عيوب الرضى – الغبن – خصائصه و حالاته

تعريف الغبن :

يقصد بالغبن ذلك الحيف أو الخسارة التي تلحق احد المتعاقدين نتيجة عدم التعادل المادي بين ما يأخذه العاقد وما يعطيه, فالبيع بثمن بخس يلحق الغبن بالبائع ,وبثمن باهض يلحق الغبن بالمشتري. وطبقا لمبدأ سلطان الإرادة, فإن ذلك ليس من شانه التأثير في صحة العقد, لأن العقد مفروض فيه التوازن بين الالتزامات المتقابلة و المرجع في ذلك هو إرادة المتعاقدين أنفسهما , فالشخص لا يرضى بالعقد إلا إذا كان يرى فيه تعبيرا عن مصلحته, وبالتالي محققا للعدل بالنسبة إليه, والقول بغير ذلك كما يقول الأستاذ “تانغو” يؤدي غلى اعتبار كل فرد في المجتمع في حكم القاصر الذي تفرض الوصاية على تصرفاته, وهو ما يؤدي إلى إشاعة الاضطرابات وعدم الاستقرار في المعاملات.

ففكرة الغبن تتمثل في ذلك التفاوت الصارخ بين الأداءات المتقابلة, حيث أن الاختلال يحصل في المراكز الاقتصادية للعقد, أما المراكز القانونية فتبقى سليمة لا عيب فيها,

خصائص الغبن :

1 – أنه عيب مادي ذو طابع اقتصادي.

2 – أن الغبن يرتبط بالعقود التي تفيد المعاوضة المبنية على تقابل الالتزامات وهذا يعني استبعاد العقود التبرعية, وكذا العقود الملزمة لجانب واحد من دائرة الغبن.

3 – أن الغبن لا يعتد به إلا إذا كان فاحشا بان وصل نسبة معينة من القيمة السوقية للشيء كالثلث.

الغبن في التشريع المغربي :

عرفه بعض الفقه بأنه الالتجاء عن قصد إلى الاستفادة من الضعف الإنساني في المتعاقد يجعله يرتض تصرفا يؤدي إلى غرم مفرط كادح, فبالرجوع لقانون الالتزامات و العقود المغربي نجده ينص في الفصل 54 على أن أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض و الحالات الأخرى المتشابهة متروك لتقدير القضاة” فهل المشرع أخد في هذا الفصل بتعريف الغبن على أساس الغبن الاستغلالي ؟ للإجابة عن هذا التساؤل فقد انقسم الفقه إلى قسمين :

الاتجاه الأول يرى أن مقتضيات الفصل 54 من قانون الالتزامات و العقود المتعلق بالمرض و الحالات الأخرى المتشابهة لا تشكل تبني من المشرع المغربي لنظرية الغبن الاستغلالي حتى أنه اعتبر هذا الفصل خطير وعجيب في آن واحد, لاسيما من حيث السلطة الممنوحة للقاضي بمقتضاه والتي من شأنها أن تؤثر سلبيا على استقرار المعاملات.

وفي المقابل ذهب اتجاه ثاني إلى القول بان مقتضيات الفصل 54 من قانون الالتزامات و العقود تفيد أخد المشرع المغربي بنظرية الغبن الاستغلالي ففي ضوء هذا النص إذا كان أحد المتعاقدين قد استغل مرض احد المتعاقدين أو حالة من الحالات التي يوجد فيها الشخص تجعله اقرب للمريض مثل طيشه البين أو هواه الجامح أو حاجته الماسة أو عدم خبرته, وابرم معه عقد لا تتعادل فيه التزامات الطرفين, بل ينطوي على غبن احدهما غبنا فاحشا فإن الطرف المغبون غبنا استغلاليا يسوغ له المطالبة بإبطال العقد, ولاسيما أن المشرع منح القاضي سلطة واسعة في هذا المجال وترك تقرير الإبطال لرأيه وتقديره.

وعلى هذا الأساس يجب لتطبيق مقتضيات الفصل 54 من قانون الالتزامات و العقود المغربي توافر عنصرين أساسيين أولهما العنصر المادي المتمثل في عدم تعادل التزامات الطرفين أي وجود اختلال فادح بين ما حصل عليه المتعاقد المغبون من منفعة وما تحمله من التزام, العنصر الثاني هو العنصر النفسي من خلال ارتباط المرض أو حالة من الحالات المتشابهة له بعنصر الاستغلال.

الغبن وفق لقانون الالتزامات و العقود :

بالرجوع إلى الفصلين 55 و 56 من قانون الالتزامات و العقود المغربي نلاحظ أن المشرع المغربي لم ينص على نظرية عامة للغبن, وإنما اكتفى بالإشارة لبعض الاستثناءات التي يتقرر فيها الإبطال بسبب هذا العيب, كأن يكون مقرونا بالتدليس أو أن يكون المغبون قاصرا أو ناقصا الأهلية.

1 – حالة الغبن عن تدليس المتعاقد الآخر :

إن الغبن الذي يقع على الراشدين لا يخول الحق في طلب إبطال التصرف وفقا لقانون الالتزامات و العقود المغربي إلا إذا كان ناتج عن تدليس المتعاقد الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من اجله وهذا ما ينص عليه الفصل 55 من قانون الالتزامات و العقود على أنه :” الغبن لا يخول الإبطال, إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من اجله وذلك فيما عدا الاستثناء الوارد بعد.

2 – حالة وقوع الغبن في حق القاصر أو ناقص الأهلية :

ينص الفصل 56 من قانون الالتزامات و العقود على أن الغبن : الغبن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية, ولو تعاقد بمعونة وصية أو مساعدة القاضي, وفقا للأوضاع التي يحددها القانون ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر, ويعتبر غبنا كل فرق يزيد عن الثلث بين الثمن المذكور في العقد و القيمة الحقيقية للشيء.”

شروط الغبن المفضي للإبطال في هذه الحالة هي :

–  أن يكون المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية

– أن يزيد الفرق بين الثمن المتفق عليه و الثمن الحقيقي للشيء عن الثلث.

وإذا كانت الغاية من إقرار الإبطال في هذه الحالة واضحة وهي الرغبة في حماية حقوق القاصرين وناقصي الأهلية, فإن المشرع الغربي لا يقرر قاعدة قانونية جوهرية بقدر ما يخلق طريقا احتياطيا للطرف المغبون لا غير

وتفسير ذلك يكمن في أن العقود التي يبرمها القاصر أو ناقص الأهلية بمفرده مع الغير تكون باطلة أو قابلة للإبطال سواء تعلق الأمر بالعقد المشوب بالغبن او بغيرها من العقود الأخرى, ولا تظهر أهمية الفصل 56 من قانون الالتزامات و العقود بصورة فعلية إلا في الحالات التي يرتبط فيها الغبن بالعقود التي يبرمها النائب القانوني عن القاصر, حيث يقرر الإبطال لمصلحة القاصر أو ناقص الأهلية بالرغم من التمثيل الشرعي الذي يتمتع به هذه الفئة.

3 – اعتداد القضاء المغربي بالغبن استنادا على قواعد الفقه المالكي :

إذا كانت القاعدة العامة في قانون الالتزامات و العقود المغربي هي عدم تقرير الإبطال للغبن المجرد, فإن القضاء المغربي يعتد به كلما تعلق الأمر ببيع عقار غير محفظ, فقد جاء في قرار لمحكمة النقض بتاريخ 24 يناير 1988 ما يلي : ” حقا فإن عقار النزاع مادام غير محفظ, وأن النزاع العقاري لتعلقه بطلب إبطال بيع لوجود غبن فيه, فإن المطبق فيه هو قواعد الفقه المالكي الذي يقبل الغبن بأربعة شروط, أن يكون المغبون جاهلا بعمله أي من شأنه أن يغبن لجهله بالأثمان وحوالة الأسواق, وأن يكون القيام بالغبن داخل السنة, وأن يكون الثمن الحقيقي للمبيع يوم البيع يزيد على الثمن الواقع به التعاقد بالثلث.”



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!