طرق تفسير المعاهدات و الجهات المكلفة بذلك

طرق تفسير المعاهدات و الجهات المكلفة بذلك

أولا : الجهة المختصة بالتفسير:

 أ – التفسير الدبلوماسي:

 يتمثل التفسير الدبلوماسي في التفسير الحكومي المشترك و تفسير المنظمات الدولية:

– التفسير الحكومي المشترك:

 هو التفسير الذي يتم من قبل حكومات الدول الأطراف في المعاهدة، و هو أمر طبيعي لأن من يملك وضع النص يملك من باب أولى حق تفسيره، و بعد ذلك قد يكون هذا التقصير صريحا كإصدار نص تفسيري ثنائي أو متعدد الأطراف عبر مذکرات رسمية أو بروتوكولات و خطابات متبادلة بين أطراف المعاهدة، كما قد يكون التفسير ضمنيا حين يتم تنفيذ أحكام المعاهدة تنفيذا موحدا و بطريقة تلقائية.

و تجدر الإشارة إلى أن الاتفاق التفسيري لا ينبغي أن يؤدي إلى المساس بنصوص المعاهدة أو تغيير بعض أحكامها، ذلك أن العلة من التفسير في حد ذاته هي بيان كيفية تطبيق هذه النصوص و الأحكام.

– تفسير المنظمات الدولية:

هو التفسير الذي تقدمه منظمة من المنظمات الدولية أو الإقليمية أو أحد أجهزتها، و الثابت أن المنظمات الدولية تضطلع بصلاحية تفسير المعاهدات المنشئة لها سواء خصتها تلك المعاهدات بهذه الصلاحية أم لا، فقد استقر العرف الدولي على منح أجهزة المنظمات الدولية سلطة تفسير نصوص المعاهدات المحددة لاختصاصاتها من منطلق أن ذلك يدخل في إطار الصلاحيات الضمنية لهذه الأجهزة، و ذلك تماما ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري المتعلق بالتعويض عن الأضرار التي تلحق موظفي الأمم المتحدة أثناء قيامهم بالوظيفة، و الصادر في 1949.

و تجدر الإشارة إلى أن التفسير التي تنتهي إليه أجهزة المنظمات الدولية في حالة عدم النص صراحة على منحها سلطة التفسير لا يعد ملزما للدول الأعضاء فيها، بخلاف ما إذا استمدت صلاحية التفسير من نص صريح في المعاهدة المنشئة لها يمنحها تلك الصلاحية.

 ب- التفسير القضائي:

 و يكون عن طريق التحكيم أو القضاء الدوليين:

– التحكيم الدولي:

يعتبر التحكيم الدولي طريقا قضائيا تقوم بمقتضاه الدول المتنازعة باختيار شخص أو هيئة لتسوية ما بينها من خلافات أو نزاعات بطريقة قانونية شريطة التزام هذه الدول بتنفيذ القرار التحكيمي، كما يفضل البعض تعريف التحكيم بأنه وسيلة لتصفية الخلافات بين الأول عن طريق سيادة القانون بدلا من سيادة القوة.

و لقد ظهر التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات الأولية في نهاية القرن 18 بداية من عام 1794 تاريخ توقيع كل من بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية معاهدة جاي” للصداقة و حسن الجوار و الملاحة، حيث تضمنت نصا باللجوء إلى التحكيم بصدد تفسیر و تطبيق هذه المعاهدة.

و بعد ذلك برز الاهتمام بين الأول بأهمية التحكيم كوسيلة لفض المنازعات الأولية خاصة تلك المتعلقة بتفسير و تطبيق المعاهدات الدولية، إذ تبناه عدد من المؤتمرات الأولية أبرزها مؤتمرا لاهاي” لعامي 1899، 1907 اللذان تمځضا عن جملة من الاتفاقيات التي عالجت موضوع التحكيم بالتفصيل من حيث أحكامI العامة وإجراءاته، لاسيما تلك المتصلة بتسوية المنازعات الأولية سلميا، حيث أنشئت محكمة دائمة للتحكيم كبديل الهيئات التحكيم الخاصة اتخذت من “لاهاي مقرا لها. و في القرن 20 تطرقت إلى التحكيم كوسيلة لتفسير المعاهدات الدولية المادة الأولى من الاتفاقية العامة للتحكيم المبرمة بين الأول الأمريكية سنة 1929.

 – القضاء الدولي:

يدخل تفسير المعاهدات الأولية ضمن الاختصاص الطبيعي للقضاء الدولي باعتبار المنازعات الناجمة عن تفسيرها تعد منازعات قانونية، و هذا ما نصت عليه المادة 13 من عهد عصبة الأمم لعام 1919، و أكدته لاحقا المادة 92 من ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945.

و بالرغم من أن الدول الأطراف في ميثاق الأمم المتحدة هي أطراف تلقائيا في النظام الأساسي لمحكمة العدل الأولية إلا أن هذه العضوية المزدوجة لا تفرض عليها التقاضي أمام المحكمة إلا بعد تصريح بذلك من قبلها.

و ذلك ما أكدته الفقرة 2 من المادة 36 من نظام المحكمة بالقول: “للدول التي هي أطراف في هذا النظام الأساسي أن تصرح بأنها تقر للمحكمة بولايتها الجبرية في نظر جميع المنازعات القانونية التي تقوم بينها و بين دولة تقبل الالتزام نفسه متى كانت هذه المنازعات القانونية تتعلق بالمسائل الآتية: أ- تفسير معاهدة من المعاهدات…”

و عليه فمحكمة العدل الدولية تقوم بتفسير المعاهدات الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة و مواثيق الوكالات الدولية المتخصصة المرتبطة بالأمم المتحدة.

ثانيا – طرق التفسير:

31 إلى 33 من اتفاقية فينا فإن تفسير المعاهدة الدولية قد يكون تفسيرا نصيا أو انطلاقا من المواد من ضمنيا:

1 – التفسير النصي:

إن أول عمل ينبغي على المفسر القيام به هو محاولة تفسير النص بالاعتماد على الألفاظ التي استعملت فيه وذلك من منطلق أن نص المعاهدة هو التعبير الحقيقي عن إرادة أطرافها، فالفكرة التي تبنى عليها طريقة التفسير النصي هي أن النص المكتوب يفسر نفسه، و أن الوظيفة الرئيسية للمفسر تبعا لذلك هي قراءته بوضوح و تمعن، مراعاة للمبدأ العادي للألفاظ المستعملة فيه بالربط بينه و بين بقية نصوص المعاهدة.

يتم ذلك وفقا للقواعد الآتية:

أ – تفسير النص طبقا لمعناه العادي و الطبيعي:

 تتطلب أبسط قواعد التفسير ضرورة تفسير الألفاظ المستعملة وفقا لمعناها العادي و الطبيعي تطبيقا لمبدأ أن النص يجب تطبيقه و عدم التشكيك فيه ما دام واضحا، و بالتالي فلا يجوز الخروج على معناه إلا إذا وجدت أسباب جدية تدعو إلى خلاف ذلك، كأن يفضي إعطاء النص معناه العادي و الطبيعي إلى نتائج غير معقولة.

 وذلك ما عبرت عنه محكمة العدل الأولية في رأيها الاستشاري الصادر سنة 1948 و المتعلق بشروط قبول العضوية في الأمم المتحدة بقولها: ” إن على المحكمة التي يرفع إليها النزاع أن تقوم بتفسير أحكام المعاهدة وفقا للمعاني العادية و الطبيعية للألفاظ.

 ب – تفسير النص وفقا لسياق المعاهدة:

 لا يتم تطبيق القاعدة الأولى القاضية بتفسير النص طبقا لمعناه العادي و الطبيعي إلأ موازاة مع القاعدة الثانية المعتمدة على سياق المعاهدة، لأن التفسير ككل لا بد أن يتم في سياق المعاهدة بأكملها، و عليه فإن تفسير أي نص من نصوص المعاهدة لا يتأثی من فراغ أو من منظور مجرد، و إنما يتعين التقيد فيه بالسياق العام لها (موضوعها و غرضها).

و بالتالي يجب النظر إلى الألفاظ الغامضة كأجزاء حية في كل لا يتجزا هو المعاهدة في مجموعها بما فيها ديباجتها و متنها و أحكامها الختامية ، و حتى ملاحقها و أي اتفاق أو وثيقة مرتبطة بها، فكلما كان التفسير بعيدا عن سياق المعاهدة كلما كان مشوها أو معيبا أو مبتورا لا صلة له بفحوى المعاهدة أو محتواها

و هذا تماما ما کرسته المحكمة الدائمة العدل الأولي بمناسبة تفسيرها لإحدى المعاهدات التي رفعها إليها أطرافها حيث قالت: ” يجب من أجل بحث المسألة المطروحة حاليا أمام المحكمة و على ضوء ألفاظ المعاهدة ذاتها أن تقرأ في مجموعها، ذلك أنه لا يمكن تحديد مغزاها على أساس بعض العبارات التي يتم بترها من الوسط الموجودة فيه، و التي نتيجة لفصلها عن سياقها يمكن تفسيرها بطرق مختلفة.

 ج- مبدأ الأثر النافع أو إعمال النص خير من إهماله:

 وفقا لهذا المبدأ يتعين إعمال النص محل التفسير بقدر الإمكان و على النحو الذي أراده أطراف المعاهدة . وعليه إذا كان النص محل الغموض يمكن تفسيره بطريقتين إحداهما تسمح بإنتاج آثار معينة، بينما الأخرى لا تسمح بإنتاج أي أثر، فالتفسير الأول هو الذي يتوجب ترجیحه باعتباره أقرب إلى تحقيق موضوع و غرض المعاهدة، كل هذا استنادا إلى المبدأ المتداول ‘إعمال النصل خير من إهماله.

و يتطلب مبدأ الأثر النافع أو وجوب إعمال النص في التفسير الحرص على ألا يؤدي تطبيقه إلى تحميل النص ما لا يحتمل، و إلا كان ذلك مراجعة أو تعديلا للمعاهدة لا تفسيرا لها، فلا يجوز مثلا توسيع النص أو تضييقه بما يبتعد به عن روح المعاهدة ذاتها.

2 – التفسير الضمني

إن التفسير النصي للمعاهدة على النحو المتقدم يعني تفسير نصوصها بالاستناد إلى عناصر تستمد من المعاهدة ذاتها (عناصر داخلية)، فإذا أمكن تفسير المعاهدة وفق هذه الطريقة فلا داعي بعد ذلك اللجوء إلى عناصر خارج المعاهدة، أما إذا كان تطبيق قواعد التفسير النصي لم يفض للوصول إلى النتائج المتوخاة من التفسير ، كأن يبقى النص غامضا أو يؤدي الاكتفاء بهذه القواعد إلى الحصول على نتائج غير معقولة يصبح من الضروري حينئذ اللجوء إلى عناصر خارج النص ذاته لتحديد معناه بدقة ، و للوقوف على نية أطراف المعاهدة، لأن تفسيرها في نهاية المطاف يستهدف استخلاص هذه النية.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!