عيوب الرضى : الإكراه و التدليس

الإكراه :

تعريف الإكراه :

عرف المشرع المغربي الإكراه في الفصل 46 من قانون الالتزامات و العقود بأنه ” إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه” فالإكراه المفسد للرضي والذي يجعل العقد قابلا للإبطال هو الذي يبعث رهبة أو خوفا شديدا في النفس يحملان المتعاقد على قبول ما لم يكن يقبله اختيارا فإرادة المتعاقد لم تصدر عن حرية واختيار وغنما اختار أهون الضررين.

شروط الإكراه :

الإكراه طبقا للفصل 47 من قانون الالتزامات و العقود لا يخول إبطال الالتزام إلا إدا كان هو السبب الدفع إليه أو إذا قام على وقائع من طبيعتها أن تحدث لمن وقعت عليه ألما جسيما أو اضطرابا نفسيا أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير مع مراعاة السن و الذكورة و الأنوثة وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم” و بالرجوع لمقتضيات هذا الفصل لا ينهض الإكراه سببا للمطالبة بإبطال العقد إلا إذا توفرت الشروط التالية :

الشرط الأول : استعمال وسائل الضغط أو الإكراه :

قد تكون الوسائل المستعملة في الإكراه مادية كالضرب و التعذيب, وهذا ما يسمى بالإكراه المادي أو الحسي, وقد يكون الإكراه معنويا أو نفسيا كالتهديد بإلحاق الأذى بالمكره أو الغير من أقاربه في الجسم أو النفس أو المال أو الشرف, ومتى تحقق هذا الشرط أي الفعل المادي الصادر عن المكره, فقد يتحقق معه التبعية الإكراه سواء أكان صار من المتعاقد نفسه أو من الغير أو حتى من ظروف خارجية تهيأت صدفة, واستغلها الطرف المكره, لأن العبرة دائما للرضي المعيب, وهذا ما أشار إليه المشرع المغربي صراحة في الفصل 49 من قانون الالتزامات و العقود بقوله : “الإكراه يخول إبطال الالتزام وإن لم يباشره المتعاقد الذي وقع الاتفاق لمنفعته”

الشرط الثاني : تأثر إرادة المكره بوسيلة الضغط أو الإكراه:

فالعبرة في الإكراه ليست بالوسيلة المستعملة للضغط على المتعاقد, وإنما بما تبعته هذه الوسيلة من رهبة في نفوس الناس, فيجب أن يتولد عن هذه الوسيلة الشعور من طرف المكره بان هناك خطر جسيم يهدده في النفس أو المال أو الشرف , وهذا ما تؤكد عليه الفقرة الثانية من الفصل 47 من قانون الالتزامات و العقود,

والملاحظ أن المشرع المغربي لم يشر لفكرة الخطر الجسيم الحال, وقد أحسن صنعا, لأن الإكراه يتحقق ولو أن الخطر المهدد به مستقبلا إذا كان من شأنه أن يولد لدى المتعاقد رهبة حالة وقت التعاقد. وقد يحدث الضغط رهبة وخوفا في نفس المتعاقد, ومع ذلك يبرم العقد لمصلحة وجدها فيه, ففي هذه الحالة لا يجوز التمسك بالإبطال لأن وسائل الترهيب لم يكن لها تأثير على إرادة المتعاقد واختياره وهذا ما تؤكد عليه الفقرة الأولى من الفصل 47″

الشرط الثالث : أن تتم ممارسة الإكراه خارج نطاق المشروعية:

التهديد يجب أن يكون غير مشروع وهذا ما أشار إليه الفصل 46 من قانون الالتزامات و العقود باشتراط ان يكون الإجبار بدون أن يسمح به القانون, وبناءا عليه يبقى العقد صحيحا إذا كانت وسيلة الضغط المستعملة ضد المتعاقد قانونية كان يهدد الدائن مدينه بالحجز على أمواله, إذا لم يقرر رهنا لفائدته على مال له, فعقد الرهن في هذه الحالة صحيح منتج لكافة آثاره القانونية لطالما أن الوسيلة و الغرض مشروعان .

وفي المقابل قد تكون الوسيلة مشروعة والغرض غير مشروع فيتحقق الإكراه كتهديد المودع بالإبلاغ عن جريمة تبديد المال المودع إذا لم يتعهد المودع لديه بدفع مبلغ يتجاوز المبلغ المودع, وهذا ما ينص عليه الفصل 48 من قانون الالتزامات والعقود بقوله ” الخوف الناتج عن تهديدات بالمطالبة القضائية أو عن الإجراءات القانونية الأخرى لا يخول الإبطال إلا إذا استغلت حالة المتعاقد المهدد, بحيث تنتزع منه فوائد مفرطة أو غير مستحقة, وذلك ما لم يكن التهديد مصحوبا بوقائع أخرى تكون الإكراه بالمعنى الذي يقتضيه الفصل السابق”

التدليس :

تعريف التدليس:

 يمكن تعريف التدليس بأنه عبارة عن مجموعة من الوسائل الاحتيالية التي يمارسها أحد المتعاقدين قصد تمويه الحقيقة, وتضليل الطرف الآخر الشيء الذي يحمله على التعاقد, فالمتعاقد تحت وطأة التدليس إنما يتعاقد تحت تأثير الوهم الذي أثاره في ذهنه المدلس, فإرادته ليست حرة سليمة بل هي معيبة نتيجة الغلط الذي ولده التدليس,

وهو يختلف عن الغلط المجرد في أن الأول يقع فيه المتعاقد نتيجة أساليب التضليل والاحتيال التي لجا إليها المدلس, بينما الثاني هو غلط تلقائي يقع فيه متعاقد من تلقاء نفسه, كمن يبيع أرض بتصاميم مزورة فهذه التصاميم قد توهم المشتري أن تلك الأرض مخصصة لبناء العمارات في حين أنها غير مخصصة للبناء, إذ الشخص هنا وقع في الغلط نتيجة تدليس الطرف الآخر.

شروط التدليس :

1 _ استعمال أساليب احتيالية لتضليل المدلس عليه, من خلال العنصر المادي المتمثل في مجموع الوسائل المادية التي استعملها المدلس للتغرير بالطرف الآخر, والمشرع المغربي قد أشار إلى بعضها في الفصل 52 من قانون الالتزامات و العقود كالحيل و الكتمان, دون استبعاد وجود أساليب أخرى متنوعة قد يستعملها المتعاقد لأجل التضليل بالطرف الآخر ودفعه للتعاقد كالوثائق المزورة وغير ذلك من الوسائل الاحتيالية.

أما العنصر المعنوي فيعني أن تتجه نية المدلس غلى تضليل الطرف الآخر وإيقاعه في الغلط من اجل التعاقد وبمفهوم المخالفة فإن المتعاقد إذا وقع في التدليس من تلقاء نفسه فإن الأمر يكون غلطا وليس تدليسا.

2 _  أن تكون الأساليب الاحتيالية هي التي دفعت المدلس عليه إلى التعاقد, فالتدليس يجب أن يبلغ درجة تدفع المتعاقد الآخر إلى التعاقد, بمعنى أنه لولا وجود هذا التدليس لما تعاقد من الأساس, ويرجع تقدير ما إذا كان التدليس هو الدافع غلى التعاقد إلى محكمة الموضوع مسترشدة في ذلك بحالة المتعاقد ضحية التدليس, فالمعيار المعتمد هو معيار شخصي قوامه المتعاقد.

3 _ صدور وسائل الاحتيال عن المتعاقد الآخر أو كونه على علم بها , بحيث ذهب المشرع المغربي في الفصل 52 من الالتزامات و العقود أن التدليس يخول الحق في إبطال العقد إذا صدر عن احد المتعاقدين أو نائبه أو أي شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه, كما يكون التدليس الصادر عن الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به.

فالتضليل إذا صدر من شخص آخر لم يثبت أن هناك علاقة بين هذا الشخص الصادر عنه التضليل و الشخص المتعاقد فهنا لا يحق للشخص المدلس عليه إلا مطالبة الطرف الصادر عنه التضليل و التدليس بالتعويض طبقا للقواعد المسؤولية التقصيرية ويبقى العقد صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!