صور و أركان اللامركزية الإدارية

صور و أركان اللامركزية الإدارية

صور اللامركزية الإدارية

أن الإدارة اللامركزية أحدثت اتجاها عالميا كإجراء تصحيحي للمركزية المفرطة التي رافقت بناء الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ولذلك أخدت دول العالم المختلفة تتوسع في هذا الاتجاه منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي عندما أدركت إدارة الموارد وتوفير الخدمات

يصعب حصرها في إدارة مركزية واحدة لها صورتان مرقية و مصلحية من جهة، ومن جهة أخرى اللامركزية إقليمية ومحلية.

الفرع الأول: اللامركزية الإقليمية

اللامركزية الإقليمية وهي توزيع الصلاحيات والسلطات بين مختلف مناطق الدولة الواحدة أو الإقليم الواحد بهدف توصيل وتحسين الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين في مختلف الأقاليم، ولضمان تنفيذ البرامج والخطط والمشروعات التنموية التي ترمي الدولة إلى توزيعها في أقاليمها المختلفة، فهي تهدف إلى خدمة وتطوير كافة الإقليم والسهر على تنفيذ السياسات العامة للدولة فيها

ويعرفها البعض بأنها تنظيم الجهاز الإداري في الدولة بشكل يسمح بتعداد أشخاصها الإدارية على أساس إقليمي، بمعنى أن يخصص في شؤون كل إقليم من أقاليم الدولة وعلى مستوى مصالحه المحلية، وبالنسبة لمجموعة الأفراد الذين يرتبطون بهذا الإقليم، جهاز إداري أو شخص معنوي عام محلي من طبيعة هذه المصالح أو أكثر اتصالا بها ومعرفة باحتياجاتها من الحكومة المركزية ،وعرفا آخرون بأنها تقوم أساسا باعتراف القانون الأعضاء منتخبين من قبل جماعة ذات شخصية معنوية بسلطة اتخاذ القرارات في كل أو بعض الشؤون المحلية وتكون هذه الهيئة مسؤول عن قراراتها، يعهد سلطة البث في بعض الأمور إلى هيئات تتمتع بنوع من الاستقلال اتجاه السلطة المركزية

وما تجدر الإشارة إليه أن البعض من الفقهاء وخاصة المصريين يسمونها باللامركزية الجغرافية ويعرفونها بأنها توزيع السلطة بين أقاليم ومحافظات ومناطق القطر الواحد التي يتمتع بشخصية معنوية تناط بمجلس منتخب ينتخب جميع أو بعض أعضائه من قبل مواطني الإقليم ويكون له صلاحية موضع ميزانية مستقلة واتخاذ القرارات الإدارية المتعلقة بادارة المشروعات والمرافق العامة في حدود ذلك الإقليم أو المحافظة .

أن من أهم سمات ومميزات أجهزة الإدارة المحلية في الدول المتقدمة فمتباينة فيما بينها، ففي النظام الانجليزي والأمريكي يتميز بأنها تمثل اتجاها لا مركزيا واضحا مقارنة بالنظام الفرنسي الذي برز عكس الاتجاه، رغم تقارب هذه الإدارات المحلية في هذه الدول من حيث تمتعها بقدرات فنية ومالية، أما في الدول الاشتراكية فتبرز اتجاها واضحا لا مركزيا مع التزامها بالتخطيط القومي المركزي وتؤكد على المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات ورسم الخطط ضمن حدود صلاحياتها ومسؤولياتها الجغرافية

الملاحظ من كل هذه التعاريف السالفة الذكر أنها تختلف اختلاف الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي ينشا في ظلها ، وكذا يختلف باختلاف نظرة فقهاء القانون الإداري إلى العناصر المكونة لها.

الفرع الثاني : اللامركزية الإدارية المرفقية :

تنشا اللامركزية المرفقية على أساس موضوعي وليس إقليمي، وهي قيام هيئات مستقلة تحدد اختصاصها على أساس وظيفي وتمارس هذه الاختصاصات على مستوى أقاليم الدولة أو بالنسبة لإقليم لعدة أقاليم معينة، وهو ما يعرف بالمؤسسات العامة وهي أسلوب حديث في التنظيم الإداري يستهدف إدارة المؤسسات العامة على أسس تجارية، اقتصادية ، إدارية ، الأمر الذي يقتضي أبعادها عن بعض الإجراءات المتبعة في الجهاز الإداري المركزي

أن بعض شراح القانون الإداري يذكرون اللامركزية الإقليمية و المرفقية ويعتبرون هذه إحدى طرق الإدارة المركزية المباشرة، ومن ثم فان إدارة المؤسسات العامة بهذا الطريق لا تعدو أن تكون مجرد صورة من صور علم التركيز الإدارية

أركان اللامركزية الإدارية

للنظام اللامركزي مقومات نذكر منها:

الفرع الأول: وجود مصالح ذاتية متميزة

 فبعد اعتراف بوجود مصالح محلية متميزة المقوم الأساسي من مقومات اللامركزية الإدارية، لأن فلسفة اللامركزية تنطلق أصلا من ضرورة مشاركة الوحدات في إدارة مصالح خاصة بإقليم معين على اعتبارها أكثر كفاءة وفعالية واستجابة لحاجات المواطنين وأولوياتهم

 الفرع الثاني : تنوع الحاجات العامة :

والتي تقوم الدولة بإتباعها من خلال الإدارة المحلية وهي حاجات عامة تخص كافة أرجاء إقليم الدولة وبالذات كافة الأفراد في مختلف مدن وولايات و أقاليم الدولة ويغلب على هذه الحاجات صفة الوطنية

إلا أن هناك حاجات خاصة أو مصالح ذاتية تخص جزءا من إقليم الدولة أو السكان منطقة معينة دون سواها من المناطق، ويطلق عليها بالمصالح الذاتية تميزا لها عن المصالح الوطنية،  فمن الضروري توافر مصالح محلية تختلف عن المصالح القومية ، فما يهم إقليميا معينا لأنهم بالضرورة الدولة كلها ، ولهذا يجب أن تترك الحاجات العامة للسلطات المركزية لأن ذلك يؤدي لتحقيق المساواة والعدالة والسيطرة بما يترك الحاجات المحلية لهيئات تمثل سكان الإقليم کي تقوم بإشباعها لاعتبارات تتعلق بحيث تقديمهم لهذه الحاجات و شعورهم بأهميتها وضرورة إثباتها.

ولقد وجد صعوبة كبيرة في ترشح معیار فاضل بين المهام الوطنية أو الحاجات العامة من جهة ، ومن جهة ثانية المهام المحلية، فقيل أنه متى اتصلت المهام بإقليم واحد كنا أمام شؤون محلية كشؤون المواصلات والسكن، ومتى كانت تخص المواطنين وكل المناطق فهي شان من الشؤون السلطة المركزية، إلا أن هناك الكثير من الحاجات العامة التي تلبيس الأمر فيها و يثور بشأنها الجدل فيما إذا كانت محلية أو وطنية ، لذلك سنتطرق فيما يلي لأهم المعايير الفاصلة بينهما :

 المعيار الأول تحديد اختصاصات الهيئات اللامركزية :

على سبيل الحصر وهو أن يلجا المشرع إلى تعداد وذكر اختصاصات الهيئات اللامركزية على سبيل الحصر ضمن قائمة بوردها في متن قوانين الإدارة المحلية، وبالمقابل تعتبر المصالح غير المذكورة في القائمة مصالح وطنية ومنه يترتب عليه انه لا يجوز للوحدات المحلية النظر فيها ، واتخاذ القرارات في مسائلها

المعيار الثاني : تحديد اختصاصات السلطات المحلية :

طبقا لقاعدة عامة، يلجا المشرع لوضع معيار عام يوضح بموجبه ما يعتبر اختصاصا محليا ويترك تحديد مضمونه إلى الوحدات المحلية ذاتها مباشرة و تحث إشراف ورقابة السلطة المركزية لذلك يرى بعض الفقهاء أنه فعلا الخط الفاصل بين المصالح المحلية والمصالح الوطنية يمثل خطا رفيعا جدا، أن فكرة المصلحة المحلية هي فكرة نسبية، وفي تطور دائم مستمر من زمان إلى زمان ومن مكان فالاختصاصات الموحدة في دولة ما قد تكون محلية في أخرى ، وكذلك الحال يختلف في مفهوم الشؤون المحلية في نظام سياسي أخره

الفرع الثالث : الاعتراف بوجود هيئات محلية أو مصلحية مستقلة

يعني بهذا الركن أن الهيئات المحلية والمصلحية مستقلة عن السلطات المركزية، وهذا الاستقلال يخول لها حق اتخاذ القرار وتسيير شؤونها بيدها دون تدخل من الجهاز المركزي، ويقتضي لتوافر هذا الركن الاعتراف للوحدة الإدارية الإقليمية أو المرفقية بالشخصية المعنوية ليتم الإعلان الرسمي لفصلها عن الدولة ، وان استقلال الهيئات اللامركزية عن السلطات المركزية يبرز في نواحي عدة منها الاستقلال الإداري والاستقلال المالي.

 أولا :استقلالية الهيئات اللامركزية إداريا

إن الهيئات اللامركزية بمجرد تمتعها بالشخصية المعنوية أو الاعتبارية  تصبح لها استقلاليتها في ظل النظام الرأسمالي، إلا أن التشريع في العادة يلعب دورا مهما في مسالة التفريق بينهما وأهلية أداء تنسجم مع طبيعة الهيئات، مما يخولها القيام بالتصرفات القانونية المختلفة ، بمعزل عن السلطة المركزية وتمثيلها، وبعد الاستقلال الإداري ، من نتائج الشخصية المعنوية ويتحقق عنه صلاحيات عدة من خلال ما يخوله لها القانون تتمثل في :

– إصدار القرارات الإدارية

– البث النهائي في العديد من المسائل دون الرجوع للسلطات المركزية

كما أن من مظاهر هذا الاستقلال وجود أنظمة إدارية خاصة بهذه الهيئات تختلف عن الأنظمة المعمول بها لدى السلطات المركزية كأنظمة الموظفين لاستقطاب الموارد البشرية القادرة على القيام بمهام المسؤوليات بهذه الهيئات

لكن ما يجدر الإشارة إليه أنه قد ثار نقاش بين الفقهاء بخصوص الاستقلال الإداري وأدواته القانونية، فرأى البعض أن استقلال الهيئات المحلية لا يستوجب بالضرورة اختيار العنصر المسير عن طريق الانتخاب بدليل أن المؤسسات العامة تتمتع باستقلالية الأجهزة المركزية رغم أن مسيروها معينون بل الاستقلالية الحقيقية تكمن في الناحية الوظيفية العملية أي نلاحظ فعلا استقلالا للهيئة المحلية عن السلطة المركزية، فالعبرة في ممارسة المهام لا فيما إذا كانت الهيئة المسيرة للمجالس المحلية منتخبة أو معينة .

كما أن هذا الرأي قد أعابوا فكرة الانتخاب واعتبروه ضارا خاصة إذا كان سكان الإقليم لم يبلغوا درجة الوعي السياسي والتأهيل المطلوب لتسيير شؤون الإدارة ، وتنقصهم الكفاءة الإدارية العضوية المجالس المحلية

أما البعض الآخر فيرى استقلال الأجهزة المحلية عن السلطة المركزية يقتضي تطبيق نظام الانتخاب فهو الضمانة الحقيقية والوحيدة لتجسيد الاستقلالية، حين بذلك يقوم سكان الوحدة المحلية باعتبار أعضائهم بأنفسهم، وبهذا الأسلوب يعد الأكثر ديمقراطية من الأساليب الأخرى وأكثر تعبيرا عن إرادة سكان الوحدة المحلية .

 ثانيا :استقلالية الهيئات اللامركزية ماليا

إن الاستقلال المالي أهمية كبيرة جدا باعتبار أنه إذا كانت الهيئات اللامركزية تعتمد في تمويلها على الإدارة المركزية، فان ذلك ينقص من استقلالها خاضعة للسلطة المركزية التي في قدرتها أن تمارس رقابة مشددة على قرارات ونشاطات الهيئات اللامركزية بالضرورة، ولهذا فان استقلال الهيئات اللامركزية ماليا يمكنها من تنفيذ مشاريعها وقراراتها التنموية دون حاجة الموافقة للسلطات المركزية .

الفرع الرابع : خضوع الأجهزة المستقلة المحلية لوصاية و رقابة و إشراف السلطة المركزية

يعتبر استقلال الهيئات المحلية، وعدم تبعيتها السلطة المركزية من الأركان الأساسية التي تقوم عليها اللامركزية الإدارية، ولكن الاستقلال التام أمر غي قائم، لأنه يسبب للدولة العديد من المشكلات كنشوء الكيانات السياسية التي تطالب بالانفصال عن الدولة مما يهدد وحدتها وسلامة أراضيها ،

فصحيح أن السلطة المركزية تخلت عن سلطتها ذات طابع المحلي لصالح الوحدات المحلية، ولكنها احتفت بحق الرقابة و الإشراف عليها، حتى تضمن أنها تسير بالشكل الذي يناسب مع السياسة العامة والمصلحة العامة للدولة، ولهذا فكما لا يمكن تصور المركزية المطلقة لا يمكن أن نتصور وجود اللامركزية المطلقة ولضمان الاستقلال والحد من عيوبه،

ولتحقيق متطلبات الإدارة الجيدة وضعت الهيئات المطلية تحت إشراف ورقابة خاصة تمارسها السلطة المركزية ضمن الحدود التي يرسمها القانون ،فالرقابة والإشراف تتمثل في مجموع السلطات التي يقررها القانون للسلطة المركزية لتمكينها من الإشراف على نشاط الهيئات اللامركزية وأعمالها لضمان مشروعيتها ولتحقيق التنمية بين مختلف أعمالها حماية للمصلحة العامة، فالمقصود بالوصاية الإدارية هو ليس حماية مصالح الهيئات اللامركزية كما هو الشأن في الوصاية المدنية ضمن القانوني المدني، وإنما هو العكس من ذلك حماية

المصلحة العامة، التي تمثلها السلطة المركزية، وتبدو الوصاية من خلال ما تملكه السلطات المركزية من سلطات تمارسها أما على الهيئات الإدارية أو على أشخاصها أو على إعمال هذه الهيئات، وذلك للتأكد من أن تصرفات وإعمال الهيئات اللامركزية تتفق مع القوانين التي تحكمها وفي إطار الغاية، أو الأهداف التي أنشئت هذه الهيئات تطبيقا لقاعدة تخصيص الأهداف .

وما تجدر الإشارة إليه أن الوصاية الإدارية تهدف إلى المحافظة على وحدة الدولة من الناحيتين السياسية والقانونية متى لا تصبح الهيئات اللامركزية دولا ضمن دولة، فانه لا ينبغي أن تكون الرقابة من القوة والشدة، بحيث تفقد الهيئات اللامركزية حريتها في العمل وتقضي على الغرض من إنشاءها، كما ينبغي أن لا يكون من الأضعف بحيث تنحرف هذه المئات من الخط المرسوم لها في سند الإنشاء،

أهداف الحكومة المركزية

كما أن الإشراف والرقابة يمثلان ركيزة من ركائز وجود نظام اللامركزية الإدارية، فان هناك مجموعة من الأهداف التي تستند إليها الحكومة المركزية في ممارسة رقابتها على الوحدات المحلية ومنها :

 – ضمان حسن سير الخدمات المحلية وقيام الوحدات المحلية بتأديتها بقاعدة و فعالية ووضع معيار التنوع ومستوى الخدمات المطلوبة وتقديمها للسكان وتعاون وثيق بين الإدارة المركزية والوحدات المحلية ، كما يكفل لها اكتشاف نقاط الضعف وتعديلها للأحسن.

 – التأكيد على أن الوحدات المحلية تقوم بواجباتها ووظائفها في نطاق الحد الأدنى المطلوب وبدرجة من الكفاءة والفعالية، وذلك من خلال اطلاع الحكومة المركزية على موازنة الإدارة المحلية ، التي تعتبر مؤشرا أساسيا من مؤشرات أدائها العام .

 – تأكيد الوحدة السياسي والإدارية للدولة باعتبار أن الوحدات المحلية نظام فرعي من النظام العام للدولة و أجهزتها .

– التأكيد أن الوحدات المحلية تعمل وفق قوانين والأنظمة التي يصدرها الحكومة المركزية إضافة إلى أن قرارات المجالس المحلية تتطلب الموافقة والمطابقة بهذه القوانين والأنظمة وذلك حماية للمجتمع الحكومة المركزية ، الإدارة المحلية والمواطنين.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!