يثقل الملكية، أما أغلبهم يرى أنها تكاليف والتزامات تنشأ مع فكرة الملكية الخاصة وتعتبر جزءا من مضمونها، لأنها تبلغ من الكثرة والأصالة مرتبة يصعب معها اعتبار وجودها حادثا طارئا على فكرة الملكية وعنصر خارجي يثقلها.

وهكذا فقد عرفها البعض بأنها “الحدود العامة المفروضة على حق الملكية الخاصة التي لا يجوز للمالك تجاوزها، هدفها هو تحقيق المصلحة العامة والمصلحة الخاصة”.

لدى فالملكية العقارية الخاصة حسب هذا المفهوم لم تعد كما كان فيما مضى حقا مطلقا يولي صاحبه استعمال الشيء واستغلاله والتصرف فيه دون قيد أو شرط، بل غدا مؤسسة حقوقية لها وظيفة اجتماعية يجب أن تؤديها، كما أصبح لها قيود وحدود لا يسوغ للمالك أن يتخطاها .

والقيود المقررة لتؤدي الملكية وظيفتها الاجتماعية على أنواع، منها ما هو مقرر حتى لا يخرج حق الملكية عن غايته ولاسيما استعماله، وما هو محدث رفعا لمضار الجوار، ومنها ما هو موضوع في سبيل النفع العام.

لهذا سوف نتناول في هذا الفرع، مطلبين سنخصص أولهما إلى القيود المقررة لمصلحة الغير، وفي ثانيهما القيود المقررة للمصلحة العامة.

المطلب الأول: القيود المقررة لمصلحة الغير (التزامات الجوار)

المتفق عليه اليوم أن الملكية تمنح صاحبها سلطات مهمة وذلك بغية الحصول على منفعة مشروعة ودون إلحاق الضرر بالغير، وأن استعماله إياها بشكل يفوق الحدود المألوفة إنما هو خروج عن الغاية الاجتماعية التي من أجلها أنشئت الملكية وبالتالي ضرب من ضروب التعسف وإساءة استعمال الحق.

وهكذا فقد ينتج من استعمال المالك لعقاره ضرر بمن يجاور ذلك العقار، كأن يقيم المالك فوق أرضه معملا يؤذي جيرانه بالدخان، ويقلق راحتهم بالضجيج والروائح الكريهة، وكأن يفتح في بنائه نوافذ تطل على جيرانه، وكأن يغرس أشجار بالقرب من حدود بلاد جاره إلى غير ذلك،

لهذا فمعظم القوانين الوضعية نجدها تنص على عدد من القواعد التي تحد من سلطة المالك على ملكه بهدف رفع الضرر الذي يمكن أن يلحقه هذا المالك بجاره لو تركت له الحرية المطلقة في ممارسة حق ملكيته كما يشاء .

والمشرع المغربي في مدونة الحقوق العينية قانون 39.08 قد تناول وحرص على إنهاء أو تقليل أسباب النزاع بين الحقوق المتجاورة فنص على مجموعة من القيود القانونية المحمل بها حق الملكية لصالح الجوار وذلك في إطار الباب المخصص للارتفاقات والتحملات العقارية، وهي قيود كثيرة سنحاول تناول البعض منها .

أولا: فتح المطلات على الأرض المجاورة

ألزم المشرع المغربي صاحب المطل على التقيد بالمقتضيات القانونية التي نص عليها في ثلاثة مواد متتابعة من مدونة الحقوق العينية (66، 67، 68) حيث ألزم مالك العقار ألا يفتح في حائط ملاصق لملك جاره نوافذ أو شبابيك أو أي فتحات مماثلة إلا برضى صاحب الملك المجاور .

كما أنه زيادة في رفع الضرر عن الجار في هذه الحالة قد ألزم مالك العقار بمسافات معينة لفتح هذه المطلات أو الشرفات والمتمثلة في مترين إذا كانت مواجهة لملك الجار، وإذا كانت منحرفة فعلى مسافة متر واحد، ولا يسري هذا المنع على المطلات أو الشرفات المفتوحة على الطريق العمومية .

ثانيا: غرس الأشجار بالقرب من حدود الجار

المشرع المغربي في قانون 39.08 قيد حق المالك في غرس الأشجار أو شجيرات أو أغراسا على حدود أرضه أو تعويضها حين موتها أو قطعها أو قلعها دون مراعاة المسافات التي تحددها الأنظمة

فإذا لم تكن هناك أنظمة تحدد المسافات وجب عليه أن يغرسها بعيدا عن الحد الذي يفصل أرضه عن أرض جاره، بمسافة لا تقل عن مترين اثنين إذا كانت المغروسات مما يفوق ارتفاعها مترين وعن نصف متر إذا كانت مما دون ذلك .

كما أنه ليس على الجار غرس أشجار بجوار بناء جاره إذا كانت هذه الأشجار تمتد جذورها، فإذا غرسها فإنه يحق لمالك هذا البناء المطالبة بقلعها .

ثالثا: إقامة منشئات مزعجة أو مضرة بالجيران

المشرع لم ينسى أمر المحلات المضرة بالصحة أو الخطرة أو المقلقة للراحة والتي نص على أنه يجب أن تقام بالمواصفات وعلى المسافات وداخل المناطق المنصوص عليها في القانون،

كما ألزم مالكيها باتخاذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على البيئة والحيلولة دون الإضرار بأي أحد مع مراعاة القوانين الجاري بها العمل في هذا الباب ، والمتعلقة مثلا بقانون رقم 11.03 الخاص بحماية واستصلاح البيئة.

وهكذا وخلاصة لما سبق القول فالقانون قد قرر العديد من المقتضيات التي حاول فيها الحد من سلطات المالك والتي تجعله يتعسف في استعمال حقه تجاه الغير المجاور له، والتي أشرنا إلى بعضها بإيجاز.

غير أن القيود التي تحد من حق الملكية العقارية لا تقف عند حد القيود المقررة قانونا، بل حتى الاتفاق قد يضع قيودا تكون برضى الطرفين والتي يهدفون من ورائها تقييد حق المالك ومنعه من التصرف في عقاره،

وخير دليل على ذلك المادة 14 من مدونة الحقوق العينية التي تجعل للمالك التمتع بسلطات الملكية بحيث لا يقيده في ذلك إلا القانون أو الاتفاق، وحتى ظهير الالتزامات والعقود ل 1913 المغربي نص في الفصل 492 على أنه

“بمجرد انعقاد البيع يسوغ للمشتري التصرف في الشيء المبيع ولو قبل حصول التسليم وذلك ما لم يتفق العاقدان على خلافه” الأمر الذي يترتب عليه اعتبار عقد البيع المتضمن قيدا يمنع المشتري من التصرف في المبيع قبل انقضاء زمن معين، عقدا صحيحا والقيد معتبر .

المطلب الثاني: القيود المقررة للمصلحة العامة 

حق الملكية العقارية الخاصة من الحقوق التي قررتها مختلف التشريعات كما سبق وأن رأينا وحتى الشريعة الإسلامية كفلت حمايتها، وفي نفس الوقت قررت ما يجب في الأموال الخاصة من الحقوق المختلفة، وأن من حق أولياء الأمر في كل بلد أن يحدوا من حرية التملك بالقدر الذي يكفل درءه المفاسد البينة وتحقيق المصالح الراجحة

 هذه المصالح التي تعلو مصالح الفرد باعتبارها تقضي بتدخل المشرع في حق الملكية العقارية للحد من سلطة المالك وتقييد هذه السلطة حسبما تستلزمه المصلحة العامة، عملا بالقاعدة الكلية القائلة بوجوب تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام .

وهكذا فقد تنوعت القيود التي تحد من حق المالك في التصرف في عقاره حينما يكون هذا التصرف مضرا بالمصلحة العامة، هذه القيود التي يمكن إجمالها في القيود الواردة سواء في قانون التعمير 12.90 أو قانون التجزئات العقارية رقم 25.90 ، وسواء المتمثلة في قانون 7.81 المتعلق بنزع لملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت.

الفقرة الأولى: القيود المقررة في إطار قوانين التعمير

تعتبر التصاميم الصادرة في إطار التعمير عبارة عن مقررات الغرض منها إعلان المنفعة العامة و بالتالي نزع الملكية العقارية الخاصة، و هذا بصريح المادة 28 من قانون 12.90 التي تنص على أنه :

“يعتبر النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة بمثابة إعلان بأن المنفعة العامة تستوجب القيام بالعمليات اللازمة لإنجاز التجهيزات المنصوص عليها… و تنتهي الاثار المترتبة على إعلان المنفعة العامة عند إنقضاء 10 سنوات يبتدئ من تاريخ نشر النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة في الجريدة الرسمية ، و لا يجوز القيام بإعلان المنفعة العامة للغرض نفسه ، فيما يتعلق بالمناطق المخصصة للتجهيزات الانفة الذكر ، قبل إنصرام أجل 10 سنوات”،

و ما يؤكد ذلك أيضا المادة 29 من نفس القانون و التي تنص على ما يلي :”….و تطبق الأحكام المنصوص عليها في القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية للمنفعة العامة و الإحتلال المؤقت الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.254 بتاريخ 11 من رجب 1402 (6 ماي 1982) على تصميم التهيئة المعتبر بمثابة قرار تعين فيه العقارات المراد نزع ملكيتها و ذلك فيما يتعلق بالإجراءات التي يخضع لها و الاثار المترتبة عليه…”

وفي إطار المصلحة العامة ،فقد سمح المشرع المغربي من خلال مختلف تصاميم التعمير و القرارات بنزع بعض الأراضي من أجل المنفعة العامة ذلك أنه بالرجوع إلى المادة 37 من القانون رقم 12.90 فالجماعة تستطيع الحصول على العقارات اللازمة لإحداث طريق عمومي أو توسيعه إما عن طريق المراضاة أو عن طريق نزع الملكية ، و ذلك بحسب القواعد الآتية:

” تقوم الجماعة بتملك العقارات الواقعة في مساحة الطرق العامة الجماعية و ذلك أما برضي ملاكها و إما بنزع ملكيتها منهم مع مراعاة الأحكام الخاصة…”

الفقرة الثانية: القيود المقررة في إطار قانون 7.81

كما سبق ورأينا أن الدستور المغربي كرس من خلال الفصل 35 منه، على أن القانون يضمن حق الملكية، ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون.

وعليه يمكن اعتبار نزع الملكية من أجل المنفعة العامة وكذلك الاحتلال المؤقت من الوسائل المعتمدة من طرف الإدارة قصد تجريد صاحب العقار من ملكيته العقارية الخاصة إما بصفة دائمة في نزع الملكية وإما بصفة مؤقتة في الاحتلال المؤقت وذلك مقابل تعويض عادل .

أولا: الاحتلال المؤقت

يعتبر الاحتلال المؤقت نظاما مندمجا في قانون نزع الملكية ووثيق الصلة به، وذلك بالنظر للقاسم المشترك الذي يجمع بينهما والمتجلي أساسا في وحدة الموضوع، إلا أنه ومع ذلك يظل نظام الاحتلال المؤقت ينفرد ببعض المميزات التي تجعله يختلف عن نظام نزع الملكية، فهو يقصد به “حق السلطة الإدارية في حيازة العقارات المملوكة ملكية خاصة بصفة مؤقتة تحقيقا للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل”

وبالتالي ففضلا عن كون الاحتلال المؤقت ينصب على عقار لخدمة مشروع ذي منفعة عامة حسب ما نص عليه الفصل 50 والفصل 53 من قانون 7.81، فإن هذا الاحتلال المؤقت ينبغي أن يقتصر على القيام بدراسات أو أعمال إعدادية لأشغال عمومية أو إيداع آليات أو مواد لازمة لتنفيذ أشغال عمومية أو استخراج بعض المواد، بحيث إذا ما تجاوزت الإدارة ذلك وقامت مثلا بأعمال مد القنوات والحفر يصبح قرارها مشوبا بعيب في استعمال السلطة .

ومدة الاحتلال لا يمكن أن تتجاوز خمس سنوات، بحيث إذا تجاوزت الإدارة في احتلالها للعقار هذه المدة ولم يحصل بينها والمعني بالأمر أي اتفاق فإنها تكون مضطرة إلى القيام بنزع الملكية وفق الشروط التي يحددها القانون .

كما أن الإدارة وبمجرد انتهاء مدة الاحتلال المؤقت تكون ملزمة بإرجاع الملك لأصحابه بنفس الحالة الموجود عليها وقت الاحتلال، مع تعويض كل تلف أو نقص في قيمته، فإذا أصبح الملك غير صالح للاستعمال الذي كان مخصصا له من قبل وجب على الإدارة قبل مضي خمس سنوات بوقت كاف، الشروع في إتباع مسطرة نزع الملكية، وحينذاك تقدير قيمة العقار وفق الأوصاف التي كان عليها الاحتلال، وحسب الأسعار السائدة وقت نزع الملكية .

وهكذا فالاحتلال المؤقت كنزع الملكية يرتبط بتحقيق النفع العام جاء للحد من الملكية العقارية الخاصة في سبيل أداء وظيفتها الاجتماعية المنوطة بها.

ثانيا: نزع الملكية لأجل المنفعة العامة 

تعتبر عملية نزع الملكية امتياز يسمح للدولة باستعمال سلطتها لتجريد المالك من ملكيته لعقار أو حق عيني عقاري، وذلك بهدف تحقيق منفعة عامة وتحقيق ضمانات ذات طابع إجرائي وموضوعي

وفكرة نزع الملكية من أجل المنفعة العامة ليست بمفهوم جديد خاصة في الفقه الإسلامي بوجه خاص، ذلك أن المذهب المالكي السائد في المغرب إلى جانب المذاهب الفقهية الأخرى عرفها وطبقها في مجال الفقه والقضاء

 







 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!