دراسة طبيعة المعاهدات الدولية

طبيعة المعاهدات الدولية

دراسة الجوانب التقنية للمعاهدات

 تثير طبيعة المعاهدات الدولية مجموعة من التساؤلات ترتبط بقوتها الإلزامية وتفسيرها وانقضائها، والإجابة على هذه التساؤلات تتعلق كلها بالحل المقرر بخصوص الطبيعة القانونية للمعاهدات،

المطلب الأول: الطبيعة القانونية للمعاهدات:

 يطرح التساؤل في هذا الإطار حول ما إذا كانت المعاهدة قانونا أو عقدة فقد ذهب بعض فقهاء القانون العام إلى القول بضرورة التمييز هنا بين المعاهدات متعددة الأطراف التي لها طابع القانون والمعاهدات الثنائية التي تكتسي طابع العقد، غير أن هذا القول يظل غير صحيح لأن المسألة وقع فيها خلط ما بين نوعين من العلاقات، من جهة العلاقات بين الدول المتعاقدة ومن جهة ثانية علاقة كل دولة من الدول والأفراد.

الفقرة الأولى: طبيعة المعاهدات في نطاق العلاقات بين الدول :

لا تثير هذه المسألة صعوبات لأن المعاهدة هنا اتفاق يؤدي إلى ترتيب التزامات متقابلة على عاتق الدول المتعاقدة بحيث تلتزم كل دولة بالاحترام التام للمعاهدة.

الفقرة الثانية: طبيعة المعاهدات في علاقات كل دولة متعاقدة برعاياها :

تطرح المسألة هنا مشكلا عويصا يتعلق بتطبيق الاتفاقية في القانون الداخلي فقد لا تكون أحكام المعاهدة متطابقة مع أحكام القانون الداخلي، فهل تعتبر الاتفاقية إذن أعلى من القانون الداخلي؟ فهناك اختلافات ملموسة ما بين وضع وصياغة وضع القانون الداخلي.

 فوضع القانون الداخلي يعود أصلا للسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية لا تملك سوى دورا محدودا في هذا المجال ينحصر في المجال التنظيمي ونشر إصدار القوانين، أما عندما يتعلق الأمر بالمعاهدات فإن الأدوار تنقلب لأن التفاوض بشأنها والمصادقة عليها ترجع مبدئيا للسلطة التنفيذية، غير أن طبيعة المعاهدات التي تبرم في نطاق القانون الدولي الخاص يجب أن تحظى بمصادقة البرلمان التي تضفي طابع الإلزام داخليا ودوليا عليها،

وعلى مستوى التنفيذ فإن المعاهدات تقترب أكثر من المصادر الداخلية، فالاتفاقية لا تكون نافذة في المغرب إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية وفي هذا الإطار نجد أن الفصل الأول من ظهير 6 شتنبر 1958 حول قانون الجنسية ينص على أن “مقتضيات المعاهدات والأوقاف الدولية التي تقع المصادقة عليها والموافقة على نشرها ترجع إلى أحكام القانون الداخلي”.

غير أن بعض أحكام هذا القانون متجاوزة وبعضها يتعارض مع النهج الديمقراطي الذي راهن عليه المغرب والقائم على أساس احترام حقوق الإنسان وتكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة

 سنتناول في هذه الفقرة تعارض ما بين المعادة وقانون داخلي سابق.

 المطلب الثاني: القوة الإلزامية للاتفاقات:

الفقرة الأولى: في التعارض ما بين المعاهدة وقانون داخلي سابق :

تقرر الحلول في مجال التنازع بين القوانين من حيث الزمان في القانون الداخلي بأنه عندما يكون القانون القديم متعارضا مع القانون الجديد، فإن هذا القانون هو الذي يجب تطبيقه، ومن ثم فإن المعاهدة مادامت تتوفر على قوة متساوية على الأقل للقانون الداخلي، يجب أن تطبق بالأولوية على القانون الداخلي، وقد سارت في هذا الاتجاه العديد من الاجتهادات القضائية الفرنسية وهو الاتجاه الذي يسير عليه العمل في المغرب كذلك.

الفقرة الثانية: التعارض بين قانون جديد ومعاهدة سابقة :

يصبح المشكل أكثر تعقيدا بصورة لا يمكن معها الاعتداد بالحل السابق الذي تقرر بشأن التعارض بين المعاهدة وقانون سابق، وقد بذلت عدة محاولات لتوضيح هذه المسألة.

 فعندما يكون القانون الداخلي ساكتا فإنه يعتبر كأنه احتفظ ضمنيا بتطبيق الاتفاقية اللاحقة، فهذا الحل يترك للقانون الداخلي مجالات للتطبيق تبعا للطابع العام الذي يتميز به.

 إن مشكل التنازع بين معاهدة سابقة وقانون داخلي تطرح عدة صعوبات منها: هل يمكن للقاضي الوطني استنادا على معاهدة أن يرفض تطبيق القانون الداخلي؟

المطلب الثالث: تفسير المعاهدات :

يتم التمييز هنا بين مصادر التفسير الدولية ومصادر التفسير الداخلية.

الفقرة الأولى: المصادر الدولية للتفسير:

 عندما تثار صعوبات تتعلق بتفسير معاهدة، فإن الدول الموقعة عليها يمكن أن تبرم اتفاقا حول مدلول بعض المقتضيات الغامضة وهي تتبع في هذا الإطار مسطرة مبسطة للوصول إلى اتفاق بذل اعتماد المسطرة العادية الخاصة عادة بإبرام الاتفاقية ذاتها.

وهذه الاتفاقيات باعتبارها تفسيرا فإنها تسري بأثر رجعي، ومن جهة أخرى فقد تتولى هيئة قضائية دولية عملية التفسير، إذا كانت الدول الموقعة قد أقرت اختصاصها، فالفصل 36 من نظام محكمة العدل الدولية بلاهاي تمنح الاختصاص لهذه الأخيرة التفسير المعاهدات، فهذا التفسير الدولي يكون بالتأكيد مهما من التفسير الداخلي، لأنها تضمن وحدة في التفسير. ومع ذلك فإن التفسير الداخلي هو الذي يتم غالبا اعتماده.

الفقرة الثانية: المصادر الداخلية للتفسير:

 إذا كان المقرر أن السلطة التنفيذية هي التي يوكل لها أمر بإبرام المعاهدات وبالتالي تفسير مقتضياتها فإن التساؤل المطروح يتعلق بمدى إمكانية القضاء في تفسير المعاهدات الدولية.

 فلمدة طويلة لم يكن مجلس الدولة الفرنسي يعترف للقضاء بأي دور في تفسير المعاهدات اعتبارا منه بان هذه المهمة تندرج ضمن نطاق القانون الدولي العام، ومن تم فهو من اختصاص من يوكل له أمر إبرام المعاهدات، غير أن هذا الموقف قد تم التراجع عنه بموجب قرار 29 يونيو 1990 الصادر عن المحكمة الإدارية العليا حيث أصبح بإمكان القاضي الإداري الاعتراف لنفسه بسلطة تفسير المعاهدات ولم يعد محمولا على إلزام الأطراف بالتفسير الحكومي بل إن القاضي لم يعد ملزما بالتفسير الذي يعطيه الجهاز التنفيذي الحكومي والمنشور في الجريدة الرسمية، ولكن هذا الموقف فيه نوع من المغالاة ولذلك نجد بان الغرفة الجنائية لمحكمة النقض الفرنسية تحيل بصورة تلقائية على تفسير الجهاز التنفيذي، أم الغرفة المدنية فإنها تميز ما بين نوعين من الاتفاقيات:

تلك التي تتعلق بالمصالح الخاصة للأفراد والتي ترجع أساسا في تفسيرها للقاضي إلا إذا كان هناك تفسير إداري وتم نشره في الجريدة الرسمية، أما الاتفاقيات المتعلقة بالنظام العام الدولي والقانون الدولي العام فإن أمر تفسيرها يرجع للجهاز التنفيذي؟ ولكن أمر التمييز هنا يثير على المستوى العملي عدة مشاكل الصعوبة إيجاد معیار دقيق للتمييز.

أما في القانون المغربي فإن الفقرة 2 من الفصل 36 من قانون الجنسية ينص على أنه  “وإذا ما اقتضى البث في نزاع قضائي تأويل مقتضيات دولية تتعلق بجنسية يجب على المدعي العام بناء على طلب المحكمة المرفوعة إليها الدعوى أن يطلب ذلك التأويل من وزير الشؤون الخارجية، وإن التأويل الذي يقول به الوزير المذكور يتعين على المحاكم أن تعمل به وينشر في الجريدة الرسمية”.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!