المحاولة أو الجريمة غير التامة

صور المحاولة أو الجريمة غير التامة

المحاولة أو الجريمة غير التامة

قد يبدو وعلى غير العادة الانطلاق من عنوان إشكالي يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت المحاولة جريمة غير تامة، بل يمكن أن يثور الاستغراب لدى الشخص العادي حول مدى استحقاقها العقاب، إذا ما وقع التسليم بكونها جريمة ناقصة؟

إن المحاولة كجريمة ولو بدون نعت، كانت ولا تزال تطرح إشكاليات دقيقة، سواء على مستوى فرزها عن الأعمال التحضيرية التي غالبا ما تختلط معها في الواقع. أو عن الجريمة التامة نفسها، أو على مستوى من استحقاقها لنقص عقوبة الجريمة التامة

بخصوص موقف المشرع الجنائي المغربي، لا بد من الانطلاق من الفصول التالية الفصل 114 ” كل محاولة ارتكاب جناية بدت بالشروع في تنفيذها أو بأعمال لا لبس فيها، تهدف مباشرة إلى ارتكابها، إذا لم يوقف تنفيذها أو لم يحصل الأثر المتوخی منها إلا لظروف خارجة عن إرادة مرتكبها تعتبر كالجناية التامة ويعاقب عليها بهذه الصفة.

الفصل 115″ لا يعاقب على محاولة الجنحة إلا بمقتضى نص خاص في القانون

الفصل 116 ” محاولة المخافة لا يعاقب عليها مطلقا”

 الفصل 117 ” يعاقب على المحاولة حتى في الأحوال التي يكون الغرض فيها من الجريمة غير ممكن يسبب ظروف واقعية يجهلها الفاعل”

الإختلاف بين المحاولة و الأعمال التحضيرية للجريمة :

لن نرجع لما سبق بيانه بخصوص المراحل التي تمر منها الجريمة. وإن كنا تفضل الحديث عن المشروع الإجرامي- وهي على خمس مراحل، بخلاف ما يذهب إليه أغلبية الفقه المغربي، يكفينا هذا، ونحن بصدد مقاربة التنظيم التشريعي للمحاولة، أن نقف وبكل دقة على تمييزها عن الأعمال التحضيرية.

 قد يعتقد البعض، ولعله موقف بعض الفقه، أن مرحلة التحضير للجريمة تختلف عن مرحلة الشروع في تنفيذها، يكون المرحلة الأولى مادية غير ذهنية، على خلاف الثانية التي تصبح فيها النية الإجرامية مجسدة على مستوى الواقع.

 ونحن من جهتنا نحاول أن نحذر من هذا التبسيط الذي لا يمكن بأية حال أن يخدم مبدأ الشرعية، الذي كما يجب التمسك به بقوة اتجاه الجريمة التامة، ينبغي الحفاظ على ذلك أيضا وبشكل سليم بخصوص المحاولة فالحسم في اتخاذ قرار ارتكاب الجريمة، ووضع خطة لتنفيذ الجريمة في بعض الجرائم. وتهيئ الوسائل لذلك، ليست فقط عملية مادية غير ذهنية، بل هي أيضا محملة بعزم وإصرار على المرور لارتكاب الفعل، وإلا كيف يمكن أن تفسر ظرف سبق الإصرار كظرف مشدد في القتل العمد. ينقل العقوبة من السجن المحدد إلى الإعدام. والذي يضفي على فعل إزهاق الروح، في حالة ارتكابه عمدا خطورة إجرامية أكبر، بالنظر للحالة الإجرامية النفسية والذهنية التي كان عليها الجاني قبل.

 أيضا، المشرع نفسه قد يرتقي بهذه المرحلة, أي مرحلة التحضير – ويجعلها وبنصوص خاصة، محور التجريم  وقد تمثل على هذه الحالات الخاصة، بما ورد في الفصل 293 من مجموعة القانون الجنائي، حيث يذهب المشرع إلى أن ” كل عصابة أو اتفاق، مهما تكن مدته أو عدد المساهمين فيه، أنشئ أو أوجد للقيام بإعداد أو ارتکاب جنایات ضد الأشخاص أو الأموال، يكون جناية العصابة الإجرامية بمجرد ثبوت التصميم على العنوان باتفاق مشترك” .

فالواضح أن المشرع الجنائي، وعيا منه بالخطورة الملموسة التي قد تشكلها الأعمال التحضيرية في بعض الجرائم، خاصة منها الخطيرة، وحثي يضطلع بدوره الوقائي ولاستباقي المطلوب منه في بعض الأحيان، وحتى لا يفرغ التجريم من محتواه في بعض الحالات، يفزع إلى احتواء هذه المرحلة، غير المعاقبة مبدئيا ليشملها بالتجريم. ولربما، بقراءة بسيطة للفصل المجرم التكوين العصابة الإجرامية أعلاه، يتضح مدى ارتباط هذه المرحلة الفارقة بالجانب النفسي أكتر.

صحيح، أن مرحلة الشروع في ارتكاب الجريمة يمكن اعتبارها، ويشكل موضوعي، مرحلة متطورة، بدأ يأخذ فيها المشروع الإجرامي تشكله المادي الملموس على مستوى العالم الخارجي، بحيث تصبح النية الإجرامية كقوة نفسية تدفع وتمضي بالجاني إلى استنفاذ نشاطه الإجرامي إلا أن عملية الفصل بين هذه المرحلة المتطورة، سواء على المستوى المادي أو على المستوى النفسي، والمرحلة التي تسبقها ليست متيسرة في كل النوازل وفي كل الحالات. ولعل هذه الصعوبة هي التي جعلت الفقه يتصدى لها منقسما من أجل ذلك، إلى اتجاهين:

اتجاه موضوعي، يركز على الركن المادي للمحاولة، بحيث يخرج من هذه الأخيرة، كل عمل لا يدخل في التعريف القانوني للجريمة المراد ارتكابها، ولا يعتبر من ظروف التشديد فيها، ويدخله بالتالي في العمل التحضيري.

 و اتجاه شخصي، يعتمد على القصد الجنائي لدى الفاعل، بحسبه ، ينبغي التمييز بين حالة مجرد التفكير في الجريمة، وحالة حصول العزم على ارتكابها بحيث يذهب في الحالة الأولى، إلى اعتبارها من متعلقات العمل التحضيري، بينما يدخل الحالة الثانية في زمرة المحاولة .

عناصر المحاولة

أولا – البدء في التنفيذ :

 لا يمكن للمحاولة أن تقوم من دون بدء الجاني في تنفيذ نشاطه الإجرامي. هذا وإذا كان هذا العنصر لا يطرح مشکلا سوى في إطار التمييز بين المحاولة والأعمال التحضيرية كما مر معنا، فأهميته، تكمن في أنه يمكن القاضي الجنائي من تأسيس حكمه وتحصينه بمبدأ الشرعية، بحيث ليس هناك ما يلزمه على اتخاذ منحى أي من النظريتين أعلاه .

ولعل موقف المشرع المغربي، بخصوص هذه النقطة هو بالوضوح الكافی، فعبارتي ” بدت بالشروع في تنفيذها” “أو أعمال لا لبس فيها “، إنما تعمل على تقييد القاضي الجنائي بخصوصية كل نازلة على حده، ومن دون أن ترسم له مسبقا ما ينبغي اتخاذه من قرار، بالقول بقيام المحاولة من عدمه، خصوصا وأنه اختار، كبقية التشريعات، قيام المحاولة في كل الجنايات، على خلاف الجنح التي رهنها بالنص الخاص واستبعد مطلقا العقاب على محاولة المخالفة. بل إن مساواة عقاب المحاولة مع عقاب الجريمة التامة. الذي لا نتفق معه مطلقا. لتدفعنا في باب المحاولة، إلى إعمال هذه المؤسسة الزجرية ذات البعد الوقائي، لتفعل فعلها إلى جانب بقية المؤسسات التي توصف كذلك

ثانيا- انعدام العدول الإرادي:

لا بد بداية من وضع هذا الشرط في سياقه، بحيث وإلى جانب الدور الزجري الوقائي الذي تلعبه هذه المؤسسة المهمة في القانون الجنائي، فهي تجسد أيضا مدى سماحة المشرع الجنائي، ومدى إيمانه المبدئي بالبعد التخليقي المكرس للقيم المجتمعية.

 فإذا كان المشرع لا يعاقب لا على التفكير ولا على العزم ولا حتى على التحضير لارتكاب الجريمة، فمن باب أولى، أن يفعل هذا المنطق في مرحلة الشروع في التنفيذ أن يفرز اللاعقاب في الحالة التي، وبالرغم من إقدام الجاني على الحسم في قراره بالمضي فيه ماديا، يعدل فيها عن ذلك بمحض إرادته هنا يضمن المشرع والقاضي معه، ولو نسبيا مدى استجابة الفاعل للتمثل السليم لمنظومة القيم المجتمعية واختياره السير وفقها

مع ذلك، قد يطرح الواقع حالات، هي ليست بالوضوح الكافي، بحيث يصعب تكييف العدول فيها سواء بالإرادي وتنتفي معه المحاولة، أو بالاضطراري و تقوم به، وهو ما يطرحه الفقه في صورة إشكال ما يسمى بالعقول المختلط.

 قد يبدو بنظرنا المتواضع أنه من المنطقي تبني بعض الحلول، التي إما أنها تحيل على القضاء يمنحه سلطة تقديرية لتحري العامل الرئيسي الذي كان وراء العدول، هل هي إرادة الجاني أم العامل الأجنبي بتغليب مصلحة المتهم بطبيعة الحال، أو تتساهل بالقول بعدم قيام المحاولة كلما كان الإرادة دور في العدول۔

ونحن من جهتنا، تعيد فتكرر بأن المحاولة جريمة تستحق العقاب، حتما أقل من عقاب الجريمة التامة، ولكن هذا لا يدفع إلى تلقي مواقف مرنة بخصوص تصور قيامها قانونا فالمسألة تتعلق بالتجريم وليس فقط بالعقاب، وباحترام مبدأ الشرعية والمحاولة المجرمة ، حتى تميزها عن المحاولة غير المجرمة بنظرنا المتواضع. تجريم من نوع خاص، والمشرع عند حديثه عن الظروف الخارجة عن إرادة مرتكبها، التي تقف، إما حائلا دون الاستمرار في تنفيذ الجناية أو دون حصول الأثر المتوخی منها، إنما يبحث، وفي إطار المبررات التي أتينا بها أعلاه، في نفسية الجاني وفي الوضعية المادية التي يوجد فيها، عن تعطيل إرادي يحول دون استحقاق الفعل كمال التجريم، أو حتى افتراض وضعية المحاولة، بحيث يصبح من المتعذر قانونا تصور تجريم و عقاب المحاولة أساسا.

صور المحاولة

بالرجوع إلى الفصول المتعلقة بتجريم المحاولة، المشار إليها أعلاه، يمكن القول أن هذه الأخيرة على ثلاثة صور: المحاولة في صورة الجريمة الموقوفة ۔ المحاولة في صورة الجريمة الخائية – المحاولة في صورة الجريمة المستحيلة – وقبل التعرض لهذه الصور الثلاث، يجدر بنا ملاحظة أن خصوصية تجريم المحاولة، وليس عقابها يكمن في احتواء المشرع الحالات بعينها، خطورتها الإجرامية تؤهلها لتلتحق بدائرة التجريم، بالرغم من عدم اكتمال ركنها المادي بمفهومه المعتاد، أي المرتب النتيجة الإجرامية وإن كنا لا نريد الدخول في التعقيدات التي يمكن أن تطرحها علينا بعض الجرائم ذات الطبيعة الخاصة، ونقصد بها حصرا الجرائم الشكلية

المحاولة في صورة الجريمة الموقوفة

لعلها الصورة الإشكال التي يدق فيها التمييز بين المحاولة المجرمة والمحاولة غير المجرمة، ولنا في هذا المقام أن نحسم في هذه التسمية الأخيرة، التي تعتبر مغامرة مطلوبة لتجديد فهم الأسس التي يقوم عليها القانون الجنائي

ولعل وضوح الفهم ينطلق من كون الفقه، في حديثه عن صور المحاولة، يتحدث عن جرائم، وهذا بنظرنا لأكبر دليل على أن المحاولة هي استعمال لتقنية خاصة من تقنيات التجريم، لا تقل شأنا عن تقنية الجريمة التامة وباستحضارنا لما سبق الحديث عنه، نقول عن الجريمة الموقوفة هي الجريمة التي تدخل فيها سبب أجنبي عن إرادة الفاعل ليوقفه عن إتمام الأعمال التي ستوصله إلى النتيجة المتوخاة من ارتكاب الفعل ، كتدخل ضابط الشرطة أو أحدا من الغير، بل وانتباه الضحية نفسها إذا كان هذا الانتباه مقرون بمقاومة من طرفها تكللت بالنجاح إن الأهم في الجريمة الموقوفة هو إيقاف الفاعل رغما عنه، مع صلاحية فعله وكفايته الإحداث النتيجة واستمرار رغبته في ذلك، وإلا كنا أمام محاولة غبر مجرمة، وتتحقق هذه الأخيرة بإيقاف الفاعل لنشاطه بإرادته، مع صلاحية فعله وكفايته لإحداث النتيجة مع غياب السبب الأجنبي عن الإرادة أو تفاهته

المحاولة في صورة الجريمة الخائبة

في هذه الصورة، وعلى خلاف الأولى، يستنفذ الفاعل كل نشاطه الإجرامي ماديا معتقدا أنه سيوصله إلى تحقيق النتيجة الإجرامية المرجوة، ومع ذلك، تتخلف هذه الأخيرة عن التحقق لظروف تخرج عن إرادته فالنتيجة في هذه الصورة ممكنة، والنشاط الإجرامي مكتمل على مستوى الإنجاز، ولم يوقف لا اختيارا من طرف الفاعل ولا اضطراريا لتدخل السبب الأجنبي، ومع ذلك تخيب الجريمة في الجزء المتعلق بتحقق النتيجة الإجرامية لخلل تسبب فيه الفاعل نفسه ومن دون أن يرغب في ذلك.

المحاولة في صورة الجريمة المستحيلة

الجريمة المستحيلة هي الجريمة التي اختل موضوعها لأسباب واقعية يجهلها الفاعل تقابلها الجريمة الوهمية أو التصورية، وهي الجريمة التي ليست كذلك إلا في نظر مرتكبها، من دون أن تدخل في دائرة التجريم التشريعي ولعله بالرجوع لمقتضيات الفصل 117 سالفة الذكر، نجد المشرع المغربي يتحدث عن الأحوال التي يكون الغرض فيها من الجريمة غير ممكن يسبب ظروف واقعية يجهلها الفاعل ” ومن دون التيه في بعض التفصيلات التي اعتمدها بعض الفقه في غير محلها،

الأولى أن نقله إلى المنطق الذي اعتمده الفقه لتجريم هذا النوع الملتبس من الجرائم، فخطورتها الإجرامية ليست مثار جدل لأن الفاعل استنفذ كل نشاطه الإجرامي وتعذر حصول النتيجة الإجرامية هو خارج عن إرادته تماما، و لاستحالة ذلك أيضا ومدام كون هذه الأخيرة. أي الاستحالة لا يرجع للقانون، فلا مناص من التجريم والعقاب، لأن الاستحالة الواقعية هنا، وبحكم جهلها، لم تكن لتغير، لا من اقتناع المشرع باحتواء هذه الوضعية الإجرامية الخطيرة، استجابة لمنطق التجريم نفسه، ولا من استكمال الصور الأحق بتجريم المحاولة، بحيث خارج الصور الثلاث، وهي هندسة تشريعية متكاملة، لا يمكن أن تكون إلا أمام وضعيات إجرامية هشة القيمة، لا ترقى حسب المشرع الجنائي لمستوى التجريم، الشيء الذي يزکی تجرئنا على نعت المحاولة ب “الجريمة الناقصة “، كتقنية الامتداد التحريم لوضعيات لا يمكن التغاضي عنها، والتي ترى لها تكاملا منطقيا مع مفهوم الجريمة التامة، بل ويدعم موقفنا المميز بين المحاولة المجرمة والمحاولة غير المجرمة.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!