الأعذار المخففة للقتل العمد

ظروف التخفيف في جريمة القتل العمد

الأعذار المخففة للقتل العمد

1 – قتل الأم لوليدها:

ورد هذا العذر في الفصل 397 من م. ق. ج. الذي جاء فيه ما يلي: “من قتل عمدا طفلا وليدا يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصلين 392 و393 على حسب الأحوال المفصلة عليها إلا أن الأم، سواء كانت فاعلة أصلية أو مشاركة في قتل وليدها، تعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى عشر، ولا يطبق هذا النص على مشاركيها ولا على المساهمين معها”.

انطلاقا من هذا النص يتضح أن الأم تتمتع بالعذر المخفف، ولا يقتصر على الحالة التي يكون فيها الولد غير شرعي أو مشوها، وإنما حتى إذا كان الدافع إلى القتل الفقر أو خشية العار أو حتى إذا نجم عن إحدى حالات الأمراض العصبية التي تنتاب الأم لحظة الوضع.

وتبدأ مرحلة الطفل الوليد بانتهاء مرحلة الجنين، الذي تحميه نصوص الإجهاض، ببدء عوارض المخاض واستعداد الجنين للانفصال عن جسم أمه، فإذا ظهر جزء منه وخنقته أمه بيديها أو بوسيلة أخرى، فإنها تستفيد من العذر المخفف. ويعتبر الطفل وليدا أيضا حتى من مرت على ولادته مرة غير طويلة، أما إذا مرت بضعة أيام على الولادة فإن الأم لا تتمتع بالعذر المخفف، وإنما تعاقب بعقوبة الإعدام طبقا للفصل 410 من م.ق. ج . المتعلق بالعنف ضد الأطفال.

ويخص هذا العذر الأم وحدها ولا يستفيد منه الأب كما لا يستفيد منه معها الفاعل الأصلي إذا اشتركت معه الأم ولا المساهمين والمشاركين معا. وتعاقب الأم عند قتلها لوليدها بالسجن من خمس سنوات إلى عشر. وقد يرتكب هذا القتل مع ظرف من ظروف التشديد کسبق الإصرار، ولا تستطيع المحكمة أن تعاقب الأم بعقوبة تتجاوز ما هو منصوص عليه في الفصل 397 ، لأن الظرف المعتد به في هذه الحالة هو التخفيف وليس التشديد.

طفلا إثر ولادته مباشرة أو قتل جنينا في أثناء يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات كل من قتل حفظا للعرض الوضع إذا كان القاتل هو الأم أو أحد ذوی القربى.

2- القتل المرتكب نتيجة استفزاز بالضرب أو العنف الجسيم:

ينص الفصل 416 من م. ق. ج. على ما يلي: يتوفر عذر مخفض للعقوبة، إذا كان القتل أو الجرح أو الضرب قد ارتكب نتيجة استفزاز ناشئ عن اعتداء بالضرب أو العنف الجسيم على شخص ما”.

عناصر الاستفزاز المخفف في جريمة القتل العمد:

– أن يتعرض الجاني أو شخص آخر لضرب أو عنف جسيم.

– أن يكون الضرب أو العنف غير مشروع – أن يرتكب القتل فور الاستفزاز.

أ- لكي يقوم عذر الاستفزاز لابد أن يصدر من المستفز ضرب أو عنف، أما أعمال الإثارة الأخرى كالسب والقذف والتحقير فلا تعتبر استفزازا.

ويتعين أن يكون الضرب أو العنف جسيما، فما معنى الجسامة الواردة في النص؟ هل المقصود جسامة الآثار المادية للضرب أو العنف كما إذا نتج عنها إصابة أو آثار بليغة؟ أم المقصود جسامة الانفعال والغضب الذي يحدثه للضرب أو العنف في نفس الجاني؟

ب- ويتعين أن يكون الضرب أو العنف الجسيم غير مشروع، أما إذا كان مشروعا، بأن كان القانون يسمح به فلا ينشأ عنه عذر الاستفزاز، فرجل الأمن إذا استعمل العنف في حدود القانون لا يعتبر مستفزا.

ت- يتعين ارتكاب القتل فور أعمال الاستفزاز، أي أن يقوم الجاني برد الفعل الفوري ضد الاعتداء ، أما إذا تراخي إلى أن زال الانفعال وحالة الغضب، فإن العلاقة السببية تنعدم بين الاعتداء ورد الفعل، ورد الفعل يجب أن ينصب على المستفز نفسه لا على غيره، ولا يستفيد من العذر إذا قتل أحد أفراد عائلة المستفز.

وعذر الاستفزاز ظرف شخصي لأنه مبني على انفعال الجاني نتيجة الاستفزاز، وبالتالي فلا يستفيد منه إلا من توفر فيه من المساهمين والشركاء.

3- القتل المرتکب نهارا لدفع تسلق أو كسر سور حائط أو مدخل منزل أو بيت مسكون أو أحد ملحقاتها:

ينص الفصل 417 من م.ق. ج. بأنه: “يتوفر عذر مخفض للعقوبة في جرائم القتل أو الجرح أو الضرب، إذا ارتكب نهارا لدفع تسلق أو كسر سور أو حائط أو مدخل منزل أو بيت مسكون أو أحد ملحقاتها، أما إذا حدث ذلك ليلا، فتطبق أحكام الفصل 125 الفقرة 1”  تعتبر الجريمة نتيجة الضرورة الحالة للدفاع الشرعي في الحالتين الآتيتين:

1 – القتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكب ليلا لدفع تسلق أو كسر حاجز أو حائط أو مدخل دار أو منزل مسكون أو ملحقاتهما.

2 – الجريمة التي ترتكب دفاعا عن نفس الفاعل أو نفس غيره ضد مرتكب السرقة أو النهب بالقوة.”

اعتمادا على هذا الفصل يشترط لوجود هذا العذر ما يلي:

أ- أن يقوم الضحية بتسلق أو كسر سور أو حائط أو مدخل منزل أو بيت مسكون أو أحد ملحقاتها.

ب- يتعين أن يحدث ذلك التسلق أو الكسر بالنهار، أي من شروق الشمس إلى غروبها، أما إذا وقع بالليل وحالة الدفاع الشرعي من الأسباب المبررة التي تمحو الجريمة

ت- يجب أن يرتكب القتل أثناء التسلق أو الكسر أو عقب الانتهاء منه. ويستفيد الجاني من العذر المخفف ولو ثبت أنه كان يعلم أن المتسلق لا يستهدف سوءا بأحد وأن دخوله ولا خطر فيه على النفس أو على العرض أو المال، وإذا ثبت القاتل أن المتسلق كان يقصد العدوان على نفس أو مال أو على عرض بعنف. فإنه يعتبر في حالة دفاع شرعي، وليس في حالة عذر مخفف فقط.

ويعتبر هذا العذر ظرفا عينيا، لذلك فإنه يسري على جميع المساهمين والمشاركين ويستفيدون منه، ولو كانوا يجهلونه طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 130 من م. ق. ج.

4 – قتل الزوج لزوجه وشريكه عند مفاجأتهما متلبسين بالخيانة الزوجية:

 ينص الفصل 418 من م. ق. ج. على ما يلي: “يتوفر عذر مخفض للعقوبة في جرائم القتل أو الجرح أو الضرب، إذا ارتكبها أحد الزوجين ضد الزوج الآخر وشریکه عند مفاجأتهما متلبسين بجريمة الخيانة الزوجية”

اعتمادا على هذا الفصل، فإنه لقيام هذا العذر يتعين توفر الشروط الثلاثة التالية:

– يتعين أن يكون الفاعل زوجا لمن فاجأه متلبسا بالخيانة الزوجية.

– مفاجأة الزوج في حالة تلبس.

– وقوع القتل وقت المفاجأة.

أ – يتعين أن يكون الفاعل زوجا لمن فاجأه متلبسا بالخيانة الزوجية.

كان هذا العذر مقتصرا على الزوج دون الزوجة قبل تغيير الفصل 418 من م.ق.ج الذي كان ينص على القتل المرتكب من طرف الزوج ضد زوجته 38، ولم يكن ممكنا القياس على هذا النص لإفادة الزوجة، لأنه لا قياس في تفسير القانون الجنائي. وفي ظل التغيير الذي عرفه الفصل 418 يستفيد الزوجان من هذا العذر.

ويستفيد كلا الزوجين من هذا العذر حتى في حالة الطلاق الرجعي لأن هذا لا يزيل كليا رابطة الزوجية، وأن هذا الطلاق لا تبين فيه المطلقة إلا بعد انتهاء العدة، أما إذا كان الطلاق بائنا فإن الزوج لا يستفيد في هذا العذر، لأن الطلاق البائن يزيل رابطة الزوجية.

ب – مفاجأة الزوج في حالة تلبس.

ويتحقق التلبس في الخيانة الزوجية عند ضبط الفاعلين في إحدى الحالات المنصوص عليها في الفصل 56 من قانون المسطرة الجنائية، وبخاصة إحدى الحالات الثلاث الأولى منه، وهي:

أولا: إذا ضبط الفاعل أثناء ارتكابه الجريمة أو على إثر ارتكابها؛

ثانيا: إذا كان الفاعل مازال مطاردا بصياح الجمهور على إثر ارتكابها؛

ثالثا: إذا وجد الفاعل بعد مرور وقت قصير على ارتكاب الفعل حاملا أسلحة أو أشياء يستدل معها أنه شارك في الفعل الإجرامي، أو وجد عليه أثر أو علامات تثبت هذه المشاركة.”

ويلاحظ على هذا الشرط أنه يندر تطابق إحدى صور التلبس المنصوص عليها في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية مع جريمة الخيانة الزوجية، ويتوافر التلبس في هذه الجريمة متى وجد المتهم في ظروف يستخلص منها حصول فعل الخيانة الزوجية منه وتؤخذ من واقع الحال، من ذلك مفاجأة الجاني خالعا ملابسه الخارجية ومختفيا تحت مقعد في غرفة مظلمة بينما كانت الزوجة في حالة اضطراب وكانت تتظاهر بادئ الأمر بالهدوء عند دخول زوجها.

ومن ذلك أيضا ثبوت أن زوج المتهمة حضر لمنزله ليلا ولما قرع الباب فتحته زوجته وهي مضطربة مرتبكة ولا شيء يسترها غير لباس النوم، وقبل أن يتمكن من الدخول طلبت منه أن يعود للسوق ليحضر لها حاجات أخرى فاشتبه في أمرها ودخل غرفة النوم فوجد المتهم فيها مختفيا تحت السرير وكان خالعا حذاءه ، فاتخذت المحكمة من هذه الحالة دليلا على الزنا.

ت – وقوع القتل وقت المفاجأة

يجب أن يرتكب الزوج القتل وقت مفاجأته للزوج وشریکه متلبسين بالخيانة الزوجية، أما إذا مرت فترة من الزمن على المفاجأة فإن انفعاله يختفي وإن قام بالقتل فإنه سيعتبر منتقما لا يستحق التخفيف. ويدخل هذا العذر في إطار الظروف الشخصية، وبالتالي فإن المساهمين أو الشركاء لا يسري عليهم.

ويمكن أن توجه لهذا الفصل ملاحظتان:

أولاهما: أنه يمكن الزوج من الاستفادة من العذر دون الأب أو الأخ أو الولد، فلا يستطيع الأب أن يذود عن نفسه ويدفع المنكر عن ابنته ولا ولد عن والدته ولا أخ عن أخته إلا ما نص عليه الفصل 420 من م.ق. ج. الذي خول العذر المخفض للعقوبة الرب الأسرة في جرائم الجرح والضرب دون نية القتل، حتى ولو نشأ عنها موت، إذا ارتكبها على أشخاص فاجأهم بمنزله وهم في حالة اتصال جنسي غير مشروع. ولن تقتصر الاستفادة من هذا العذر على رب الأسرة إذا ما رأى القانون الجنائي على الصورة التي أعدتها بها وزارة العدل ، إذ سيستفيد منه جميع أفراد الأسرة،

فقد جاء في الفصل 420 من المسودة ما يلي: “يتوفر عذر مخفض للعقوبة في جرائم الجرح، أو الضرب دون نية القتل، حتى ولو نتج عنها موت، إذا ارتكبها أحد أفراد الأسرة على أشخاص فاجأهم بمنزله وهم في حالة اتصال جنسي غير مشروع” وسيعرف تطبيق هذا التوسيع صعوبة في التطبيق تتلخص في كون المسودة لم تحدد مدلول أفراد الأسرة.

ثانيهما: أنه يعتبر هذا الاستفزاز عذرا مخففا ولم يعتبره دفاعا شرعيا، ويعني اعتباره عذرا مخففا أن الزوج القاتل يعتبر مرتكبا لجريمة خففت عقوبتها، فلو اعتبر مستعملا لحق مشروع لنفت عنه الجريمة ولكان عمله مباحا لا عقاب عليه.

فالمشرع اعتبر القتل الذي ارتكب ليلا دفعا لتسلق منزل مسکون أو أحد ملحقاته، دفاعا شرعيا، وشتان بين تسلق المنزل الذي هو دفاع عن المال وبين انتهاك العرض الذي هو دفاع عن العرض والعرض أولى بالدفاع عن المال. ويرى الأصوليون أن الضروريات التي لا تقوم حياة الناس إلا بها هي بحسب ترتيب أهميتها: الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل.

عقوبة القتل العمد في حالة توفر العذر المخفف:

إن عقوبة القتل المرتكب نتيجة استفزاز بالضرب أو العنف الجسيم والقتل المرتكب نهارا لدفع تسلق أو كسر سور حائط أو مدخل منزل أو أحد ملحقاتهما وكذلك قتل الزوج لزوجه وشريكها عند مفاجأتهما متلبسين بالخيانة الزوجية هي المنصوص عليها في الفصل 423 الذي ينص على ما يلي: “عندما يثبت العذر القانوني فإن العقوبات تخفض إلى:

1. الحبس من سنة إلى خمس سنوات في الجنايات المعاقب عليها قانونيا بالإعدام أو السجن المؤبد.

2. الحبس من ستة أشهر إلى سنتين في جميع الجنايات الأخرى.

3. الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر في الجنح”

اعتمادا على هذا الفصل فإن العقوبة عند وجود الأعذار المخففة أعلاه هي الحبس من سنة إلى خمس سنوات حتى ولو كانت هناك ظرف مشدد للقتل.

أما قتل الأم لوليدها فإن عقوبته هي ما نص السجن الذي يتراوح ما بين خمس وعشر سنوات.

هذا ويتعين مراعاة مقتضيات الفصل 422 من القانون الجنائي التي جاء فيها: “لا يوجد مطلقا عذر مخفف للعقوبة في جناية قتل الأصول”، لذا فإن العقوبة هي الإعدام في جميع الأحوال التي يكون فيها القتيل هو أحد الأصول.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!