علم البيولوجيا الجنائي

علم البيولوجيا الجنائي

علم البيولوجيا الجنائي

علم البيولوجيا الجنائي يهتم ببحث ودراسة العوامل البيولوجية للجريمة الناشئة عن بعض الاختلالات في التكوين العضوي للإنسان ووظائفه الحيوية

إن الجريمة في بعديها القانوني والاجتماعي هي أفعال ضارة خارجة عن التعاقد الاجتماعي ومعاقب عليها تصدر عن أفراد من المجتمع، وهي بذلك نتيجة لأسباب فردية واجتماعية.

فالمجرم ينازعه خليط من تكوين بيولوجي وآخر نفسي الذي يمتزج بالعوامل الاجتماعية مما ينتج مزيجا بين هذه العوامل مجتمعة تساهم في ارتكاب الجريمة.

فالسلوك الإجرامي هو حصيلة تفاعل هذه العوامل الفردية الكامنة في ذاتية الفرد – العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية – التي قد تجتمع وتتباعد وتتصل وتنفصل بمقادير وكيفيات متباينة وفي أوقات مختلفة، مما يتطلب دراسة كل عامل على حدة واستخلاص نتائجه، أو مقارنة بعضها البعض بهدف الوصول إلى النتيجة الإجرامية

لذلك، أنبرت مجموعة من الاتجاهات حاولت الإحاطة بالظاهرة الإجرامية ومن خلالها أبعاد علم الإجرام واختلفت تصوراتها حيال ذلك اتبعا لمنهج البحث العلمي الذي اعتمدته.

علم البيولوجيا الجنائي

علم البيولوجيا الجنائي يهتم ببحث ودراسة العوامل البيولوجية للجريمة الناشئة عن بعض الاختلالات في التكوين العضوي للإنسان ووظائفه الحيوية

وقد عرف علم البيولوجيا الجنائي انتشارا وديوعا على أيدي مجموعة من العلماء وضعوا أطروحاتهم التي ضمنوها آرائهم بناءا على أبحاث علمية في سبيل تفسيرهم للظاهرة الإجرامية

ويعتبر ” لو مبروز lombroso” هو رائد المذهب البيولوجي ومؤسس المدرسة الوضعية، تلاه مجموعة من العلماء بصموا التوجه البيولوجي في تفسير الظاهرة الإجرامية بطابع خاص.

الفقرة الأولى : نظرية تشيزارية لومبروزو :

 تأثر “لومبروزو” في وضع نظريته في علم البيولوجيا الجنائي في تفسير السلوك الإجرامي بالنظريات والأفكار التي ربطت سلوك الإنسان بتكوينه ووضع نظريته حول المجرم بالولادة التي تتأسس على الفرضيات التالية :

– المجرمون بالولادة نمط متميز؛

– النمط الإجرامي يتميز بالشذوذ والتشويه، عدم تناسق الجمجمة و عرض الفك الأسفل والأنف المسطح والذقن الضيق ونتوء عظام الخدين كتافة شعر الرأس والجسم، يمثل المجرم الشخص الذي تتوفر فيه أكثر من هذه الخصائص، ويمثله في قلة من تتوفر فيه ثلاث إلى خمس منها ولا يمكن تبين هذا النمط باقل من ثلاث خصائص. أما الصفات النفسية للمجرم بالولادة، فتبدوا في ضعف الوازع الأخلاقي والاندفاعية والقسوة والمزاج الحاد وضعف الإحساس بالألم وانعدام الشفقة “

– ان الشذوذ الطبيعي لا يسبب بذاته الجريمة، لكنه يمهد ويهيء لارتكاب السلوك الإجرامي، إلا إذا توفرت شروط وظروف حياة مناسبة بشكل غير مألوف وإلا ثم إنتاج شخصية مجرمة هذه الشخصية قد تكون ارتدادا إلى مرحلة الإنسان المتوحش، وقد تكون تدهورا قريبا من الصرع “EPILEPSY”، وقد ذهب لومبروزو في بداية عرض نظريته أن المجرمين بالولادة يشكلون نسبة %100، تقريبا من جميع المجرمين، وتراجع فيما بعد وخفضها إلى 40% تقريبا .

واعتبر المجرم بالولادة صنفا من بين خمسة أصناف من المجرمين والأصناف الأخرى كما سماها هي: المجرم المجنون المصاب بمرض عقلي، والمجرم بالعادة المعتاد على ارتكاب الجرائم بسبب ظروفه الاجتماعية السيئة، والمجرم بالصدفة الذي يرتكب الجريمة لسرعة تأتره بالمؤثرات الخارجية وضعف مناعته النفسية على الضبط وانعدام تبصره بعواقب الأمور، والمجرم بالعاطفة المعروف بحساسيته الشديدة وانفعالاته العاطفية المشحونة بالحب أو الكراهية أو الغيرة

وقد تعرضت نظرية “لومبروزو” السيل من الانتقادات بعد أن أثبت علماء آخرون أن المجرمين لا يتميزون عن غيرهم من الناحية التشريعية والسمات الجسمانية التي أخذ بها “لومبروزو” في تفسيره البيولوجي للمجرم بالولادة، فذهب الطبيب الانجليزي “جارلس كورينك” “harles Goring” أن المجرمين غير متميزين على الأسوياء على نحو ما ذهبت إليه نظرية” لومبروز”، وقد توصل “كورنيك” إلى هذه النتيجة بعد أن أجري فحوصا لعدد من المجرمين وعدد آخر من غير المجرمين

كما أن ارتداد شخصية المجرم إلى مرحلة الإنسان البدائي المتوحش ليس أساسا علميا في نظر بعض العلماء، حيث ذهب انيكولا بندا “Nichola Penda” أن الإنسان البدائي كان يتمتع بصفات نفسية راقية متميزة عن الحيوان وإن لم تصل إلى مرتبة رقي نفسية الانسان الحديث، لعدم مساعدة الظروف البيئية في ذلك الوقت على صقل هذه الصفات بما فيه الكفاية 

الفقرة الثانية: نظرية “شارل جورنج”

أجرى الجورنج” دراسة إحصائية تناولت 3000 من المجرمين و عددا كبيرا من المرضى نزلاء المستشفيات والطلبة و غيرهم من ضباط الجيش البريطاني، وقام بفحص أعضاء هؤلاء وقياسها بين مختلف المجرمين من أجل الوقوف على خصائصهم البدنية في علم البيولوجيا الجنائي، ومقارنتها مع غيرهم من غير المجرمين للوقوف عند الاختلافات التي تميزها.

وقد توصل إلى نتائج تهم صفات المجرمين تتمثل في نقص الوزن و الطول عن غيرهم، وأعزى هذا النقص إلى انحطاط عام موروث في طبيعة المجرم، يظهر في قياس مستواه العقلي وغير ذلك من العوامل التي يكون للوراثة دور فيها، وفي هذا الانحطاط يكمن الميل إلى الجريمة، حيث قام بمقارنات بين الآباء والأبناء وتبين إلى أن نسبة انتقال السلوك الإجرامي تصل إلى 60% وهي تقريبا نسبة انتقال الخصائص العضوية

إن الأخذ بعامل الإراثة في انتقال السلوك الإجرامي، بدأ الاهتمام به في النصف الثاني من القرن 19 بفضل علماء النبات والبيولوجيا مثل “مانديل” الذي قال بعامل الوراثة وأثبته علميا، كما أخذ علماء الإجرام مثل “لومبروزو” حيث يعتبر أول من قال بوجود المجرم بالفطرة أو الميلاد وهو الذي توجد فيه ثلاث خصائص على الأقل من الخصائص التي توصل إليها.

الفقرة الثالثة : نظرية دي توليو

 وضع “دي توليو” نظريته في تفسير علم البيولوجيا الجنائي و الظاهرة الإجرامية وضمنها في كتاب أصدره سنة 1945 بعنوان “نظرية الاستعداد السابق للإجرام”.

وتتلخص نظريته في أن الجريمة نتاج تفاعل بين العوامل البيولوجية كعوامل داخلية كامنة في شخص المجرم و بين العوامل الإجتماعية كعوامل خارجية محيطة به.

ويرى “دي توليو” في التدليل على نظريته حول الاستعداد السابق للإجرام أن المجرم يتسم بتكوين فردي خاص وغالبا ما يتسم بصفات عضوية ونفسية قد تكون وراثية أو مكتسبة تميز صاحبها عن الأشخاص العاديين وتدفع به إلى تغييب الأنا على اللاأنا فتتيح الفرصة بأن تسيطر الذات الغريزية الطبيعية على موانع التحكم الإرادي في متطلبات الذات فيصبح الشخص أكثر استعدادا لارتكاب الجرائم متى توفرت مؤثراتها الخارجية ولو كانت بسيطة

فحسب هذا الطرح تحتل المؤثرات الخارجية رتبة ثانية مقارنة مع العوامل الداخلية لأنها تنزع فقط وشاح الإجرام وتكشف عن الحقيقة الإجرامية للشخص لأن نفس المؤثرات لا يمكن أن تؤثر على شخص آخر عادي وتثير فيه نزعة الإجرام.

فالمجرم عند “دي توليو” لا يقترف جريمته إلا إذا كان لديه استعدادا مسبقا للإجرام، هذا الاستعداد الذي قد يكون فطريا وقد يكون عرضيا أي استعدادا مكتسبا مؤقتا يفقد المجرم توازنه بین قوة منع الجريمة وقوة الاندفاع إليها وهو الاستعداد المتوفر لدى المجرمين بالصدفة أو بالعاطفة

نستنتج أن الاستعداد الإجرامي عند دي توليو هو محدد أساسي في ارتكاب الجرائم، هذا الاستعداد الذي يتأثر بسرعة بمؤثرات خارجية بسيطة الإجرام. تدفع صاحبها إلى اقتراف الجريمة، ولا تنتج أثرها في دفع الرجل العادي للإجرام.

والاستعداد الإجرامي عند “دي توليو” ينقسم إلى قسمين:

– استعداد أصيل كامن في ذات المجرم يترتب عن عوامل ترجع إلى طبيعة تكوينه النفسي والعضوي والعصبي يولد لدى صاحبه میلا فطريا للإجرام؛

– استعداد عرضي ينتج عن عوامل بيولوجية داخلية وأخرى بيئية خارجية تهيئ لقوى الدفع “للأنا”

سيطرة عرضية مؤقتة على قوى المنع “اللا أنا” على نحو يجعل لصاحبه میلا أو استعدادا عرضيا للإجرام

بناءا على ذلك يرى” دي توليو” أن المجرم بالتكوین مصاب بعيوب لا يخلو منها الشخص العادي، غير أنها تتواجد لدى المجرم بحدة أكثر، ونسبة انتشارها بين المجرمين أكثر من غير المجرمين.

كما لاحظ على المجرمين ذوي الاستعداد السبقي للإجرام أنهم عيشون حالة نفسية مختلة في الجانب العاطفي وإلى ضعف في التشبع الأخلاق العليا وقلة المناعة أو المقاومة النفسية للمؤثرات الخارجية التي يستجيب إليها بسرعة خلاف الشخص العادي الذي يمكنه السيطرة عليها.

وانتهى “دي توليو” إلى تقسيم المجرمين ذوي الاستعداد السابق للإجرام إلى أربعة أصناف وهي:

– المجرم الناقص في نموه العقلي ؛ – المجرم ذو الاتجاه العصبي السيكوباتي ؟ – المجرم ذو الاتجاه السيكوباتية – المجرم ذو الاتجاه المختلط الذي يجمع الصفات السابقة.

أما المجرمون ذوي الاستعداد العرضي فقد قسمهم إلى ثلاث فئات وهي:

– فئة المجرم العرضي المحضر ؟ – فئة المجرم العرضي العاطفي – فئة المجرم العرضي الشائع.

وقد سبق “للومبروزو” رائد المدرسة الأنتروبولوجية التي اعتمدت التفسير البيولوجي أن صنف المجرمين إلى الفئات التالية:

– المجرم المجنون وهو من يرتكب الجريمة تحت تأثير المرض العقلي وأدخل في هذه الفئة المجرم المصاب بالهستيريا ومدمن الخمر؛

– المجرم الصرعي هو من يرتكب الجريمة تحت تأثير الصر ينتقل إليه بطريق الوراثة ؛

– المجرم السيكوباتي هو الذي يرتكب الجريمة تحت تأثير شخصين السيكوباتية ؛

– المجرم بالصدفة هو من يرتكب الجريمة تحت تأثیر عوامل عرضية تتصل ببيئته ؛

– المجرم بالعاطفة هو من يرتكب جريمته تحت تأثير أسباب عاطفية کالاندفاع والحماسة والغيرة؛

– المجرم معتاد الإجرام أو المحترف.

عموما ذهب الاتجاه البيولوجي في تفسير الظاهرة الإجرامية إلى تحديد العوامل التي تقف وراء الجريمة الكامنة في التكوين العضوي للإنسان، وقام رواد هذا الاتجاه بإخضاع مجموعة من الحالات للبحث أو الفحص الطبي بهدف الوصول إلى طبيعة الخلل العضوي الذي يمكنه أن يفسر السلوك الإجرامي، وقد بنوا نظرياتهم على هذا الأساس كما رأينا مع “لومبروزو” و”جورنج دي توليو” وآخرون من قبيل “ويليام شيلدون” الذي قام بدوره بدراسة شملت أربعة آلاف صورة فوتوغرافية للطلبة وخلص أن السلوك الإنساني تتحدد وظائفه بحسب طبيعة البناء الجسمي لصاحبه

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!