طرق الطعن العادية

طرق الطعن العادية – التعرض و الإستئناف

طرق الطعن العادية

يمكن تعريف طرق الطعن بكونها تلك الوسائل التي وضعها القانون رهن إشارة المتقاضين والتي تمكنهم من عرض النزاع الذي صدر فيه مقرر قضائي سواء على نفس الجهة القضائية التي سبق لها البت فيه أو على محكمة أخرى بغية تعديله، وتتم مباشرة طرق الطعن عن طريق مقال يتقدم به الطرف الذي له مصلحة في ذلك والذي يدعي أن المحكمة التي أصدرت المقرر المطعون فيه جانبت الصواب .

وقد اعتاد الفقهاء على تقسيم طرق الطعن المحددة قانونا بالإستناد إلى معیارين إثنين، المعيار الأول هو الذي يمكن من التمييز بين الطرق التي ينتج عنها تعديل المقرر المطعون فيه وتلك التي يكون الهدف منها هو دفع المحكمة التي سبق لها البت إلى التراجع عن مقررها، المعيار الثاني هو الذي يميز ما بين طرق الطعن التي تمارس في مواجهة كل المقررات و الطرق التي لا يمكن ممارستها إلا في حالات خاصة، وتسمى الأولى بطرق الطعن العادية، فيما تنعت الثانية بطرق الطعن غير العادية

وطرق الطعن التي قد يترتب عنها تراجع المحكمة عن المقرر الذي سبق لها أن أصدرته هي الطرق التي تمكن من عرض النزاع على المحكمة مصدرة المقرر المطعون فيه، وينطبق هذا الوصف على كل من التعرض وإعادة النظر، أما طرق الطعن التصحيحية فهي التي تمكن من عرض النزاع على محكمة أخرى أعلى درجة من تلك التي سبق لها البت في النزاع بهدف إلغائه وإصدار مقرر جدید محله، ويدخل ضمن هذا التصنيف كل من الإستئناف والنقض.

طرق الطعن العادية:

تعرف طرق الطعن العادية بأنها تلك الوسائل التي يمكن للمتقاضين إستعمالها في مواجهة كافة المقررات الصادرة عن مختلف المحاكم، وعلى الرغم من شیوع هذا التعريف وترسخه في الفكر القانوني فإن الصواب يستدعي التخلي عنه وتبني آخر أكثر دقة منه، ويستند هذا التعريف الثاني على معيار وحيد وهو مدى تحديد المشرع حصريا للحالات التي يمكن سلوك هذه الطرق فيها، وعلى ضوء هذا المعيار يمكن تعريف طرق الطعن العادية بأنها تلك الطرق التي لم يحصر المشرع الأسباب التي يتعين الإستناد عليها لممارستها، فهذا التعريف يأخذ بعين الإعتبار خصوصية التعرض الذي لا يهم إلا فئة معينة من الأحكام والاستئناف الذي تم إستبعاد في مواجهة بعض المقررات القضائية.

 المبحث الأول: التعرض :

التعرض طريق من طرق الطعن العادية التي يمكن للمتقاضين سلوكها في مواجهة المقررات الصادرة غيابيا، ولا يستفيد منها إلا المتقاضي الذي لم يتم استدعاؤه لإحدى مراحل التقاضي، ويترتب عنها عرض النزاع من جديد على المحكمة التي سبق لها البت فيه من أجل إقناعها بالتراجع عن الحكم الذي أصدرته.

 وتتطلب دراسة هذه الطريق من طرق الطعن بداية تحديد المقررات القضائية التي تدخل ضمن دائرة تطبيقها، بعد ذلك ستباشر تحديد القواعد المسطرية التي تحكم ممارستها، على أن ننهي هذا المبحث بتحليل الآثار التي يمكن أن تنتج عنها.

المطلب الأول: المقررات القضائية القابلة للتعرض:

 لا يهم التعرض إلا المقررات القضائية الصادرة غيابيا والتي لا تقبل الطعن بالإستئناف، ويستنتج من هذا أن ممارسة التعرض يقتضي توفر شرطين، الشرط الأول هم طبيعة المقرر الصادر في النزاع والذي يتعين أن يكون غيابيا،

والشرط الثاني هم مدى إمكانية سلوك طريق أخرى من طرق الطعن العادية في مواجهة نفس المقرر القضائي، إذ تقتضي القاعدة التي تبناها المشرع المغربي إسوة بالكثير من التشريعات إلى حصر مجال التعرض على الأحكام التي لا يمكن أن تكون محل طعن بالإستئناف، وهو ما نختصره القاعدة الفقهية التي تقول: “يقفل باب التعرض حينما يفتح باب الإستئناف “

وإعمالا للتعديلات التي تم إدخالها حديثا على قانون المسطرة المدنية والتي ترتب عنها توسيع نطاق الإستئناف ليشمل كافة الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى بغض النظر عن قيمة النزاع، فإنه تتعين الإشارة إلى أن التعرض كطريق من طرق الطعن لم يعد يهم إلا القرارات الصادرة عن محاكم الدرجة الثانية.

ويهم التعرض بإعتباره طريق من طرق الطعن، على سبيل الحصر، المقررات الصادرة في الموضوع، ويعني هذا بأن التعرض لا يمكن أن ينصب على المقررات القضائية التمهيدية والتي قد تصدرها المحكمة تمهيدا للبت في النزاع المعروض عليها بمفردها، فالطعن في هذه الأحكام بالتعرض يجب أن يتم، تحت طائلة عدم القبول، في نفس الوقت الذي يتم فيه الطعن في الحكم الصادر في الموضوع.

من جهة أخرى، إستثنی المشرع المغربي من زمرة الأحكام الغيابية القابلة للتعرض تلك الصادرة في مجال الكراء التجاري والتحفيظ بمقتضى نصوص خاصة، کما لا يمكن أن ينصب هذا الطعن على القرارات الصادرة عن محكمة النقض والأوامر الصادرة بناء على طلب في حالة الموافقة عليها

المطلب الثاني: القواعد المسطرية:

 تتم ممارسة التعرض عن طريق مقال يودع لدى كتابة ضبط المحكمة الصادر عنها المقرر الغيابي المطعون فيه، ويتيعن أن يتم ذلك داخل أجل عشرة أيام يبتدأ إحتسابها من تاريخ تبليغ المقرر القضائي الغيابي للمعني بالأمر، ويسري هذا الأجل على كل المتقاضين الراغبين في سلوك هذه الطريق، بغض النظر عن ما إذا كانوا يتوفرون على محل للإقامة بالمغرب من عدمه

المطلب الثالث: آثار التعرض:

تنتج ممارسة التعرض توعين الأثر، يترتب عن النوع الأول إيقاف تنفيذ المقرر القضائي المطعون فيه، وينتج عن الثاني نشر النزاع برمته أمام المحكمة التي تنظر في التعرض، وعلى العكس من ذلك لا يترتب عن سلوك هذه الطريق من طرق الطعن إلغاء المقرر الصادر في النزاع، كما لا يترتب عنه عكس المراكز القانونية للأطراف، إذ  يبقى المدعي مدعيا و المدعى عليه مدعي عليه

أ – الأثر الواقف:

يترتب عن إمكانية الطعن بالتعرض وممارسته، بل وحتى سريان الأجل القانوني المخصص له أثر واقف، ويعني ذلك عدم إمكانية مباشرة تنفيذ المقرر القضائي الذي لا يزال يقبل الطعن بالتعرض، كما أنه يمكن إذا كان المقرر الذي يهمه التعرض مشمولا بالنفاذ المعجل أن يتقدم المتقاضي الذي سلك هذه الطريق من طرق الطعن بطلب رام إلى إيقاف التنفيذ أمام المحكمة التي تنظر في النزاع، وتبت المحكمة المذكورة في هذا الطلب في غرفة المشورة.

ب – الأثر الناقل:

 يترتب عن ممارسة التعرض إعادة نشر النزاع برمته من جديد أمام المحكمة التي تنظر فيه، ويمكن هذا الأثر المحكمة المذكورة من بسط سلطاتها على المسائل المرتبطة بالقانون وتلك المرتبطة بالواقع على حد سواء، ولا يحد من سلطتها إلا النقط التي أثارها المتعرض في المقال الذي تقدم به ا

ج- احتفاظ الأطراف بمكانتهم الأولى:

 المحكمة التي يرجع لها الإختصاص للبت في التعرض هي نفسها التي سبق لها البت فيه، ولا تؤدي ممارسة هذه الطريق من طرق الطعن إلى عكس مكانة الأطراف في النزاع، إذ تبقى لمن تقدم بالمقال الأولي صفة مدعي ويحمل المتعرض صفة المدعى عليه، فيحاول الأول إثبات جدية الطلبات التي تقدم بها فيما يقوم الثاني بإثارة كافة الدفوع الضرورية لدحض إدعاءات خصمه

د- عدم إلغاء المقرر المطعون فيه:

على عكس ما هو عليه الحال في المادة الجنائية، فإن التعرض في المادة المدنية لا ينتج عنه إلغاء المقرر القضائي المطعون فيه وإعتباره كأن لم يكن، فالمقرر السابق الذكر يبقى صحيحا على الرغم من عدم إمكانية تنفيذه بالنظر للأثر الواقف للطعن الذي مورس في مواجهته، ما لم يتم شموله بالنفاذ المعجل

و يترتب عن ذلك أن ما قضت به المحكمة غيابيا يستمر وجوده ويتعين على الأطراف مناقشته كما يمكنهم الإستعانة به، فالمدعي بإمكانه أن يستند لحيثياته وبالمقابل، يتعين على المدعى عليه إثبات ما يعيبه عليه، فغياب هذا الأثر له أهمية كبيرة، على الأقل على مستوى طبيعة ونوعية المناقشة التي تتم بين طرفي الدعوى.

المبحث الثاني: الإستئناف:

  الإستئناف هو الطريق الثاني من طرق الطعن العادية، ويتيح سلوك هذا الطريق إمكانية عرض النزاع على محكمة أعلى درجة من تلك التي سبق لها البت فيه وهي محكمة الإستئناف وذلك قصد تصحيح الحكم المطعون فيه، ويمثل الإستئناف نتيجة حتمية لإعمال مبدأ التقاضي على درجتين الذي يلزم بعرض النزاع نفسه على محکمتين من درجتين مختلفتين.

 وتقتضي دراسة الإستئناف تحديد القواعد المسطرية التي يتعين على المتقاضين الراغبين في الإستفادة منه إحترامها وكذا الآثار التي يمكنه إنتاجها، لكن قبل ذلك يتعين القيام بتحديد الأحكام القابلة للطعن بالإستئناف

أولا – الأحكام القابلة للطعن بالإستئناف:

 الإستئناف طريق من طرق الطعن العادية، وهو مفتوح في مواجهة كافة الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى بمختلف أنواعها وأيا كانت قيمتها”، غير أن المشرع ربط تحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع بقيمة هذا الأخير، فاستئناف الأحكام الصادرة في نزاع تقل قيمته المالية عن عشرون ألف درهم يعود إلى غرفة الإستئناف لدى المحكمة الإبتدائية التي بنت في النزاع،

أما إستئناف الأحكام الصادرة في نزاع تفوق قيمته المبلغ المذكور أو في النزاعات غير محددة القيمة فإنها تدخل ضمن إختصاصات محكمة الإستئناف، ويتم إحتساب قيمة النزاع بالنظر للطلبات التي تقدم بها أطراف الدعوى وليس بها قضت به المحكمة، كما أن قيمته في حالة تعدد الطلبات تساوي مجموع كل الطلبات التي تقدم بها الأطراف.

 وتقبل الأوامر التي يصدرها رؤساء محاكم الموضوع بكاملها الإستئناف، سواء أكانت صادرة بناء على طلب أو إستعجالية أو أوامر بالأداء، ولم يستثني المشرع من مجال الإستئناف إلا الأوامر الصادرة بناء على طلب بالموافقة.

ثانيا – مسطرة الإستئناف:

 کما هو عليه الحال عند تقديم مقال افتتاحي للدعوى، فإن الإستئناف طريق من طرق الطعن التي لا يمكن ممارستها إلا من قبل الطرف الذي له مصلحة في  ذلك والذي تضرر من الحكم الصادر عن محكمة الدرجة الأولى، كما لا يمكن توجيهها إلا ضد من كان طرفا خلال المرحلة ذاتها، ويتعين في حالة وفاة المستأنف أن تقوم محكمة الإستئناف بإشعار ذوي حقوقه قصد مواصلة الدعوية

وحدد المشرع الأجل الذي يتعين ممارسة الإستئناف فيه في ثلاثين يوما ويبتدئ احتساب هذا الأجل من تاريخ التوصل بالتبليغ، إلا أنه إذا تمت ممارسة هذا الطعن من قبل طالب تنفيذ الحكم الإبتدائي فإن الأجل المذكور يبتدأ من التاريخ الذي تقدم به هذا الأخير بالطلب الرامي إلى تبليغ الحكم لخصمه، ويستفيد المتقاضي الذي لا يتوفر على محل إقامة بالمغرب من أجل مضاعف ثلاث مرات.

وتتعين الإشارة في هذا الصدد إلا أن الأجل المذكور يشكل القاعدة ويطبق في مواجهة الأحكام الصادرة عن المحاكم العادية وهي تبت في موضوع الدعوى، أما بخصوص الأحكام الصادرة عن غيرها من المحاكم فإن تطبيقه رهين بغياب مقتضيات خاصة تنص على أجل مختلف،

وقد حدد المشرع آجالا أخرى أقصر في العديد من المجالات، فإستئناف الأوامر الإستعجالية أو تلك الصادرة بناء على طلب يجب أن يتم داخل أجل خمسة عشر يوما، كما أن إستئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم التجارية يجب أن يتم داخل الأجل نفسه تفعيلا للمقتضيات الخاصة للقانون المحدث لها، أما الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية فإنه يخضع لنفس الأجل العادي بالنظر لغياب مقتضی مخالف في القانون المحدث لها.

أما الإستئناف الفرعي فيمكن التقدم به في كل وقت، حتى بعد إنصرام أجل الإستئناف القانونية، ويستفيد من هذا النوع من الإستئناف الطرف الذي وجه ضده إستئناف أصلي والذي لم يتمكن من ممارسة حقه داخل الأجل المنصوص عليه قانونا، ويرجح أن يكون هذا التخاذل ناتجا عن اعتقاده بأن الحكم لن يتم إستئنافه من قبل خصمه

وتتم ممارسة الطعن بالإستئناف عن طريق مقال مكتوب يتم إيداعه لدى كتابة ضبط المحكمة التي أصدرت الحكم الإبتدائي المطعون فيه ، ويتعين على كاتب الضبط الذي يتسلم المقال الإستئنافي أن يسلم للمستأنف توصيلا يثبت إلى جانب أداء الرسوم القضائية تاريخ ممارسة هذا الطعن

ويتعين أن يتضمن المقال الإستئنافي مجموعة من البيانات المنصوص عليها في الفصل 142 من قانون المسطرة المدنية. إذ يجب أن تتم الإشارة فيه إلى جانب أسماء الأطراف وعناوينهم إلى ملخص لوقائع النزاع بغية تمكين محكمة الدرجة الثانية من إستيعاب معطياته وكنهه بسهولة، كما يجب أن يحدد المستأنف في مقالة الإستئنافي الوسائل التي يستند عليها، وتحدد كل وسيلة بدقة ما يعيبه المستأنف على الحكم الإبتدائي المطعون فيه، والهدف المتوخي من وراء هذه الشكلية هو تمكين محكمة الإستئناف من إستيعاب خيوط النزاع والنقطة الفيصل فيه من خلال المقال الإستئنافي.

وتسري هذه المقتضيات التي تهم شكليات المقال الإستئنافي على الطعن بالإستئناف الممارس في مواجهة كل المقررات القضائية، دون تمييز بينها على أساس نوع المقرر والمحكمة التي أصدرته.

وعلى غرار المقال الإفتتاحي للدعوى، يتعين على المستأنف أن يدلي بنسخ من المقال تساوي عدد الأطراف تحت طائلة عدم قبول الإستئناف، غير أن محكمة الإستئناف لا يمكنها أن تعمل العقوبة المذكورة إلا إذا لم يقم المستأنف تسوية وضعيته على الرغم من إشعاره بذلك .

ويتعين أيضا على المستأنف أن يدلي رفقة مقاله بنسخة من الحكم المطعون فيه، إلا أن هذا الإجراء لا يعد جوهريا، فلا يترتب عن عدم إحترامه عدم قبول الإستئناف، إذ بالرجوع إلى مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 142 من قانون المسطرة المدنية نجدها تنص على ضرورة تقدم كاتب الضبط الذي تلقى المقال الإستئنافي بطلب قصد الحصول على نسخة من الحكم المطعون فيه من المحكمة التي أصدرته في حالة عدم الإدلاء به من طرف المستأنف.

وتتم إجراءات تحقيق الدعوى وسريانها أمام محكمة الإستئناف طبقا الشكليات تشبه تلك التي يتم إعمالها أمام محكمة الدرجة الأولى، إذ يقوم في البداية الرئيس الأول للمحكمة بتحديد الهيئة التي يعهد لها بالنظر في النزاع، ويقوم رئيس الهيئة المذكورة بتعيين المستشار المقرر من بين الأعضاء، ويعهد لهذا الأخير أسوة بالقاضي المقرر مباشرة جميع إجراءات التحقيق التي يراها ضرورية من أجل تهيئة الملف. وكلما أشعر ذلك فإنه يتعين على المستشار المقرر أن يصدر أمرا بالتخلي لتتم إحالة الملف على الهيئة الجماعية برمتها من أجل البت فيه.

ويمكن أن يتم الحكم على المستأنف الذي يخسر استئنافه بغرامة. كما يمكن أن يحكم عليه بأداء تعویض لفائدة المستأنف عليه، إلا أنه لا يمكن الحكم بهذا التعويض إلا في حالة تقدم المستأنف عليه بطلب في هذا الشأن خلال المرحلة الإستئنافية، ويتم البت في هذا الطلب بمقتضى الحكم نفسه الذي بيت في موضوع الإستئناف.

ثالثا – آثار الإستئناف:

 ينتج عن الإستئناف ثلاث آثار مختلفة، الأثرين الأول والثاني هما الذين يترتب عنهما على غرار الطعن بالتعرض إيقاف تنفيذ الحكم المطعون فيه وإعادة نشرها من جديد أمام محكمة الإستئناف، أما الأثر الثالث فيتمثل في حق التصدي الذي تتوفر عليه محاكم الدرجة الثانية.

أ – الأثر الواقف:

يترتب عن كون الأحكام قابلة للاستئناف وعن ممارسة هذا الطعن عدم إمكانية مباشرة التنفيذ، ويستثنى من ذلك الأحكام المشمولة بالنفاذ المعجل، إلا أنه يمكن للمستأنف أن يتقدم في هذه الحالة بطلب رام إلى إيقاف النفاذ المعجل أمام غرفة مشورة المحكمة الذي تنظر في موضوع الطعن الذي تقدم به.

ب – الأثر الناشر:

 إن الإستئناف يؤدي إلى إعادة نشر النزاع من جديد برمته أمام محكمة الدرجة الثانية. ويمكن هذا الأثر محكمة الإستئناف من إعادة النظر في كل المسائل  المرتبطة بالنزاع سواء أكانت لها علاقة بالواقع أو بالقانون. غير أنه يجب التنبيه إلى أن مفعول هذا الأثر يحده مبدءان، المبدأ الأول يترتب عنه حصر سلطة محكمة الاستئناف على الوسائل التي أثارها الأطراف في المقالات الاستئنافية، أما المبدأ الثاني فهو الذي يمنع على الأطراف التقدم بطلبات جديدة خلال المرحلة الاستئنافية.

 ويجد المبدأ الأول الذي يترتب عنه حصر سلطة محكمة الإستئناف على الوسائل الواردة في المقال الإستئنافي تبريره في معيار المصلحة في النزاع، كما يجسده التعبير الذي ينص على أنه: “لا تنشر إلا المسائل موضوع الإستئناف”، وبناء عليه فإن الأطراف إذا ما رأوا أن لا مصلحة لهم في إثارة مسألة سبق البت فيها من طرف محكمة الدرجة الأولى، فإن على محكمة الدرجة الثانية أن تخضع لرغبتهم ولا تمد يدها إليها.

 أما المبدأ الثاني المتمثل في منع الأطراف من التقدم بطلبات جديدة خلال المرحلة الإستئنافية فإنه يجد سنده في مبدأ التقاضي على درجتين، إذ من الطبيعي أن يترتب عن إعماله تمكين محكمتي الدرجة الأولى والثانية من النظر في النزاع ذاته. وهو ما يعني أن كل طلب ناتج عن النزاع ومرتبط به لم يتم عرضه على محكمة الدرجة الأولى وتم الإكتفاء بعرضه لأول مرة على محكمة الدرجة الثانية لن يخضع للمبدأ المذكور وبالتالي سيتم البت فيه من طرف محكمة واحدة. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه القاعدة تخضع لمجموعة من الإستثناءات التي تم التنصيص عليها صراحة من طرف المشرع، وتهم هذه الأخيرة طلبات المقاصة والفوائد والمتأخرات والتعويض عن الأضرار التي تكبدها المستأنف بعد صدور الحكم الإبتدائي.

وتجدر الإشارة في الختام إلى أن عدم قبول الطلبات الجديدة لا يترتب عنه عدم إمكانية إثارة وسائل جديدة أمام محكمة الدرجة الثانية، كما يمكن للأطراف كذلك أن يتقدموا بوثائق ومستندات جديدة لأول مرة أمام محكمة الدرجة الثانية .

د – الحق في التصدي:

کما تدل على ذلك تسميته، يدخل الحق في التصدي ضمن خانة السلطات التي تتوفر عليها محكمة الإستئناف أكثر من دخوله ضمن الآثار الناتجة عن ممارسة هذا الطعن، ويجد هذا الحق سنده القانوني في مقتضيات الفصل 146 من قانون المسطرة المدنية، ويتيح هذا الحق لمحكمة الدرجة الثانية إمكانية التصدي والبت في كل المسائل المرتبطة بالنزاع إذا ما اعتبرت أنها تتوفر على علم بكافة العناصر الضرورية لذلك.

وفي الحالة المقابلة فإنه يتعين على محكمة الإستئناف أن تكتفي، بعد إلغاء الحكم المطعون فيه ، بإرجاع الملف لمحكمة الدرجة الأولى التي سبق لها البت فيه. ويمكن القول على العموم بأن ممارسة محكمة الإستئناف لحقها في التصدي رهين بالأساس بمدی بت محكمة الدرجة الأولى في موضوع النزاع، وبناء عليه فإن كل النزاعات التي تصدر فيها محاكم الدرجة الأولى أحكاما لا تهم البت في موضوع النزاع، وذلك مثل الأحكام التي تصرح فيها هذه المحاكم بعدم قبول الدعوى من حيث الشكل إذ لا يمكن لمحاكم الدرجة الثانية أن تتصدى فيها.

وعلى ضوء الإجتهاد القضائي الصادر في القضايا التي تهم هذه المسألة، فإنه يمكن القول بأن محاكم الدرجة الثانية لا تتوفر بخصوص ممارستها لحقها بالتصدي على سلطة تقديرية مطلقة، فالتوجه الذي تتبناه بهذا الشأن يخضع لرقابة محكمة النقض.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!