علاقة النيابة العامة بالسلطة التنفيذية

علاقة النيابة العامة بالسلطة التنفيذية

علاقة النيابة العامة بالسلطة التنفيذية

في علاقة النيابة العامة بالسلطة التنفيذية ذهب جانب كبير من الفقه الفرنسي القديم إلى أن النيابة العامة جزء من السلطة التنفيذية، وأن أعضاءها هم رجال سلطة تنفيذية لدى المحاكم، وذهب آخرون إلى القول بأن مهمة تنفيذ القانون هي من وظائف السلطة التنفيذية، واضطلاع أعضاء النيابة العامة هذه الوظيفة يجعلهم جزءا من هذه السلطة، وأنكر البعض على أعضاء النيابة العامة وصف القضاة ووصفهم برجال السلطة التنفيذية، حاول البعض أن يجعلهم “قضاة” لكن بشكل احتياطي في مقابل كونهم “موظفون” أساسا

 فهم حسب هذا الرأي الأخير موظفون إداريون في مجموع اختصاصاهم و موظفون قضائيون أمام المحاكم في الحدود التي يحتفظون فيها بالحق في المرافعة أمامها. وترتيبا على هذه المواقف، فإن السلطة التنفيذية هي التي تقوم بتعيين أعضاء النيابة العامة ولا يتبعون غيرها، ويتدرج ضمن سلطاتهما توجيه الأوامر إليهم لتنفيذها، ومن المنطق حسب هذا الرأي أن يكون لهذه السلطة من الوسائل الفعالة ما يخولها استبعاد عضو النيابة العامة واستبداله بغيرها رد مخالفته لإرادتها

 بل ذهب هذا الرأي أكثر من ذلك حينما أقر مسؤولية المحكمة عن تصرفات النيابة العامة مسؤولية تختلط بمسؤولية الوزارة أمام البرلمان، فأعضاء النيابة العامة يمثلون الدولة

وفي مقابل ذلك ذهب من ينكر على النيابة العامة تبعيتها للسلطة التنفيذية إلى أنه من غير المنطق أن يقال إن النيابة العامة تمارس وظيفة السلطة التنفيذية وإلا كان لهذه الأخيرة سلطة اتخاذ القرار بدلا عنها، وهو ما يعني حتما عدم استقلال النيابة العامة في مرافعاتها أمام المحاكم، كما أن القول بانتماء النيابة العامة إلى السلطة التنفيذية لا يستقيم أساسا لتبرير الاختصاصات المسندة إليها في المواد المدنية، وإن سلمنا بأنه يصلح أساسا لتبرير اختصاصاتها في المواد الزجرية،

يضاف إلى ذلك أن هذا الرأي لا يصلح لتبرير تعيين أعضاء النيابة العامة من بين القضاة.

وسيرا مع هذا الاتجاه ذهب البعض إلى أن طبيعة الأمور وضرورات التقسيم العادل والمتوازن للسلط واختصاصاتها تدين القول الذي ذهب إلى أن إقامة الدعوى العمومية هو من الأعمال المتعلقة بالسلطة التنفيذية. فهذه السلطة تختص بتنفيذ القوانين والسهر على أمن المواطنين ومصالحهم، ولن يتيسر ذلك إلا بإيجاد هيئة مستقلة تراقب حسن هذا التنفيذ ومدى مطابقته للقانون وهي النيابة العامة.

وفضلا عن ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار فكرة الشرعية الإجرائية، قلنا بإلزامية دور النيابة العامة في تفسير القانون حتى يتسنى لها ممارسة وظائفها، وتفسير القانون بحسب ما استقر عليه الفقه، يعتبر من اختصاص السلطة القضائية وحدها

يتضح من كل ما سبق أن أعضاء النيابة العامة في المغرب جزء من السلطة القضائية، فهم مستقلون عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، غير أنه يجوز لهذه الأخيرة -عبر وزير العدل- أن تأمرهم بالتصرف طبقا لما تقتضيه فكرة الإشراف على السياسة الجنائية الأمر الذي يتضمن نوعا من التبعية للحكومة.

وهو ما دفعني إلى ضرورة الوقوف في إطار هذا المبحث على علاقة النيابة العامة بوزير العدل، وهل له رئاسة فنية أو قضائية على أعضائها ؟ وهل يملك وزير العدل سلطة الرقابة على مزاولة النيابة العامة لاختصاصاتها القضائية أم هي سلطة إدارية بحتة تتعلق بسير العمل الإداري؟

الفرع الأول: علاقة النيابة العامة بالسلطة التنفيذية من خلال الإشراف الإداري لوزير العدل على أعضاء لنيابة العامة

من المسلم به أن لوزير العدل “سلطة” على أعضاء النيابة العامة، وله بموجب هذه السلطة حق الإشراف على سير عملها ومراقبته، فقد نص الفصل 56 من ظهير  11/11/1974 المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء على وضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل ومراقبة وتسيير رؤسائهم الأعليين، وهو نفس ما نصت عليه المادة 5 من مرسوم 1958 المتعلق بالنظام القضائي الفرنسي، والفصل 135 من قانون السلطة القضائية لسنة 1972 ومن المعلوم أن الخضوع إلى سلطة وزير العدل والعمل بقاعدة احترام التسلسل الإداري بما يعنيه من تراتبية يكونان القاعدتين التقليديتين في نظام الإدارة العمومية. ويعني سرياما

على أعضاء النيابة العامة أنها تندرج في نفس النظام، بحيث يضفي على النيابة العامة صفة لا تنسجم مع مبدأ الاستقلال الذي يعني بالضرورة إخراجها من ميدان الإدارة بصفتها أداة السلطة التنفيذية

ومنها يتضح أن نطاق سلطة وزير العدل على النيابة العامة يتحدد على ضوء اختصاصه الرئاسي على الأعمال التي تقوم  بها النيابة العامة. ولعل الهدف من هذه السلطة هو ضمان قيام النيابة العامة بدورها القانوني والتنسيق بينها وبين غيرها من السلطات المتصلة  بها في عملها ذاك. غير أن هذه السلطة يتعين ألا تسلب النيابة العامة استقلالها ولا تنحرف  بها عن واجبها في كفالة التطبيق السليم للقانون

كما لا يجب أن تكون مبررا لمراعاة اعتبارات غير قانونية في عمل النيابة العامة فالمادة 38 من قانون المسطرة الجنائية في فقرتها الثانية تسمح لعضو النيابة العامة أن يبسط بكل حرية جميع الملاحظات التي يراها لازمة لفائدة العدالة رغم التعليمات التي يتلقاها وينفذها في التماساته الكتابية، إلا أن حريته هاته تقتضي الشفاهية حتى تبقى المواقف المكتوبة خالية من أي تناقض.

ولتأكيد سلطة وزير العدل على أعضاء النيابة العامة خوله المشرع سلطة اقتراح نقلهم بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء كسلطة تأديبية مبرقعة، فإذا كان قضاة الحكم محصنين حيال العزل والنقل بمقتضى الفصل 85 من الدستور، فإن قضاة النيابة العامة لا يتمتعون  بهذه الحصانة إلا فيما يخص العزل دون النقل، وهو ما يدعو إلى فتح باب النقاش واسعا حول هذا الأمر، ليس بالضرورة في اتجاه إلغاء سلطة النقل باعتبارها استثناء دستوريا ولكن على الأقل في اتجاه إقرار ضوابط موضوعية لهذا النقل

الفرع الثاني: الإشراف القضائي لوزير العدل على النيابة العامة

يملك وزير العدل وفقا للقانون المغربي اختصاصا شبه “قضائي” بمقتضاه يجوز له أن يبلغ إلى الوكيل العام للملك ما يصل إلى علمه من مخالفات للقانون الجنائي ويأمره كتابة بأن يتابع أو يكلف من يتابع مرتكبيها، أو يأمره بأن يرفع إلى المحكمة المختصة ما يراه الوزير ملائما من ملتمسات ،

و يجب أن تكون التماسات النيابة العامة مكتوبة ومطابقة لهذه التعليمات، كما أن لوزير العدل أن يأمر بمباشرة طلبات النقض لفائدة القانون وله أيضا أن يسلك مسطرة المراجعة في الحالات الثلاث الأولى المحدد في المادة 567 من قانون المسطرة الجنائية وهي كلها أعمال تلامس الوظيفة القضائية.

وهذه السلطة التي لوزير العدل وإن كانت تجيز له أن يتدخل لحمل النيابة العامة على رفع الدعوى العمومية، أو ممارسة طعن، فلا تجيز القول بالرغم من ذلك أن وزير العدل له حق الرقابة على أعضاء النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية أو ممارسة الطعن.

لأن مثل هاته الرقابة تفترض نظريا أن يكون لوزير العدل ليس فقط صلاحية الأمر بإقامة الدعوى العمومية، لكن أيضا صلاحية التدخل لمنع إقامتها، وهو ما لم أجد له في قانون المسطرة الجنائية المغربي، ولا في النظام الأساسي لرجال القضاء سندا، من خلال نص يضمن حق وزير العدل في حظر إقامة الدعوى الجنائية مما يبقى معه وتماشيا مع ما سار عليه الفقه الفرنسي أن القانون خول وزير العدل حق توجيه الأمر إلى أعضاء النيابة العامة لإقامة الدعوى العمومية في الوقائع التي يبدو له أنها تكون جرائم في القانون الجنائي، دون أن يخوله حق منع مباشرة الدعوى العمومية

وقد ذهب البعض في تفسير هذا الموقف استنادا إلى أن من واجبات النيابة العامة تنفيذ القانون، ومن واجب وزير العدل السهر على تنفيذ القانون، فله أن يأمر النيابة العامة برفع الدعوى العمومية ولا يجوز له أن يمنعها من أداء هذا الواجب، وإلا ترتب على ذلك أن يفلت الجاني من العقاب، في حين أنه إن رفعت الدعوى خطأ على بريء فإنه يجد أمامه القضاء لإنصافه، فكان هناك محل لمراقبتها في الحالة الأولى دون الثانية

ومن جهة أخرى، وإن كان النص لا يلزم أعضاء النيابة العامة بإبلاغ ما يصل إلى علمهم من شكايات ووشايات إلى وزير العدل، فإن دقة وخصوصية بعض القضايا تدفعهم عمليا إلى رفعها إلى رؤسائهم الذين يتولون إيصالها عند الاقتضاء إلى وزير العدل، ويطلبون في نفس الوقت ما يحتاجون إليه من تعليمات. بحيث يمكن أن تأتي في شكل أمر بعدم المتابعة ، ولا أرى لذلك مبررا إلا من خلال دعوة النيابة العامة إلى إعمال سلطة الملاءمة التي خولها إياها القانون.

غير أنه وإن كان لوزير العدل أن يفرض على النيابة العامة أعمالا، فلا يجوز له أن يفرض عليها رأيا، فيجوز له أن يأمر بإقامة الدعوى العمومية أو يأمر برفع طعن لفائدة القانون…إلخ، لكن لا يجوز له أن يقيد النيابة العامة برأي في المرافعة أو يكرهها على طلب عقوبة تجدها غير عادلة أو براءة ترى أنها غير مبررة.

فحرية الاعتقاد لدى النيابة العامة أمر ضروري تتلاقى فيه مع الاعتقاد الصميم الداخل في إصدار الأحكام لدى قضاة الحكم، وهو ما تقره المادة 38 من قانون المسطرة الجنائية حيث تنص على أن :” … وهي حرة في تقديم الملاحظات الشفهية التي ترى أنها ضرورية لفائدة العدالة. “.

وفي واقع الأمر، إن الرأي المعبر عنه شفاهة بواسطة النيابة العامة قد يكون له لدى القضاة ثقل عظيم،

بل يمكن القول إن حرية المرافعة إذا ما استعملت بجرأة وبطريقة ملائمة قد تكون أكثر فعالية من سلطة وزير العدل في ممارسة الدعوى العمومية بواسطة النيابة العامة، وإن كانت لا تستعمل في التطبيق العملي الذي يتخذ غالبا شكل دفاع عن الملتمسات الكتابية كما هي، مسايرا في ذلك – ربما – الرأي القائل بأن مخالفة أوامر الرئيس في الملتمسات الشفوية من شأنه أن ينفي عن الرئاسة التدرجية حتى مجرد توجيه دعوى إلى أعضاء النيابة العامة لاتخاذ مسلك معين في الجلسة أو تأمرهم بطلب معين في بعض القضايا .

وقبل أن أفرغ من بيان علاقة النيابة العامة بالسلطة التنفيذية أشير مؤكدا أن الأمر كان يقتضي مني أن أحاول الوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط هذه المؤسسة بالضابطة القضائية – وسيلة السلطة التنفيذية –

غير أن المنهجية التي اتبعتها في هذه الدراسة، دفعتني إلى أن أخصص لها مبحثين مستقلين أحدهما في باب العمل القضائي للنيابة العامة وثانيهما في باب العمل الإداري لها

والآن وقد انتهيت من بيان المركز القانوني للنيابة العامة بين مختلف سلطات الدولة ولو باقتضاب شديد وخلصت إلى أن النيابة العامة _ رغم كل ما قاله الفقه في شأنها _ ليست إلا جزءا من القضاء، ذو علاقة بالسلطة التنفيذية، لا يمكن أن تفهم إلا من خلال تحديد الاختصاصات الحقيقية للنيابة العامة والوصف القانوني لهذه الاختصاصات، وهو ما جعلته لبنة تبنى عليها مضامين البابين الثاني والثالث بعده

فإذا كانت هذه هي النيابة العامة بتعريفها، وتطورها، وخصائصها، ومركزها القانوني، فإن الوقوف على تنظيماتها المختلفة، وتنظيم المصالح الإدارية التابعة لها رأيت فيه خير مخرج لباب عنونته بالنيابة العامة كمؤسسة قانونية.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 

المراجع

الشرقاوي الغزواني نور الدین : تدخل النیابة العامة في الدعاوي المدنیة ، أطروحة لنیل دبلوم الدراسات العلیا بجامعة محمد الخامس

محمد عید الغریب : المركز القانوني للنیابة العامة، دراسة مقارنة


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!