الفصل السادس المسطرة الجنائية مقالات

عمل النيابة العامة في إطار البحث التمهيدي

إن المقصود بالبحث التمهيدي أو البحث البوليسي كما آثر البعض أن يسميه توخيا للدقة وتميزا له عن البحث المجرى في إطار المواد من 78 إلى 82 من قانون المسطرة الجنائية كما سأوضح لاحقا، مجموعة من التحريات المنجزة قبل التحقيق والمحاكمة الهدف منها جمع الأدلة عن وقائع الجريمة وعن الأشخاص المشبوه في نسبة الجريمة إليهم وبالرجوع إلى مقتضيات قانون المسطرة الجنائية في الموضوع، أمكن القول بأن إرادة المشرع اتجهت إلى إسناد مهمة هذا البحث إلى جهازين مختلفين من حيث الانتماء والتكوين متكاملين من حيث العمل، إنهما جهازي النيابة العامة والشرطة القضائية .

فبعد أن نصت المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية على أنه ” يعهد إلى الشرطة القضائية تبعا للبيانات المقررة في هذا القسم بالتثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها…” ونصت المادة 78 من قانون المسطرة الجنائية على أنه “يقوم ضباط الشرطة القضائية بأبحاث تمهيدية، بناء على تعليمات النيابة العامة أو تلقائيا…… ” جاءت المادتين 40 و 71 من نفس القانون لتسندان نفس الاختصاص إلى النيابة العامة. وهكذا جاءت المادة 40 في فقرتها الثانية متحدثة عن وكيل الملك :” يباشر بنفسه أو يأمر بمباشرة الإجراءات اللازمة للبحث عن مرتكبي المخالفات للقانون الجنائي ومتابعتهم ” وجاء في الثانية “

يستلزم حضور ممثل النيابة العامة في حال وقوع جناية أو جنحة تخلي ضابط الشرطة عن العملية. ويتولى القاضي المذكور كل أعمال الشرطة القضائية المنصوص عليها في هذا الباب “.

بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية نجد أنه يميز بين نوعين من البحث يختلفان في طبيعتهما ويخولان للقائم بهما حقوقا وسلطات مختلفة ويتعلق الأمر بالبحث التلبسي والبحث التمهيدي. نظمت الأولى في الفصول من 56 إلى 77 ونظمت الثاني في الفصول من 78 إلى 82  فأي عمل للنيابة العامة فيهما؟

أولا : عمل النيابة العامة في إطار البحث التلبسي

بمجرد ما يصل إلى علم النيابة العامة نبأ وقوع جريمة متلبس بها، تتصل بأحد ضباط الشرطة القضائية وتطلب منه التوجه إلى مكان وقوع الجريمة رفقة مجموعة من أعوان الشرطة القضائية ليقوموا بمهمة حفظ الأمن والمساعدة في القيام بمهام البحث مصحوبا بكافة الأدوات اللازمة لذلك، بعد أن يقوم بإخبار كافة المصالح المتدخلة في الموضوع إن اقتضى الأمر ذلك (إسعاف، وقاية مدنية…)

ثم ينتقل عضو النيابة العامة إلى عين المكان وبمجرد وصوله يمكنه منع كل شخص من مغادرة مسرح الجريمة إلى أن ينتهي من تحرياته التي يجب أن تشمل أولا تحديد الأمكنة عن طريق أخذ رسوم بيانية وصور توضح الزوايا المختلفة لحالة المكان، ومعاينتها معاينة وصفية دقيقة لينتقل بعد ذلك إلى معاينة جسم الجريمة معاينة متفحصة تحيط بجميع الأشياء المتصلة به ووضعه وذكر أوصافه بدقة…إلخ

ويعطي الاهتمام إلى تسجيل كل الأشياء الأجنبية عن مكان الجريمة التي قد تسقط من حوزة المتهم، والتي يجب وصفها وصفا دقيقا وحجزها قصد دراستها ومعرفة مصدرها بالإضافة إلى تسجيل مختلف الآثار التي تمت معاينتها، ثم بعد انتهائه من معاينة وتحديد مكان الجريمة وجسمها يمكن اللجوء إلى جميع الأشخاص المؤهلين قصد القيام بمشاهدات لا يمكن تأخيرها بعد أن يؤدي هؤلاء الأشخاص اليمين على إبداء رأيهم بما يمليه عليهم الشرف والضمير ( م 64 من قانون المسطرة الجنائية)

وإذا كانت المواد المتعلقة بالبحث التلبسي لم تحدد صيغة اليمين هاته فبإمكانه الاعتماد على الصيغة الواردة في المادة 345 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة باليمين التي يؤديها الخبراء أمام هيئات التحقيق أو الحكم.

وإذا ظهر لممثل النيابة العامة أن ضرورة البحث تقتضي حجز أوراق ومستندات وغيرها من الأشياء الموجودة في حوزة أشخاص تظن مشاركتهم في الجريمة أو تكون بيدهم مستندات أو أشياء تتعلق بالأفعال الإجرامية المرتكبة، جاز له أن ينتقل إلى مترل أولئك الأشخاص ليجري فيه تفتيشا رغم معارضة صاحبه المشبوه فيه أو المضنون أنه يمسك أوراق أو أشياء لها علاقة بالأفعال الإجرامية

وبعد أن ينتهي من عمله التقني هذا، وتتجمع لديه من المعلومات ما يمكنه أن يتخذها وسيلة لطرح أسئلة يكون في الإجابة عنها خدمة مسار البحث والوصول إلى حقيقة الأمر يبدأ عضو النيابة العامة في الاستماع إلى الأشخاص فيستمع أولا إلى أي شخص مفيد في التحريات وبكل حذر بعد أن يتأكد من كل الظروف المحيطة بتصريحاتهم.

وأبادر وأقول إن الاستماع إلى المصرحين في هذه المرحلة يتم دون أداء اليمين القانوني وأيا كانت علاقتهم بالأطراف، ومهما كانت سوابقهم القضائية لأن هذه المرحلة هي مرحلة جمع الأدلة فقط .

ولأجل ذلك يعرف “شهود المحضر” في الواقع العملي باصطلاح مصرحي المحضر أو مصرحي المسطرة، تمييزا لهم عن الشهود كمصطلح قانوني أفرد له المشرع تنظيما خاصا.

وينتقل للاستماع إلى الضحية التي تعتبر في هذه المرحلة مجرد شاهد (مصرح) يملك أكبر قدر من المعلومات بخصوص ظروف الجريمة والأشخاص الذين ارتكبوها، وباعتبار ذلك فينطبق عليه ما قيل بالنسبة لمصرحي المحضر .

وبعد ذلك يستمع إلى الظنين وهو الآخر يعتبر “شاهدا ” ثانيا في القضية بعد الضحية ولهذا فتصريحاته لها أهمية كبرى قد تكون في حالات كثيرة سند إدانته أو تبرئته

ثانيا : عمل النيابة العامة في إطار البحث التمهيدي العادي

لا يخرج عمل النيابة العامة في هذا الإطار عن سابقه إلا في ما يتعلق بالطابع القسري الذي يطبع البحث التلبسي بالإضافة إلى بعض الاختلافات كتلك المتعلقة بشكلية التفتيش التي تقتضي في هذه الحالة ضرورة الحصول على إذن صريح من الشخص الذي سيجري التفتيش في مترله ويكون رضاه مكتوبا بخط يده. ولا يعفى من ذلك إلا إن كان لا يحسن الكتابة إذ يتعين عليه في هذه الحالة أن يضمن ذلك في المحضر ويشار إلى موافقته. وكذا ما هو الأمر عليه بالنسبة لتسخير الخبراء إذ أن النص ساكت على هذا الأمر عند سلوك مسطرة البحث التمهيدي. رغم ما أفرزه الواقع العملي من سلوك النيابات العامة لهذا المسلك رغم انعدام النص لعدم وجود ما يمنع .

هذا وينبغي التأكيد أن دور النيابة العامة خلال البحث التمهيدي بمسطرتيه التلبسية والعادية تم دعمه بصلاحيات جديدة لفائدة العدالة الجنائية، بما ينسجم والإكراهات الجديدة التي فرضها تطور الجريمة، في إطار ما يمكن تسميته بالوسائل الحديثة للبحث، كالتقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، و سحب جواز السفر وإغلاق الحدود، والأمر الدولي بإلقاء القبض، وتدابير جديدة لمكافحة تمويل الإرهاب…

المراجع:

الأستاذ محمد بنعليلو : واقع عمل النيابة العامة في المغرب بين الممارسة القضائية وضمان الحقوق والحريات

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:







1 Comment

Leave a Comment

error: Content is protected !!