مفهوم الغلط:

الغلط هو وهم للمتعاقد الواقع على غير حقيقته ويدفعه إلى التعاقد نتيجة لهذا التصور الخاطئ بحيث ما كان ليتعاقد لو علم هذه الحقيقة أو أنه كان سيتفاوض وفقا لشروط أخرى غير التي تفاوض بها تحت وطأة الغلط , ومن خلال هذا التعريف يتضح أن الغلط يتميز بالخصائص التالية :

أولا الغلط عيب في الإرادة وليس في الشيء محل العقد, ثانيا أن المتوهم قد وقع في الغلط من تلقاء نفسه وهذا ما يميزه عن التغليط الذي يقع فيه المتعاقد بفعل المناورات التدليسية التي قام بها الطرف الآخر. ثالثا أنه يكفي لإبطال العقد للغلط أن يكون أحد المتعاقدين هو الذي وقع في الغلط بحيث لا يشترط أن يكون الغلط مزدوجا أو جماعيا.

نظريات الغلط :

أولا : مضمون النظرية التقليدية في الغلط :

يذهب أنصار النظرية التقليدية في الغلط إلى تقسيم هذا الأخير إلى غلط مانع و غلط مؤثر في عنصر الإرادة وآخر غير مؤثر في عنصر الإرادة , فالغلط المانع هو الغلط الذي يكون مانع من التعاقد إذا انصب على هوية العقد أو طبيعته, ويدخل ضمن هذه الزمرة, أيضا كل من الغلط في محل العقد أو سببه.

الغلط المؤثر في صحة الإرادة : يكون هذا الغلط مؤثرا في عنصر التراضي إذا وقع على مادة الشيء محل التعاقد , كان يتم التعاقد على شراء أثاث منزلي من طراز معين ثم يتضح للمشتري على أن الأثاث مصنوع من مادة أخرى غير التي تصورها الشخص أثناء التعاقد, ويدخل في هذا النوع من الغلط أيضا حالات التوهم التي تحصل بخصوص شخصية المتعاقد إذا كانت شخصيته محل اعتبار في العقد. أما الغلط غير مؤثر في صحة الإرادة  فيقصد به مجموع الأغلاط التي لا تنقص في شيء من صحة الإرادة كالغلط في الحساب,

ويرتب أنصار النظرية التقليدية على التصنيف السابق أن العقد يكون مصيره البطلان المطلق إذا تعلق الأمر بالغلط مانع من التعاقد, بحيث لا ينتج آي اثر قانوني في حق المتعاقدين أو الغير إلا ما استثناه المشرع بنص خاص أما بالنسبة لمصير العقد المشوب بغلط مؤثر في الإدارة, فإنه يكون قابلا للإبطال لمصلحة الطرف الواقع في عيب الغلط, أما النوع الثالث من الغلط آي الغلط الغير مؤثر “غير مجدي” في صحة الإرادة فإنه لا يستوجب آي جزاء قانوني إذ يبقى العقد صحيحا منتجا لكافة آثاره القانونية.

ثانيا: مضمون النظرية الحديثة في الغلط:

خلافا للنظرية التقليدية في الغلط استغنت النظرية الحديثة عن تقسيمات النظرية الأولى, إذ لم يعد هناك موجب للإبقاء على الغلط المانع في إطارها, أما بالنسبة للأغلاط الأخرى فإنها لا تعتد بها إلا إذا كان الغلط جوهريا ودافعا إلى التعاقد. فعملية تكييف الغلط الموجب للإبطال وفقا لأنصار النظرية الحديثة متروك لسلطة القاضي, والغلط الواحد قد يكون عيبا الإرادة بالنسبة لبعض الأشخاص دون البعض الآخر.

موقف القانون المدني المغربي من النظريتين التقليدية و الحديثة :

بالرجوع إلى الفصل 40 من قانون الالتزامات و العقود, نجد أن المشرع المغربي اشترط للاعتداد بالغلط في القانون شرطين أساسيين :

الشرط الأول : أن يكون الغلط هو السبب الدافع إلى التعاقد, بحيث لو علم المتعاقد بالحقيقة لما أقدم على التعاقد, ففي المثال السابق يعتد بالغلط إذا ثبت أن الوارث لم يقدم على بيع حقه بهذا الثمن إلا لاعتقاده الجازم بأن مقداره السدس, بحيث لو كان قد علم أن مقدار حصته في التركة هو الربع لما أقدمه على التفويت بهذا الثمن أو لا امتنع عن البيع نهائيا.

الشرط الثاني : يجب أن يكون الغلط مما يعذر فيه بالجهل أي أن يكون للمتعاقد الذي وقع فيه عذر ينهض سببا لتبريره كما لو كان أميا ليست له دراية بالقانون, أما لو كان رجل القانون فلا يمكن الاعتداد بغلطه في القانون لأن الأمر يكون بمثابة تقصير منه.

الشرط الثالث  : وهو عدم وجود نص قانوني يمنع الاعتداد بالغلط في القانون في حالات معينة, ومن ذلك ما نص عليه الفصل 73 من ق.ل.ع. الذي جاء فيه ما يلي ” الدفع الذي يتم تنفيذا لدين سقط بالتقادم أو لالتزام معنوي, لا يخول الاسترداد إذا كان الدافع متمتعا بأهلية التصرف ملزما بالدفع, أو كان يجهل واقعة التقادم.” ومن خلال ما سبق يتضح أن المشرع المغربي أخد بالنظرية التقليدية في الغلط كأصل عام إلا أنه لم يرفض حلول النظرية الحديثة مطلقا وغنما اعتد ببعض قواعدها كما هو الشأن بالنسبة للغلط في القانون, حيث يجعله سببا للإبطال متى كان الغلط جوهريا ودافعا للتعاقد.

حالات الغلط في القانون:

1 – الغلط المتعلق بالشيء :

بحيث ينص الفصل 41 من قانون الالتزامات و العقود على انه : ” يخول الغلط إلى الإبطال إذا وقع في ذات الشيء أو نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى, فالمقصود بذاتية الشيء مادته أي العناصر الكيماوية أو العضوية التي يتكون منها هذا الشيء , ويقصد الغلط في النوع الذي يخول التمسك بالإبطال مجموع الصفات الأساسية التي تتميز بها الأشياء بعضها عن بعض بصرف النظر عن المادة التي تتكون منها, ويقصد بالغلط في صفة الشيء هو وقوع الغلط في صفة جوهرية في الشيء إذا كانت هذه الصفة هي الدافعة غلى التعاقد.

الغلط في شخص المتعاقد :

فالغلط في شخص المتعاقد قد يكون في ذات المتعاقد كمن يهب مالا لشخص معين, وإذا بالموهوب له غير الشخص الذي كان يريد الواهب أن يخصه بالهبة, وقد يكون الغلط في صفة من صفات المتعاقد, كان يتعاقد  مع آخر لإرادة مزرعته معتقدا أنه يحمل شهادة في العلوم الزراعية, ثم يتضح أن لا خبرة له في ميدان الزراعة, وسواء وقع الغلط في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته , يجب للاعتداد به أن يكون هو الدافع إلى التعاقد أي يجب أن تكون شخصية المتعاقد محل اعتبار وقت التعاقد.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!