علاقة النيابة العامة بالسلطة التشريعية و القضائية

علاقة النيابة العامة بالسلطة التشريعية و القضائية

المبحث الأول: استقلال النيابة العامة عن السلطة التشريعية

بناء على ما أقامه “مونتيسكيو” من تقسيم لوظائف الدولة، قام التقسيم الثلاثي الذي يجعل بجانب السلطة التشريعية، سلطة تنفيذية، وأخرى قضائية، تزعمه الفقه التقليدي. ولا أود في هذا المقام الدخول في أبحاث دستورية. ولكن حسبي الاقتصار على ما قد يخدم هذا المبحث الذي فضلت الإشارة إليه رغم أن مسألة البحث حول علاقة النيابة العامة بالسلطة التشريعية هي مسألة لم يثر الأمر بشأنها إلا في قوانين الدول ذات التوجه الماركسي، أو ذات الدساتير الآخذة بمبدأ “وحدة السلطة” والتي تجعل أجهزة الدولة القضائية والتنفيذية خاضعة للأجهزة التشريعية. كما الأمر في التنظيم السوفيتي، الذي كان يسيطر فيه السوفييت الأعلى البرلمان على كل من الهيئة التنفيذية والهيئة القضائية

أما بالنسبة للدول التي أخذت دساتيرها بمبدأ الفصل بين السلط ومن بينها المغرب ، فإن الأمر بخلاف ذلك، لا يطرح أي إشكال. فعضو النيابة العامة هو رجل قضاء أولا وأخيرا، وليس عضو حكومة كما آثر البعض اعتباره، وتفريعا على مبدأ استقلال القضاء عن السلطة التشريعية وحياده الذي يقتضي ألا يخضع القاضي لغير القانون الذي يحدد اختصاصاته وولايته على الدعوى قبل وقوع الجريمة؛ فإن كل تدخل في اختصاصه بمناسبة دعوى معينة يعتبر اعتداء على استقلاله وحياده، فلا يجوز للسلطة التشريعية أن تتدخل في وظيفة النيابة العامة أو تنظيمها.

ولا تملك السلطة التشريعية حق مباشرة وظيفة النيابة العامة أو التدخل في أعمالها بل لا تملك حتى حق التدخل بما هو أقل من ذلك أهمية كنقد أعمالها، أو التعرض لقضية معروضة على النيابة العامة، شأن أعضاء النيابة العامة في ذلك شأن قضاة الحكم.

غير أن عدم التدخل هذا، لا يحول بين السلطة التشريعية وبين ممارسة حق الإشراف على شؤون النيابة العامة بطريقة غير مباشرة بواسطة سن قوانين تحدد اختصاصاتها، وتنظم طريقة تشكيلها، وشروط وإجراءات تعين أعضائها ونقلهم … إلخ .

ومجمل القول وغايته، إن النيابة العامة جهاز مستقل تمام الاستقلال عن السلطة التشريعية وعن الأجهزة التابعة لها، لاختلاف هذه الأجهزة عن النيابة العامة، سواء في وضعها أو سلطاتها القانونيين.

المبحث الثاني: علاقة النيابة العامة بالسلطة القضائية

مهما كانت الآراء التي قالت بأصل النيابة العامة من كونها ذات أصل قضائي أو حكومي / إداري.

فإن واقع الأمر الآن شاهد على أنها مؤسسة تضطلع بتفسير القانون، وهو أمر تختص به السلطة القضائية، فضلا عن اعتبارها أداة لحماية القانون والشرعية والسهر على تحقيق مصلحة المجتمع وحسن سير العدالة.

لتشكل بذلك جزء من السلطة القضائية تتمتع باستقلال عن السلطة التشريعية كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وعن السلطة التنفيذية كما سيأتي بيان ذلك، لأعضائها ما للقضاة من حصانات وضمانات .

وهذا القول لا ينبغي أن يحمل على أن النيابة العامة خاضعة لقضاء الحكم، بل لها استقلاليتها في مواجهته، كما حاولت إيضاح ذلك عند الحديث عن خصائص النيابة العامة.

ولئن خلص الفقه إلى أن الطبيعة القضائية للنيابة العامة هي ذات قيمة تشريعية بحتة ، فإن الدستور المغربي لسنة 1996 ، وإن لم يتكلم عن النيابة العامة باعتبارها إحدى الهيئات القضائية كما فعل الدستور المصري لسنة 1956 و 1974 ، فقد اكتفى بالنص العام الوارد في الفصل 84 منه في شأن تعيين القضاة، والفصل 87 في شأن الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم. هذا العموم يفسره النظام الأساسي لرجال القضاء الذي يجعل النيابة العامة بصريح النص جزء من السلك القضائي

لكن قبل ذلك ما المقصود بالهيئة القضائية حتى يمكن أن نتحدث عن انتماء النيابة العامة إليها أو عدمه؟ سؤال يمكن أن يوجد له جوابان، يحمل كل منهما معنا خاصا:

فالأول محمول على المعنى الضيق، ويميل إلى المعيار الشخصي فيجعل الهيئة القضائية قاصرة على “القضاة” أي الجهة التي تختص أساسا بتولي السلطة القضائية بنص الدستور ، أما الثاني فهو الأوسع، ويتماشى مع طبيعة الأعمال التي تقوم عليها تلك الهيئات، أي يعتمد المعيار الوظيفي، فتدخل فيه بالتالي جميع الهيئات التي تساهم في الإجراءات القضائية. لتكون بذلك النيابة العامة بما تقوم به من أعمال قضائية بالمعنى العام من تحريك الدعوى العمومية ومباشرتها وما تتمتع به من سلطة تقديرية، وبالمعنى الدقيق بما تصدره من أوامر جنائية في بعض الجرائم جهازا قضائيا.

هذا من الناحية الفقهية أما على مستوى الوضع في المغرب فإن الأمر محسوم تشريعيا من خلال ما نص عليه الظهير الشريف بمثابة قانون المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء المؤرخ في 11 نونبر 1974

في فصله الأول حينما أوضح أنه “يؤلف السلك القضائي بالمملكة هيئة واحدة تشمل قضاة الأحكام و النيابة العامة بالمجلس الأعلى ومحاكم الاستئناف والمحاكم … “. ولعل تشبث المشرع المغربي باعتبار النيابة العامة

جزء من الهيئة القضائية، هو موقف منسجم مع ما هو متبع في كثير من التشريعات العربية والأوربية  بالرغم من ذلك فإن الاختلاف الفقهي ظل مسيطرا بخصوص ما إذا كانت النيابة العامة هيئة قضائية أو إدارية، فبالموازاة مع الرأي السائد، الذي يقول بكونها شعبة من شعب السلطة القضائية، اعتبرها البعض

مدعوما بتوجهات تشريعية- جزء من السلطة التنفيذية، وذهب آخرون إلى اعتبارها جزء من السلطتين التنفيذية والقضائية معا، أوهي هيئة مزدوجة قضائية / إدارية مستندين إلى ازدواجية وظيفتها.

وذهب رأي إلى أن النيابة العامة هيئة من نوع خاص، وسط بين السلطتين التنفيذية والقضائية

وواقع الأمر أن القول بأن النيابة العامة جزء من السلطة التنفيذية بناء على أن عملها يتضمن جانبا إداريا غير متيسر لما تتسم به من استقلال مطلق في اتخاذ القرار، الذي يعد سمة وضمانة للقاضي في مهمته الخاصة في قول كلمة القانون .

يتضح مما مر معنا أن النيابة العامة في المغرب جزء من السلطة القضائية ولا ينكر أحد أن أعضاءها هم بالتالي رجال قضاء وأن إعدادهم وتكوينهم هو ذاته إعداد القضاة وتكوينهم، ينتقون بنفس الطريقة التي ينتقي

بها قضاة الحكم، ويخضعون لنفس التدريب ونفس المدة…إلخ. بل إن أغلب القضاة يتنقلون في حياتهم المهنية بين قضاء الحكم وقضاء النيابة العامة، ولذلك فإن وظيفة القضاء أسندت لقضاة الأحكام ولأعضاء النيابة العامة في إطار جهاز واحد يعرف بالسلك القضائي.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 

المراجع

الشرقاوي الغزواني نور الدین : تدخل النیابة العامة في الدعاوي المدنیة ، أطروحة لنیل دبلوم الدراسات العلیا بجامعة محمد الخامس

محمد عید الغریب : المركز القانوني للنیابة العامة، دراسة مقارنة


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!