مقالات

عقد الصدقة و خصائصها

الفرع الأول: تعريف عقد الصدقة وتمييزه عن عقد الهبة

الهبة تشمل الهدية والصدقة لأن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، فإن قصد منها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاج، فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المهدى إليه إعظاما له وتوددا فهي هدية، وإلا فهي هبة.

والهبة لغة: مصدر وهب له الشيء يهبه وهبا ووهبا، وهبة: أعطاه إياه بلاعوض.

وشرعا: عرفها الإمام بن عرفة بقوله: “الهبة لا لثواب تمليك ذي منفعة لوجه المعطى بغير عوض” قال الرصاع رحمه الله مبينا محترزات هذا التعريف: قوله “ذي منفعة” أخرج به العارية وما شابهها، قوله “لوجه المعطي” أخرج به الصدقة. وقوله: “بغير عوض” أخرج به هبة الثواب.

ومنه فإن الهبة تمليك ذي منفعة لوجه المعطى بغير عوض، والصدقة تمليك ذي منفعة لوجه الله بدلا لوجه المعطى.

وقد عرف المشرع المغربي في م.ح.ع. الصدقة في المادة 290 بقوله: “الصدقة تمليك بغير عوض لملك، ويقصد بها وجه الله تعالى”.

تسري أحكام الهبة على الصدقة وهو ما نصت عليه م.ح.ع. في المادة 291 حيث جاء فيها: “تسري على الصدقة أحكام الهبة مع مراعاة ما يلي:

– لا يجوز الاعتصار في الصدقة.

– لا يجوز ارتجاع الملك المتصدق به إلا بالإرث”.

وتختلف الصدقة عن الهبة في أمور أربعة هي:

– أن الهبة تعتصر، أي يجوز للأب والأم اعتصارها والرجوع فيها، وانتزاعها من يد الولد الموهوب له، بخلاف الصدقة لا يجوز اعتصارها.

– أن الصدقة لا يجوز للمتصدق تملكها مرة ثانية بأي وجه من وجوه التملك إلا بالإرث. بخلاف الهبة فيجوز للواهب أن يشتري ما وهبه ولا يجوز أن يشتري ما تصدق به.

– والواهب يصدق في قصده الثواب أي العوض وغن لم يشترطه بخلاف المتصدق، فلا يصدق في قصد الثواب إلا إذا اشترطه فتصير معاوضة.

– وكذلك يجوز للواهب الإنفاق من الهبة على أبيه إذا افتقر بخلاف الصدقة.[1]

والهبة والصدقة كلاهما سببين لكسب الملكية التامة خلافا لغيرهما من أنواع التبرعات الأخرى كالحبس والعرية والإمتاع فإنها أسباب لكسب المنفعة فقط[2].

وعليه فإن أركان الصدقة وشروطها هي نفسها أركان وشروط الهبة.

الفرع الثاني: مشروعية عقد الصدقة

الصدقة مشروعة بالكتاب والسنة:

فمن الكتاب: قال سبحانه وتعالى: ” مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) “.[3]

وقال عز وجل: ” أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)”.

ومن السنة، روي عن عدي بن حاتم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اتقوا النار ولو بشق ثمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة”.

وروي عن سلمان بن عامر الظبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة”.[4]

الفرع الثالث: خصائص عقد الصدقة

ترجع الخصائص الكلية لعقد الصدقة إلى ما يلي: الصدقة عقد مسمى، رضائي، ملزم لجانب واحد على سبيل التبرع، ناقل للملكية في العين والمنفعة.

أولا: الصدقة عقد مسمى

يوصف عقد ما بأنه مسمى عندما ينظمه المشرع ويميزه عن غيره بأن يطلق عليه اسما خاصا وأحكاما خاصة[5].

وعقد الصدقة من العقود المشتهرة لدى المسلمين فقها وممارسة، تعارفه الناس في ضوء أحكام الفقه الإسلامي، قبل أن ينظم المقنن المغربي أحكامه في ق. 39-08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية في المادتين 290 و291 بالإضافة إلى المواد المنظمة لعقد الهبة.

ثانيا: الصدقة عقد رضائي

الأصل في الشرع رضائية العقود، فلا يحل مال امرئ إلا برضاه وعن طيب نفس منه،[6] قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم”[7]. والتراضي في العقود الملزمة لجانب واحد أشد منه في العقود الملزمة للجانبين، فهذه تقوم على المساومة والمفاوضة، والتراضي فيها أخذ وعطاء. وأما الأخرى فالالتزام فيها يكون بدون مقابل والمال على سبيل التبرع فالتراضي فيها أشد، لذلك وجب فيه أن يكون تاما وكاملا وبقلب مطمئن، أو ما يصطلح عليه بطيب النفس. [8]

والملاحظ أن عقد الهبة ومثله عقد الصدقة لم يشترط فيه فقهاء المذاهب الأربعة الإشهاد، ولا صبه في شكل معين.[9]

والمقنن المغربي أيضا اختار القول بالرضائية في عقد الهبة وهذا هو المعبر عنه في الفقرة الأولى من المادة 274 من م.ح.ع.: “تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول”.

إلا أن رضائية هذا العقد تخالطها شائبة العينية والشكلية:

-العينية: أي قبض الشيء الموهوب وحيازته من طرف الموهوب له قبل حدوث المانع. وللموهوب له أن يقاضي الواهب عند رفضه تسليم الموهوب للموهوب له، لأن عقد الهبة يبرم بالإيجاب والقبول.

– أما الشكلية فتقتضي صب عقد الصدقة في قالب شكلي كتابي معين، وهذا ما ذهب إيه المشرع المغربي في الفقرة الثانية من المادة 274 بقوله: “يجب تحت طائلة البطلان أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي”.

وبناء عليه فإبرام عقد الهبة في محرر رسمي قاعدة آمرة في انعقاد عقد الهبة لا يجوز الاتفاق على تركها، حماية لأطراف العقد ولحقوق الأغيار وضمانا لاستقرار المعاملات.

ثالثا: الهبة عقد ملزم لجانب واحد على سبيل التبرع

أي أن الهبة عقد غير تبادلي، أو عقد ملزم لجانب واحد يلتزم فيه الواهب بالعطية ولا التزام فيه على الموهوب له مقابل عطية الواهب، باستثناء ما يمكن أن يشترطه الواهب على الموهوب له من شروط نسبية، لا ترقى إلى مقابلة محل وجوهر الهبة، بحيث يكون الواهب مدينا غير دائن، والموهوب له دائن غير مدين، فالواهب يلتزم بنقل ملكية الشيء الموهوب وتسليمه ولا يلتزم الموهوب له بشيء.

ورغم أن الهبة لا تلزم سوى الواهب أصلا، فإنها لا تنشأ بمفرد إرادته وإنما بإرادتين، إرادة الواهب من جهة وإرادة الموهوب له من جهة أخرى، وتثبت في وثيقة رسمية بينهما، فلا هبة دون التزام الواهب وقبول الموهوب له وحيازته.[10]

رابعا: الصدقة عقد ناقل للملكية

الهبة من العقود التبرعية التي تنصب على نقل الملكية من شخص إلى آخر، وهي من الأسباب التي تنقل الملكية العقارية، والحقوق العينية حسب منطوق المادة 273 من م.ح.ع.، فالهبة إذا انصبت على حق الملكية فإنها تنقله من الواهب إلى الموهوب له نقلا تاما في عناصره الثلاث: الاستعمال، والاستغلال والتصرف.

أركان عقد الصدقة

الفرع الأول: الأطراف

الأطراف في عقد الصدقة المتصدق والمتصدق عليه، وبهما يقوم هذا العقد، ولا فرق بين أن يكونا شخصين طبيعيين أو اعتباريين. ويصح كلما توافرت فيه شروط الصحة من أهلية وسلامة إرادتهما من العيوب، ويبطل أو يكون قابلا للإبطال كلما فسدت أهليتهما أو تغيبت إرادتهما.

والموثق في كل ذلك يرعى العقد ويصونه حفاظا على حقوق أطرافه ومراعاة لحقوق الغير.

وبالرجوع إلى المادة 274 من م.ح.ع. حين نص في البند الأول منها على ركني الإيجاب والقبول، واستلزم أن يجري في محرر رسمي في البند الثاني من نفس المادة.

الفرع الثاني: المحل

تقتضي الإحاطة بمحل التبرع عندما يتعلق الأمر بعقار محفظ تحديد دائرة العقارات التي يجوز التبرع بها (أولا)، ثم بعد ذلك تعيين العقار محل التبرع في ذاته (ثانيا).

أولا: العقارات التي يجوز التبرع بها

العقار المتبرع به يجب أن يكون موجودا ومملوكا للواهب فلا تجوز هبة الغاصب ما غصبه، ولا هبة الفضولي، ولا هبة المال المستقبل، لأن الغاصب والفضولي غير مالكين.

وهبة ملك الغير مما اختلف الفقهاء بشأنه، بين قائل بإلحاقها بالبيع، فتوقف إذ ذاك على إجازة المالك فتكون صحيحة إذا أجازها، وبين قائل بعدم إلحاقها بالبيع وبطلانها ولو أجازها المالك.

وم.ح.ع. اختارت القول بعدم صحة هبة الفضولي مطلقا دون تمييز بين حضوره أو عدم حضوره، حيث جاء في المادة 277 قولها: “يقع باطلا …هبة عقار الغير”.

والمدونة بهذا الاختيار تكون قد أخذت فقها بالقول الذي يذهب إلى بطلان هبة الفضولي حسب ما ذهب إليه الشيخ خليل ومن وافقه، وخالفت بالمقابل ما هو مقرر قانونا في الفصلين [11]37 و[12]38 من ق.ل.ع.م.

وهبة المال المستقبل باطلة على ما نصت عليه م.ح.ع. واستثناء من الفصل 61 ق.ل.ع. ، والملاحظ أن هذه المدونة عبرت بالمال والحال أنها تتعلق بالحقوق العينية العقارية، كما أغفلت العقارات في طور الإنجاز مع أن القانون نظم بتفصيل بيعها في ق.ل.ع. الفصل 1-618 وما يليه و (ق.00-44) والبيع كالهبة والهبة كالبيع في الأثر المترتب وهو نقل الملكية. فهل هبة هذه العقارات باطلة أم أن هناك وجها للتأويل؟

الذي يظهر هو أن وجود الأشياء إما حقيقي فعلي، أو وجود حكمي وثائقي، والقانون اعتد بالوجود الحكمي بسندات الشحن لإثبات حيازة البضاعة حكما مع أنها بحوزة الغير فعلا. وفي العقارات في طور الإنجاز الوجود حكمي بالوثائق والتصاميم ودفاتر التحملات وجواز التقييد الاحتياطي بالرسم العقاري الأم…إلى شبه ظهور فعلي، حين منع القانون إبرام أي بيع ابتدائي بشأنها قبل ظهور الأساسات[13] والهبة عندنا في المذهب تصح حتى على المجهول.

ولا يشترط في العقار أن يكون مفرزا بل يجوز التبرع حتى بالمشاع، كما يجوز التبرع بالعقار المحفظ المرهون رهنا حيازيا أو رسميا

ثانيا: تعيين المحل في الهبة

بما أننا نتحدث عن العقار المحفظ فتعيينه يتميز بالسهولة واليسر من حيث ضبط كل المعلومات المتعلقة به بالرسم العقاري المخصص له عند إنشاء هذا الرسم وكذا كل التغييرات الطارئة عليه، ذلك أن الفصل 52 من ظ.ت.ع. ينص على أن ” كل تحفيظ يقتضي من المحافظ على الأملاك العقارية تأسيس رسم عقارييتضمن لزوما:

1-وصفا مفصلا للعقار مع حدوده وبيان الأملاك المجاورة والملاصقة له ونوعه ومساحته؛

2-الاسم الشخصي والعائلي للمالك ومحل سكناه وحالته المدنية وجنسيته وإن اقتضى الحال اسم الزوج والنظام المالي للزواج أو كل اتفاق تم طبقا لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة. ويتضمن في حالة الشياع نفس البيانات المذكورة أعلاه بالنسبة لكل شريك مع التنصيص على نصيب كل واحد منهم. وإذا كان المالك شخصا اعتباريا فيجب بيان تسميته وشكله القانوني ومقره الاجتماعي وكذا ممثله القانوني؛

3-الحقوق العينية العقارية المترتبة على العقار.

يحمل هذا الرسم العقاري رقما ترتيبيا واسما خاصا به ويبقى تصميم العقار ملحقا به”.

كما أن القرار الوزاري المؤرخ في 20 رجب 1333 يونيو 1915 المتعلق بتفاصيل تطبيق التحفيظ العقاري ل 19 رجب 1333 2 يونيو 1915 ينص في الفصل 24 منه على أن “جميع الكتابات المحتوية على تأسيس الحقوق العينية أو الأداءات المالية أو تفويتها… بقصد الحصول على تضمين في الكنانيش العقارية فيجب أن يضمن فيها أسماء المتعاقدين …وأسماء العقارات المشتملة عليها الكتابات المذكورة وبيان موضعها وأعداد الرسوم العقارية…”

ومما يمكن استنتاجه أن أحكام التعيين التي أوردتها المقتضيات القانونية المذكورة إنما هي متطلبة في علاقة الأطراف من جهة مع حجة توثيق عقد التبرع أو المحافظ العقاري من جهة أخرى هذا الأخير الذي سيرفض لا محالة تسجيل عقد لا يتضمن البيانات المنصوص عليها بالقرار الوزاري المذكور.

الفرع الثالث: الصيغة

الصيغة هي قوام التراضي في عقد الهبة وغيرها مثل سائر العقود، فهي التعبير الصريح عن اقتران الإيجاب بالقبول: إيجاب المتبرع وقبول المتبرع عليه،وبالصيغة ينعقد التبرع وفي ضوئها يحرر العقد، وبدونها لا تبرع وبل مجرد وعود كلامية تحتمل الصدق كما تحتمل الكذب.

والصيغة يلزمها الإثبات حتى تخرج من طور الكلام إلى طور الالتزام وانشغال الذمة. لذلك سوف نتحدث عن الإيجاب والقبول أولا، ثم عن إثبات الهبة ثانيا.

أولا: الإيجاب والقبول

إن الإيجاب في عقد الهبة هو ذلك التعبير الصادر عن إرادة الواهب بأن يتبرع لشخص آخر بالشيء الموهوب، والتعبير يكون ظاهرا باللفظ الدال على الهبة وغيرها، كوهبتك، وتصدقت عليك…، أو ما يقوم مقامها من تعابير مفهمة كأعطيتك وملكتك وتنازلت عنه لك…، سواء بالكلام الصريح أو الكتابة أو الإشارة المفهمة،ويجب أن يظل هذا الإيجاب مستمرا في الزمان إلى أن يقبله الموهوب له، فإذا توفي الواهب قبل أن يقبل الموهوب له الملك الموهوب بطلت الهبة (المادة 279 من م.ح.ع)

وفي العقار المحفظ لا يعتد إلا بتاريخ تقييد إراثة الواهب (المادة 279 م.ح.ع.)

أما قبول الهبة فهو ذلك التعبير الصادر عن الموهوب له الذي يوجهه للواهب، بقبول الهبة، ولعل علة المشرع في اشتراط قبول الهبة من طرف الموهوب له، أن هناك من لا يرضون تبرع من يهب لهم، ولم يشترط المشرع أن يكون الإيجاب والقبول متطابقين في مجلس العقد، بل يمكن أن يكون ذلك القبول في وقت لاحق، وفي وثيقة مستقلة عن عقد الهبة، والقبول كما يمكن أن يتم صراحة يمكن أن يتم بالحوز الفعلي للمال الموهوب، ولعل المشرع استعمل مصطلح القبول، محل مصطلح الحوز فصحيح أن الحوز يعد دليلا على القبول، لكن هناك فرق بينهما في الطبيعة القانونية[14].

وقبول الهبة يصح حتى من القاصر وناقص الأهلية، ولو بغير معونة من حاجره، ومعنى هذا أنه يصح للقاصر ولناقص الأهلية ان يكونا طرفا في عقد الهبة دون حاجرهما. وإذا كانت القاعدة في العقود أنها توقع من الجانبين بالأصالة أو بالنيابة، فهنا استثناء لأنه لا توقيع للقاصر ولناقص الأهلية وإنما مجرد الإشهاد عليهما بالقبول من العدلين أو الموثق، لكن على شرط ثبوت النفع.

والموهوب له إذا توفي قبل أن يصرح بقبوله ويثبت فإن الهبة تبطل بالطبع، ولا حق لورثته في المطالبة بها حسب المادة 279 م.ح.ع.، فلا عقد دون إيجاب وقبول وإثبات.

ثانيا: شكلية عقد الهبة

ذهبت م.ح.ع. في الفقرة الثانية من المادة 274 من م.ح.ع. إلى اعتبار الشكلية في عقد الهبة شكلية انعقاد، لما يوفره ذلك من حماية للأطراف، وتجنب أسباب النزاع والخصومات، بقولها: “يجب تحت طائلة البطلان أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي “.

وبهذا يتضح أن عدم توفر شكلية الكتابة في عقد الهبة يجعل العقد كأن لم يكن ولم ينعقد أصلا ولم يكن له وجود.

والأهداف التي توخاها المقنن المغربي في تقريره الرسمية في عقود الهبة وغيرها من العقود في المجال العقاري تتلخص فيما يلي:

– الحفاظ على استقرار المعاملات العقارية، وذلك بالحد من النزاعات المعروضة على المحاكم والتي قد يطول أمدها بسبب اعتماد ورقة عرفية لا تتوفر فيها الشروط الكفيلة بحماية حقوق الأطراف وحسم باب النزاع.

– الحفاظ على حقوق الخزينة

– إقرار مسؤولية محرر الوثيقة: فأصحاب العقود العرفية لا يتحملون أي التزامات جراء الأخطاء المهنية التي قد يرتكبونها.

هذا بالإضافة لما يوفره فرض الرسمية من إمكانية تقديم النصح من الموثق لطرفي العقد، كما يؤكد التوثيق صحة البيانات الواردة في المحرر بما فيها من التزامات وتوقيعات.

وإذا كان المشرع قد رتب صراحة البطلان عن عدم احترام شكلية الرسمية في عقد الهبة فالملاحظ أنه قد وقع في تناقض مع المادة 4 من نفس القانون التي لم تحصر تحرير التصرفات الناقلة للملكية في المحررات الرسمية، وإنما أجازت كذلك إنجازها من طرف محام مقبول لدى المجلس الأعلى، وذلك في المادة 4 من م.ح.ع، فالمفروض في النصوص القانونية أن يكمل بعضها بعضا، وألا تتعارض فيما بينها، فهل يجب أن يحمل اشتراط الرسمية في عقد الهبة على أنه نوع من التخصيص له؟ رغم أن التمحيص في المادتين 4 و274 من م.ح.ع يوحي بأن ثمة تناقضا بينهما.

الفرع الرابع: السبب

السبب ركن من أركان التعاقد، ذلك أن الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن، وفي عقود التبرع ينظر إلى السبب بجد وجزم وحذر حتى لا يكون محلا للهوى والضلال والإغراء.

والسبب في الهبة كباقي العقود يجب أن يكون موجودا، حقيقيا، ومشروعا.

أولا: أن يكون موجودا

ومعناه أن تكون الهبة وغيرها مبنية على سبب شرعي، يبرر انتقال المال من ذمة إلى أخرى، فالأموال لا تكتسب إلا بحق ولا تنتزع من أيدي أصحابها إلا بحق، وهو في الهبة وباقي العطايا نية التبرع الخالصة من الشبهة.

ثانيا: أن يكون حقيقيا

ومعناه ألا يكون وهميا، فالعبرة بالسبب الحقيقي لا بالسبب الظاهر المبني على الكذب والخداع، وقد أجاز القانون الدفع بالصورية لإثبات السبب الحقيقي ونفي السبب الوهمي. ولم يتردد في القول بإثبات الصورية بمختلف وسائل الإثبات، حماية للمجتمع، واستقرارا للتعامل.

ثالثا: أن يكون مشروعا

وهذا هو الشرط الأساسي في السبب أو هو السبب بعينه، والمشرع نظر إلى المشروعية وعدمها من وجهين:

– الأول: من وجه التحديد، فاعتبر في الفصل 62 من ق.ل.ع. الفعل غير مشروع كلما خالف النظام العام والآداب العامة للدولة.

– الثاني من وجه الإثبات، فاعتبر _في الفصلين 63 و65 من ق.ل.ع_ أن الالتزام قائما على سبب حقيقي ومشروع إلى أن يثبت العكس، وهو تأكيد للمبدأ العام: الأصل البراءة إلى أن تثبت الإدانة.

المراجع:

[1]  عبد الكريم شهبون، “عقود التبرع في الفقه المالكي مقارنا بمذاهب الفقه الإسلامي الأخرى والقانون الوضعي”،

[2]  محمد ابن معجوز، “الحقوق العينية في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي”

[3]  سورة البقرة الآية 261/ 262.

[5]  ادريس العلوي العبدلاوي، “شرح القانون المدني: النظرية العامة للالتزام -نظرية العقد-“

[6]  عبد الرحمان بلعكيد، “الهبة في المذهب والقانون –دراسة للهبة وما في حكمها في المذهب المالكي والتشريع المغربي-“

[7]  سورة النساء، الآية 29.

[8]  عبد الرحمان بلعكيد، “الهبة في المذهب والقانون”

[9]  راجع “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” لابن رشد الحفيد

[10]  عبد الرحمان بلعكيد، “الهبة في المذهب والقانون”، م.س.، ص: 41.

 [14]  أحمد الدريوش، الحوز في التبرع بعقار محفظ (محاولة لرفع الالتباس والخلط بين شكلية النفاذ ومستلزمات الشرط ) منشورات سلسلة المعرفة القانونية سنة 2010

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:







Leave a Comment

Open

Close
error: Content is protected !!