عقد الرهن

عقد الرهن من عقود توثيق الديون والحقوق کالكفالة والحوالة والكتابة وغيرها، غایته توثیق الحقوق والديون وحفظها وصيانتها من الضياع عند الجحود أو النسيان أو الوفاة، وضمان تحصيلها .

فما هو الرهن، و مشروعيته، وما هي أركانه، وأنواعه، وتطبيقاته، وما وجه التكييف الشرعي المسمى الرهن العرفي ؟

المبحث الأول: مفهوم الرهن وأركانه

المطلب الأول : تعريف الرهن لغة واصطلاحا

أ- الرهن لغة : الحبس، والثبوت والدوام، يقال رهن الشيء عند فلان : حبسه عنده . ومنه قوله تعالى : “كل امرئ ما کسب رهين ” أي محبوس، و نعمة راهنة : دائمة . وماء راهن : ثابت وراكد. ومعن الحبس لازم لمعن الثبوت والدوام، لأن الحبس يستلزم الثبوت بالمكان

ب – الرهن في الاصطلاح الفقهي : هو “جعل عين مالية أو ما في حكمها وثيقة بدين يستوفي منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء”.

– وعرفه قانون الالتزامات والعقود المغربي في الفصل 1170 بأنه :”الرهن الحيازي عقد بمقتضاه يخصص المدين أو أحد من الغير يعمل لمصلحته شيئا منقولا أو عقاريا أو حقا معنويا، لضمان الالتزام . وهو يمنح الدائن حق استيفاء دينه من هذا الشيء بالأسبقية على جميع الدائنين الآخرين، إذا لم يف له به المدين .

ويتضح من التعريفين وغيرهما من الأحكام أن صورة الرهن في الفقه والقانون واحدة على الجملة .

المطلب الثاني : خصائص الرهن :

– الرهن من العقود الرضائية الملزمة للجانبين. 

– حق عيني : لا ينعقد إلا بتسليم الشيء المرهون إلى الدائن المرتهن .

– حق تابع : فهو تابع للحق الشخصي الأصلي الذي أنشئ ضمانا للوفاء به و هو الدين .

– تمييز الرهن عن غيره من العقود المشابهة :

يتميز عقد الرهن (الكفالة العينية ) التي تقوم على تخصيص مال معين لضمان الوفاء بالدين، عن الكفالة الشخصية (التأمين الشخصي) التي تقوم على ضم ذمة إلى ذمة ضمانا للوفاء بالدين، وكلاهما ضمان لحق شخصي

المطلب الثالث : مشروعية الرهن :

 الرهن مشروع بالقرآن والسنة والإجماع :

– أما القرآن فقوله تعالى : “وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة”.

فالآية واضحة الدلالة على جواز توثیق الحقوق والديون بأخذ الرهون عليها .

– وأما السنة فحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه, وفعله صلی الله عليه وسلم دليل على جواز الرهن .

– وقد أجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة

المطلب الرابع : أركان عقد الرهن وأنواعه

أولا – أركان الرهن :

أركان الرهن عند جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة ثلاثة وهي:

أ- العاقد : ويشمل الراهن : وهو المدين الذي عليه الحق معطي المرهون، والموقن : وهو الدائن صاحب الحق آخذ المرهون .

ب – المعقود عليه : ويشمل المرهون : وهو الشيء المالي الذي يؤخذ وثيقة بالحق، والمرهون به وهو الدين (الحق) الذي يؤخذ المرهون توثقة له .

ج – الصيغة : وتشمل : الإيجاب من الراهن، والقبول من المرتهن، لأن الرهن عقد مالي فافتقر إليهما كالبيع

ثانيا – أنواع الرهن :

 ينقسم الرهن باعتبارات مختلفة إلى ثلاثة أنواع :

أ- الرهن الفقهي القانون وهو ما سبق تعريفه، وما يسمى بالرهن العرفي وهو ما سيأتي بيانه .

ب – الرهن الحيازي : وهو الرهن الذي يحصل فيه قبض المرهون قبضا حقيقيا بوضع اليد كما يحصل قبض المبيع في البيع، وغالب الرهون الواردة على المنقولات رهون حيازية تتم عن طريق وضع اليد عليها . أما الرهن الرسمي أو التأميني : فهو الذي يكون فيه القبض حکميا عن طريق التسجيل والتوثيق في سجلات خاصة، كرهن العقارات الحفظة عن طريق تسجيلها في السجل المعد لذلك في فروع الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية بالمغرب، أو رهن السفن والبواخر بتسجيله في سجلات الإدارة المكلفة بالرهون البحرية، أو تسجيل الرهون الواردة على الأصول التجارية بالسجل التجاري بالمحاكم الابتدائية والتجارية ….

ج – الرهن الوارد على المنقولات وغالبا مایکون رهنا حيازيا الرهون العقارية

المبحث الثاني: آثار الرهن وتطبيقاته :

المطلب الأول : أثار الرهن :

آثار الرهن هي التزامات و حقوق متبادلة بين طرفيه الراهن والمرتهن

أولا- التزامات وحقوق المدين الراهن :

أ- التزامات المدين الراهن هي :

– تسليم الشيء المرهون : يلتزم المدين الراهن بمجرد تمام العقد بتسليم الشيء المرهون فعليا إلى الدائن أو إلى أحد من الغير يتفق عليه المتعاقدون حسب الفصل 1188 ق ل ع .

– الالتزام بضمان هلاك المرهون وتعيبه : يلتزم الراهن بضمان سلامة الرهن، وذلك بضمان عدم حصول تعرضه الشخصي وتعرض غيره، كما يضمن هلاك الشيء المرهون أو تلفه إذا كان راجعا إلى خطئه .

ب – حقوق المدين الراهن هي :

– حق ملكية الشيء المرهون الذي يخوله التصرف في الملك بأوجه منها إنشاء رهن آخر ذا مرتبة ثانية بعد الأول

– استرداد المرهون بعد انقضاء الرهن، بانتهاء مدته أو بأي سبب آخر من أسباب الانقضاء.

ثانيا – التزامات وحقوق الدائن المرتهن :

أ- التزامات الدائن المرتهن هي :

– الالتزام بالمحافظة وصيانة الشيء المرهون من كل ما يتسبب في هلاكه أو تلفه أو نقص قيمته.

– الالتزام بعدم استعمال المرهون أو رهنه أو التصرف فيه.

– الالتزام برد الشيء المرحون، بعد استيفاء الدين، على الحالة التي تسلمها عليها .

ب – حقوق الدائن المرتهن هي :

– حق حبس الملك المرهون وإبقائه تحت حيازته إلى أن يستوفي دینه بكامله.

– حق الأولية في استيفاء الدين على سائر الدائنين العاديين – حق تتبع الشيء المرهون و استرداده في يد من ينتقل إليه .

– حق بيع الملك المرهون والتنفيذ عليه، إذا حل أجل الدين ولم يدفع له المدين الدين المضمون، يحق للدائن أن يطالب بيعه في المزاد العلي ويستوي حقه من الثمن الناتج عن البيع.

المطلب الثاني : تطبيقات عقد الرهن المعاصرة :

أ- رهن الأسهم : يجوز رهن الأسهم الأنها تمثل حصة مشاعة في موجودات متقومة (نقود وأعيان و منافع و حقوق و دیون )، بناء على جواز رهن المشاع لدى بعض الفقهاء .

ب – رهن المستندات : يعد حبس المستندات التي تمثل ملكية البضاعة رهنا، لأن حيازة المستندات تعد حيازة للبضائع التي تمثلها، وتخول من حازها التصرف بالبضائع التي تمثلها تصرف المالك .

ج – رهن الصكوك : يجوز رهن الصكوك باعتبار أنها تمثل حصة مشاعة في موجودات متقومة كالأسهم (نقود أو ديون أو منافع أو أعيان)، لكن الصكوك قد تكون حصة مشاعة في واحد من هذه الموجودات .

والفقهاء على جواز رهن المشاع، ورهن النقد والعين والدین .

د- رهن المنافع : وإن لم يرد في نصوص الشرع وأحكام الفقه ما يجيز أو يمنع من رهن المنافع، فإنه لا يظهر مانع شرعي من جواز رهن المنافع إذا كانت متقومة ويحقق حبسها الحكمة من الرهن والهدف منه وهو حفظ الحقوق، والتوثق للديون، ليباع الرهن، ویستوفي منه عند الاستحقاق . وهذه الحكمة يتصور تحققها في صكوك منافع الأعيان الموجودة والموصوفة في الذمة .

ه – الحجز على النقود في الحسابات الجارية  وما في حكمها على سبيل الرهن من قبيل رهن المضمون على المرتهن، أو رهن ما في يد المرتهن وهو جائز عند الفقهاء .

و الحجز على الحسابات الاستثمارية والوحدات الاستثمارية على سبيل الرهن : من قبيل رهن المشاع من جهة، وقد سبق حكمه بالجواز، ومن قبیل رهن النقود أو الأعيان أو الديون أو خليطا من ذلك كله وهو الغالب على هذه الحسابات، وقد سبق القول بجواز كل ذلك .

وهو أيضا من قبيل رهن ما فيه غرر يسير مغتفر، لأن ما يمثله حساب العميل الاستثماري أو وحداته الاستثمارية من الأصول الفعلية في تغير مستمر، و ذلك جائز عند المالكية “لأن المرتهن له دفع ماله بغير وثيقة فساغ أحده بما فيه غرر، ولأنه شيء خير من لا شيء

المطلب الثالث : عقد الرهن العرفي وتكييفه الشرعي :

 سنتناول هذا الرهن في نقط ثلاثة : صورته الواقعية وحكمه وبديله الشرعي :

أ  – صورته :

هي المعاملة التي تقع بين شخصين أحدهما في حاجة إلى مبلغ مالي (خمسين 50000 ألف درهم مثلا)، ويملك مره قابلا للكراء بسومة كرائية محددة (في ألفي 2000 درهم حسب قيمة السوق)، وشخص آخر يملك هذا المبلغ وهو في حاجة إلى منزل للكراء، فيتفق الطرفان على أن يقدم الثاني المبلغ للأول مقابل أن يكري له الأول المتر الذي يملكه بسومة کرائية منخفضة محددة في (500 درهم ) للشهر وعند انتهاء المدة المتفق عليها المحددة في خمس سنوات يرجع المكري المالك للمكتري المنتفع المبلغ الذي أخذه منه کاملا غير منقوص والمحدد في (50000درهم)

ب – حكمه :

 ذهب عموم الفقهاء المعاصرين إلى أن هذه المعاملة هي قرض جر نفعا، ومن شروط صحة القرض ألا يكون قرضا جر نفعا إلى المقرض وهو قرض بفائدة وصورة من صور الربا المحرمة شرعا

لأن خمسين (50000) ألف درهم التي تسلمها صاحب المنزل بمثابة القرض، جر نفعا لفائدة مالك المال وهو تخفيض السوم الكرائية من ألفي (2000) درهم قيمة السوق إلى خمسمأت (500) درهم القيمة المدفوعة ، وخمسمائة (1500) درهم، وهذا عين الربا المحرم شرعا، لأن مالك المال كأنما أقرض خمسين ألف (50000) درهم مقابل فائدة ربوية شهرية محددة في ألف وخمسمأة (1500) درهم .

ج – تكييفه الشرعي :

أ- البديل الشرعي لهذه المعاملة، في نظرنا والله أعلم بالصواب، الذي يلي حاجة الأطراف معار (الحصول على مبلغ من المال من طرف ، وكراء المنزل بثمن منخفض من الطرف الآخر )، مع مراعاة الملاءمة الشرعية في الوقت نفسه، هو تكييف المعاملة على أساس أنها كراء مشروط بتقديم الأجرة كاملة عن المدة المحددة، مقابل تخفيض السومة الكرائية، قياسا لهذا الكراء على بيع السلم الذي يقدم فيه الثمن مقابل تخفيض قيمته، وبيع الأجل الذي يجوز فيه أداء الثمن مؤجلا مقسطا مقابل رفع قيمة الثمن، والكراء بيع المنافع فهو بيع من البيوع يجوز فيه ما يجوز في بيع السلم وبيع الأجل قياسا

ب – وهناك مخرج فقهي آخر يتمثل في اعتبار أجرة الكراء مستحقة بكاملها بمجرد إبرام عقد الكراء عن المدة المتفق عليها، فهي دين في ذمة المشتري

فإذا طلب المكري أداء الأجرة كاملة مقدما، مقابل تخفيض قيمة السومة الكرائية، صاغ تكييف طلبه على أساس قاعدة “ضع وتعجل”

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!