صلاحية الشريعة لكل زمان ومکان

صلاحية الشريعة لكل زمان ومکان

صلاحية الشريعة لكل زمان ومکان

كما يؤمن المسلمون جميعا صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وقد دلت على ذلك البراهين القاطعة، من منطق الوحي، ومنطق التاريخ، ومنطق الواقع

ولكن بعض العلمانيين يضيق صدره كلما سمع أو قرأ هذه العبارة المتداولة على السنة المسلمين عامة.

يقول أحدهم، وهو دكتور علماني معروف: «أنا أشك – كثيرا – في أن يكون هناك نص ديني مباشر، يحمل المعني، الذي تفهم به هذه العبارة ، لدى القائلين بها، واعتقد ان التفكير في هذه العبارة بشيء من التعمق، يكشف فيها عن تناقضين اساسيين :

التناقض الأول: يرجع إلى أن الإنسان كائن متغير، ومن ثم ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة،

التناقض الثاني : يرجع الى الحجر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي ، بمعنى أن الله قد وضع للناس، في وقت ما، مما ينبغي عليهم أن يسيروا وفقا لها، إلى أبد الدهر، وأقصى ما يمكنهم أن يتصرفوا فيه

اعتمد العلماني المذكور في رفضه لصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان على أمرين :

خلاصة الأمر الأول: أن الإنسان جوهره التغير، فلا تصلح له شريعة جوهرها الثبات

وهنا أقول للكاتب: لقد أخطأت في القضيتين كلتيهما، فلا الإنسان جوهره التغير، ولا الشريعة جوهرها الثبات.

و حقیقتان كبيرتان :

وقبل أن أبين خطأ الكاتب في دعوييه، أريد أن ألفت النظر هنا إلى حقيقتين كبيرتين:

الأولى : أن منطق الإيمان يرفض رفضا كليا مناقشة ما أثاره الدكتور من دعاوي، فالمسلم الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن إماما لا يتصور منه أن يناقش مبدا صلاحية الشريعة ، التي شرعها له ربه وخالقه، لهدايته وتوجيهه إلى التي هي أقوم، لأن معنى هذا أنه المخلوق يتعالم على الخالق، وأن العبد يستدرك على ربه، وأنه أعرف بنفسه، وبالكون والحياة من حوله، من صانع الكون، وواهب الحياة، وباریء الإنسان.

فالمسلم لا يناقش – بحال – مبدا صلاحية الشريعة ، أو النصوص الإلهية للتطبيق والعمل في كل زمان ومكان، لأن هذا يعني مراجعته للإسلام ذاته ، أهو من عند الله ام لا؟ وهذا أمر قد فرغ منه كل من شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، أيقن بها قلبه، ونطق بها لسانه .

وإذا ثبت النص أمكن مناقشة ما استنبط منه من حکم، اهو من القطعيات المجمع عليها، أم من الظنيات القابلة للاحتمال والاختلاف؟

والحقيقة الأخرى: وهي ما يريده خصوم الإسلام من تشكيك في المسلمات المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، وذكرت ذلك مبينا أن هناك مؤامرة فكرية، تريد تذويب الحدود بين القطعيات والظنيات.

وقلت في الرد على المتلاعبين، الذين يحاولون أن يشككوا في تحريم ام الخبائث:

“إن من أعظم الفتن تحويل الأمور القاطعة إلى أمور محتملة، وجعل الأمور المجمع عليها، أمورة مختلفة فيها،

وهذا يصدق بوضوح على تحريم الخمر، الذي اجمعت عليه الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل، وأصبح معلومة من دين الإسلام بالضرورة، بحيث لا يحتاج إلى مناقشة ولا دليل، کوجوب الصلاة، والزكاة، وكحرمة الزنا، والربا.

ومن الخطر أن تنقاد غافلين للهذامين، الذين يريدون أن يجعلوا كل شيء في الدين – حتى الأصول والضروريات – محل بحث و جدال، وقيل وقال

الإنسان بين الثبات والتغير :

بعد هذا البيان الواجب، أعود متبرعا للرد على مقولة محامي العلمانية : أن الإنسان متغير، والشريعة ثابتة، وهو ما قلت: إنه أخطأ الصواب فيه في القضيتين معا

فالإنسان، فليس صحيحا أن جوهره التغير, قد ينظر هؤلاء إلى إنسان اليوم، وقد قرب البعيد، وأنطق الحديد، وحطم الأزة، ووصل إلى القمر، وزرع القلوب التي في الصدور، والأعين التي في الرؤوس، وأحدث ثورة في البيولوجيا، وصنع العقل الالكتروني (الكومبيوتر)، ويوازنون بينه وبين الإنسان الذي لم يكن يملك إلا رجليه يمشي عليهما، أو دابة يركبها، أو مركبة شراعية يستوي عليه، تتقاذفه الرياح والأمواج، ولم يكن يستطيع علاج نفسه، إلا بالأعشاب والكي بالنار.

أجل، قد ينظر هؤلاء إلى إنسان الأمس وإنسان اليوم، ويقولون : ما أعظم ما تغير الإنسان

ولكن بالرغم من هذا التغير الهائل، الذي حدث في دنيا الإنسان، هل تغيرت ماهيته؟ هل تبدلت حقيقته؟ هل استحال جوهر إنسان العصر الذري عن جوهر إنسان العصر الحجري ؟ هل يختلف انسان اواخر القرن العشرين الميلادي عن إنسان ما قبل التاريخ؟

اسال عن جوهر الإنسان، لا عما يأكله الإنسان، أو عما يلبسه الإنسان، أو عما يسكنه الإنسان، أو عما يركبه الإنسان، أو عما يستخدمه الإنسان، أو عما يعرفه الإنسان من الكون من حوله ، أو عما يقدر عليه من تسخير طاقاته لمنفعته .

سيظل الإنسان – وإن صعد إلى القمر، أو ارتقي إلى المريخ – في حاجة إلى قواعد ربانية تضبط مسيرته، وتحكم علاقته، تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وتحل له الطيبات، وتحرم عليه الخبائث، تلزمه بعمل ما ينفعه، وتجنب ما يضره، تأمره بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر والبغي.

سيظل الإنسان في حاجة إلى تحريم الربا، وتحريم الخمر والميسر، وتحريم الزنى والشذوذ، وتحريم السرقة والرشوة، واكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الظلم بكل صوره وأنواعه.

سيظل الإنسان في حاجة إلى توثيق صلته بربه بإقام الصلاة، وصلته بالناس من حوله، بإيتاء الزكاة، وصلته بالكون بالبحث، والعمارة للارض.

وعلى القائلين ب صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، أن يعترفوا بأن العقل الذي خلقه الله للبشر، والعلم الذي حضهم عليه ، ودعاهم إلى التزود به، هو نفسه الذي كشف عن حقيقة التغير الأساسية، التي لا تفلت منها أية ظاهرة بشرية زين الكاتب غلاف كتابه بهذه العبارة مزهوا بها، وكأنه اكتشف حقيقة كانت غائبة

صلاحية الشريعة بين الثبات والمرونة

أما ما ذكره الكاتب عن الشريعة الإسلامية وأن جوهرها الثبات، فقد أخطأ فيه الحق أيضا،

فإن الإسلام، الذي ختم الله به الشرائع والرسالات السماوية ، أودع الله فيه عنصر الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور، معا،

وهذا من روائع الإعجاز في هذا الدين، وآية من آيات عمومه وخلوده ، و صلاحية الشريعة لكل زمان وكل مكان.

ونستطيع أن نحدد مجال الثبات، ومجال المرونة، في شريعة الإسلام ورسالته الشاملة الخالدة، فتقول:

إنه الثبات على الأهداف والغايات، والمرونة في الوسائل والأساليب. الثبات على الأصول والكليات، والمرونة في الفروع والجزئيات.

الثبات على القيم الدينية والأخلاقية، والمرونة في الشئون الدنيوية والعلمية وربما سأل سائل:

لماذا كان هذا هو شأن الإسلام؟ لماذا لم يودعه الله المرونة المطلقة او الثبات المطلق؟

والجواب: إن الإسلام بهذا، يتسق مع طبيعة الحياة الإنسانية خاصة، ومع طبيعة الكون الكبير عامة فقد جاء هذا الدين مسايرا لفطرة الإنسان وفطرة الوجود .

أما طبيعة الحياة الإنسانية نفسها، ففيها عناصر ثابتة باقية ما بقي الإنسان ، وعناصر مرنة قابلة للتغير والتطور، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

وإذا نظرنا إلى الكون من حولنا، وجدناه يحتوي أشياء ثابتة، تمضي ألوف السنين وألوف الألوف، وهي: أرض وسماء، وجبال وبحار، وليل ونهار، وشمس وقمر، ونجوم مسخرات بأمر الله كل في فلك يسبحون

وفيه – أيضا عناصر جزئية متغيرة، جزر تنشأ، وبحيرات تجف، وأنهار تحفر، وماء يطغى على اليابسة، ويبس يزحف على الماء، وأرض ميتة تحيا، وصحار قفر تخضر، وبلاد تعمر، وأمصار تخرب، وزرع ينبت وينمو، وآخر يذوي، ويصبح هشيمة تذروه الرياح.

هذا هو شأن الإنسان، وشان الكون، ثبات وتغير في آن واحد، ولكنه ثبات في الكليات والجوهر، وتغير في الجزئيات والمظهر.

فإذا كان التطور قانون في الكون والحياة، فالثبات قانون قائم فيهما – كذلك – بلا مراء.

وإذا كان من الفلاسفة في القديم، من قال بمبدا الصيرورة والتغير، باعتباره القانون الأزلي، الذي يسود الكون كله، فإن فيهم من نادي بعكس ذلك، واعتبر الثبات هو الأساس، والأصل الكلي العام للكون كله

والحق أن المبدأين كليهما من الثبات والتغير يعملان معا، في الكون والحياة ، كما هو مشاهد وملموس.

فلا عجب أن تأتي شريعة الإسلام، ملائمة لفطرة الإنسان وفطرة الوجود، جامعة بين عنصر الثبات وعنصر المرونة.

وبهذه المزية يستطيع المجتمع المسلم، أن يعيش ويستمر ويرتقي ، ثابتا على أصوله وقيمه وغاياته، متطورة في معارفه وأساليبه وأدواته

تجليات الثبات و المرونة

نجد الثبات يتمثل في العقائد الأساسية الخمس: من الإيمان بالله ، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهي التي ذكرها القرآن في غير موضع

وفي الأركان العملية الخمسة: من الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وهي التي صح عن الرسول الله أن الإسلام بني عليها.

وفي المحرمات اليقينية : من السحر، وقتل النفس، والزنا، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي يوم الزحف، والغضب، والسرقة، والغيبة والنميمة، وغيرها مما ثبت بقطعي القرآن والسنة.

وفي أمهات الفضائل : من الصدق والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق، التي اعتبرها القرآن والسنة من شعب الإيمان .

وفي شرائع الإسلام القطعية: في شئون الزواج والطلاق، والميراث، والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام، التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، فهذه الأمور ثابتة، تزول الجبال ولا تزول، نزل بها القرآن، وتوافرت بها الأحاديث، وأجمعت عليها الأمة، فليس من حق مجمع من المجامع، ولا من حق مؤتمر من المؤتمرات، ولا من حق خليفة من الخلفاء، أو رئيس من الرؤساء أن يلغي او يعطل شيئا منها، لأنها كليات الدين وقواعده وأسسه،

ونجد – في مقابل ذلك – القسم الآخر، الذي يتمثل فيه المرونة، وهو ما يتعلق بجزئيات الأحكام وفروعها العملية، وخصوصا في مجال السياسة الشرعية .

وقد نقلنا من قبل قول الإمام ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان»:

” الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة مر عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة : كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك, فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني : ما يتميز بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا : كمقادير التعزیرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها حسب المصلحة، وقد ضرب ابن القيم لذلك عدة أمثلة من سنة النبي و سنة خلفائه الراشدين المهديين من بعده، ثم قال :

“وهذا باب واسع، اشتبه فيه – على كثير من الناس – الأحكام الثابتة اللازمة ، التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما”

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!