صلاحية الشريعة لكل زمان ومکان

صلاحية الشريعة لكل زمان ومکان

صلاحية الشريعة لكل زمان ومکان

كما يؤمن المسلمون جميعا بأن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وقد دلت على ذلك البراهين القاطعة، من منطق الوحي، ومنطق التاريخ، ومنطق الواقع

ولكن بعض العلمانيين يضيق صدره كلما سمع أو قرأ هذه العبارة المتداولة على السنة المسلمين عامة.

يقول أحدهم، وهو دكتور علماني معروف: «أنا أشك – كثيرا – في أن يكون هناك نص ديني مباشر، يحمل المعني، الذي تفهم به هذه العبارة ، لدى القائلين بها، واعتقد ان التفكير في هذه العبارة بشيء من التعمق، يكشف فيها عن تناقضين اساسيين :

التناقض الأول:

يرجع إلى أن الإنسان كائن متغير، ومن ثم ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة، والحق أن تغير الإنسان حقيقة أساسية، لا يستطيع إنسان يحترم عقله وعلمه، أن ينكرها، وحقيقة التغير هذه، تحتم أن تكون القواعد، التي يخضع لها متغيرة بدورها، فالعقل البسيط، والمباشر، يأبى أن يكون هناك، في المجال البشري ما يصلح لكل زمان ومكان، ما دام الإنسان ذاته قد طرات عليه تغيرات أساسية في الزمان ، منذ العصر الحجري حتى عصر الصواريخ، كما طرأت عليه تغيرات جوهرية في المكان ، ما بين بيئة الجزر الاستوائية البدائية ، وبيئة المدن الصناعية الشديدة التعقيد.

التناقض الثاني :

 الذي يتصل بالأول اتصالا وثيقا، فهو ان التفسير المباشر لعبارتهم هذه، وهو التفسير الأكثر تداولا بينهم، يعني الحجر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي ، فالمعنى المباشر لعبارتهم هذه هو أن الله قد وضع للناس، في وقت ما، مما ينبغي عليهم أن يسيروا وفقا لها، إلى أبد الدهر، وأقصى ما يمكنهم أن يتصرفوا فيه هو أن يجددوا في تفسير هذا النص أو تأويل ذاك، ولكن الخطوط العامة المسار البشرية اللاحق كله ، مرسومة ومحددة.

والتناقض هنا يكمن في أن أصحاب هذا الفهم يؤكدون، في الوقت ذاته، أن الله قد استخلف الإنسان في الأرض، وكرمه على العالمين، فهل يتمشى هذا التكريم والاستخلاف مع تحديد المسار البشري مقدما، ووضع قواعد يتعين على الإنسان ألا يخرج عنها، مهما تغير وتطور؟ هل يمكن أن يلجا الأب الحريص على رعاية أبنائه وسلامة نموهم العقلي والنفسي، إلى وضع قواعد ثابتة وأوامر محددة، لا يحيدون عنها طوال حياتهم؟

والحق أني ما رأيت مثل الكاتب المذكور في اجترائه على التشكيك في الحقائق القاطعة، يريد أن يحيلها إلى أمور محتملات، قابلة للأخذ والرد، والجدب والشد،

وهذه لعبة ماكرة من لعب العلمانيين وخصوم الإسلام، يحاولون جر الإسلاميين إلى التسليم بها، فتنقلب القطعيات إلى ظنيات، والمحكمات إلى متشابهات .

ومن هذا المنطلق، بشكك الكاتب في وجود نص ديني مباشر، يدل على صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.

يا عجبا! هل يحتاج مثل هذا الأمر الخطير إلى نص جزئي ؟! إن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، وإلا فما معنى أن النبؤة تمت بمحمد، وان الكتب ختمت بالقرآن، وأن الشرائع ختمت بالاسلام ؟!

إذا قال الله تعالى : “كتب عليكم الصيام” أو ” كتب عليكم القصاص” أو ” اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا” أو ” يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين” هل أنزل هذه الأحكام لجيل أو جيلين أو ثلاثة ، ثم يأتي من بعدهم فينسخون ما شرع الله بأهوائهم، ويقولون : هذا قد انتهى أمده؟!

وعند أي جيل تتوقف أحكام الشريعة؟! وما الذي يفرق جيل عن جيل؟!

إن الأصل في أوامر الله وأحكامه هو الثبات والبقاء، حتى ينسخها الله ذاته بشرع آخر، إذ لا يملك بشر سلطة فوق سلطة الله ، حتى يلغي أحكامه ولا شرع الله بعد محمد صلى الله عليه و سلم

إن شريعة الإسلام عامة خالدة ، هذا من القطعيات الضرورية، ولكن الدكتور – بذكائه ودهائه . كثيرا ما يدفعنا إلى توضيح الواضحات، والتدليل على الضروريات

فلنعد إلى مناقشة ما اتكأ عليه من شبهات، يستدل بها على دعواه العريضة .

استدلالات منقوضة :

اعتمد العلماني المذكور في رفضه لصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان على أمرين أثبتناهما، بعبارته بحروفها، حتى لا نتجنى عليه.

خلاصة الأمر الأول: أن الإنسان جوهرة التغير، فلا تصلح له شريعة جوهرها الثبات

وهنا أقول للكاتب: لقد أخطأت في القضيتين كلتيهما، فلا الإنسان جوهره التغير، ولا الشريعة جوهرها الثبات.

و حقیقتان كبيرتان :

وقبل أن أبين خطأ الكاتب في دعوييه، أريد أن ألفت النظر هنا إلى حقيقتين كبيرتين:

الأولى : أن منطق الإيمان يرفض رفضا كليا مناقشة ما أثاره الدكتور من دعاوي، فالمسلم الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن إماما لا يتصور منه أن يناقش مبدا صلاحية الأحكام، التي شرعها له ربه وخالقه، لهدايته وتوجيهه إلى التي هي أقوم، لأن معنى هذا أنه المخلوق يتعالم على الخالق، وأن العبد يستدرك على ربه، وأنه أعرف بنفسه، وبالكون والحياة من حوله، من صانع الكون، وواهب الحياة، وباریء الإنسان.

فالمسلم لا يناقش – بحال – مبدا صلاحية الشريعة، أو النصوص الإلهية للتطبيق والعمل في كل زمان ومكان، لأن هذا يعني مراجعته للإسلام ذاته ، أهو من عند الله ام لا؟ وهذا أمر قد فرغ منه كل من شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، أيقن بها قلبه، ونطق بها لسانه .

إنما يناقش المسلم في بعض الأحكام والجزئيات ؛ هل هي من عند الله أو لا؟ هل صحت نسبتها إلى الله، بأن جاءت في محكم كتابه، أو ثبتت على لسان رسوله

وإذا ثبت النص أمكن مناقشة ما استنبط منه من حکم، اهو من القطعيات المجمع عليها، أم من الظنيات القابلة للاحتمال والاختلاف؟

والحقيقة الأخرى: وهي ما يريده خصوم الإسلام من تشكيك في المسلمات المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، وذكرت ذلك مبينا أن هناك مؤامرة فكرية، تريد تذويب الحدود بين القطعيات والظنيات. وقلت في الرد على المتلاعبين، الذين يحاولون أن يشككوا في تحريم ام الخبائث:

“إن من أعظم الفتن تحويل الأمور القاطعة إلى أمور محتملة، وجعل الأمور المجمع عليها، أمورة مختلفة فيها، وهذا يصدق بوضوح على تحريم الخمر، الذي اجمعت عليه الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل، وأصبح معلومة من دين الإسلام بالضرورة، بحيث لا يحتاج إلى مناقشة ولا دليل، کوجوب الصلاة، والزكاة، وكحرمة الزنا، والربا.

ومن الخطر أن تنقاد غافلين للهذامين، الذين يريدون أن يجعلوا كل شيء في الدين – حتى الأصول والضروريات – محل بحث و جدال، وقيل وقال، وقد أجمع العلماء على أن من أنكر أمرأ معلومة من الدين بالضرورة، ولم يكن حديث عهد بالإسلام، ولا ناشئا ببادية أو ببلد بعيد عن دار الإسلام، فإنه يكفر بذلك، ويمرق من الدين، وعلى الإمام أن يطلب منه التوبة والإقلاع عن ضلاله، وإلا طبقت عليه أحكام المرتدين

ولهذا كان الأصل الا اشتغل بالرد على دعاوي الدكتور المذكور، بالتشكيك في المسلمات المنطقية عند المسلم، ولكني تنازلت عن موقعي الأصلي، واشتغلت بالرد “تبرعا” كما يقول علماء البحث والمناظرة في تراثنا، ومن باب إرخاء العنان للخصم،

الإنسان بين الثبات والتغير :

بعد هذا البيان الواجب، أعود متبرعا للرد على مقولة محامي العلمانية : أن الإنسان متغير، والشريعة ثابتة، وهو ما قلت: إنه أخطأ الصواب فيه في القضيتين معا

أما الإنسان، فليس صحيحا أن جوهره التغير، ويؤسفني أن يصدر هذا من أستاذ فلسفة! إن من يقول ذلك ينظر إلى الإنسان نظرة العوام، الذين يكتفون من الأمور بما يطفو على السطح، ولا تنفذ بصائرهم إلى الأعماق. تتركز أعينهم على الأعراض، ولا يخلصون إلى الجوهر.

قد ينظر هؤلاء إلى إنسان اليوم، وقد قرب البعيد، وأنطق الحديد، وحطم الأزة، ووصل إلى القمر، وزرع القلوب التي في الصدور، والأعين التي في الرؤوس، وأحدث ثورة في البيولوجيا، وصنع العقل الالكتروني (الكومبيوتر)، ويوازنون بينه وبين الإنسان الذي لم يكن يملك إلا رجليه يمشي عليهما، أو دابة يركبها، أو مركبة شراعية يستوي عليه، تتقاذفه الرياح والأمواج، ولم يكن يستطيع علاج نفسه، إلا بالأعشاب والكي بالنار.

أجل، قد ينظر هؤلاء إلى إنسان الأمس وإنسان اليوم، ويقولون : ما أعظم ما تغير الإنسان

ولكن بالرغم من هذا التغير الهائل، الذي حدث في دنيا الإنسان، هل تغيرت ماهيته؟ هل تبدلت حقيقته؟ هل استحال جوهر إنسان العصر الذري عن جوهر إنسان العصر الحجري ؟ هل يختلف انسان اواخر القرن العشرين الميلادي عن إنسان ما قبل التاريخ؟

اسال عن جوهر الإنسان، لا عما يأكله الإنسان، أو عما يلبسه الإنسان، أو عما يسكنه الإنسان، أو عما يركبه الإنسان، أو عما يستخدمه الإنسان، أو عما يعرفه الإنسان من الكون من حوله ، أو عما يقدر عليه من تسخير طاقاته لمنفعته .

سيظل الإنسان – وإن صعد إلى القمر، أو ارتقي إلى المريخ – في حاجة إلى قواعد ربانية تضبط مسيرته، وتحكم علاقته، تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وتحل له الطيبات، وتحرم عليه الخبائث، تلزمه بعمل ما ينفعه، وتجنب ما يضره، تأمره بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر والبغي.

سيظل الإنسان في حاجة إلى تحريم الربا، وتحريم الخمر والميسر، وتحريم الزنى والشذوذ، وتحريم السرقة والرشوة، واكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الظلم بكل صوره وأنواعه.

سيظل الإنسان في حاجة إلى توثيق صلته بربه بإقام الصلاة، وصلته بالناس من حوله، بإيتاء الزكاة، وصلته بالكون بالبحث، والعمارة للارض.

سيظل الإنسان في حاجة إلى رادع يردعه، إن هو تعدى حدود الله ، أو عدا على حقوق الناس، في أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم. وصعود الإنسان إلى الكواكب، وغزوه للفضاء، لا يعفيه من العقوبة، بل ربما يؤكدها، لأن النعم التي تغمره من قرنه إلى قدمه ، والإمكانات المسخرة له بأمر ربه ، لا تجعل له عذرا، بل توجب عليه مزيدا من الشكر لربه، والإحسان إلى خلقه.

إذا ثبت هذا، فلا معنى لقول الكاتب : وإن العقل، الذي توصل إلى أن الإنسان كائن، جوهره التغير، ليس من صنع الشيطان، وعلى القائلين بصلاحية النصوص لكل زمان ومكان، أن يعترفوا بأن العقل الذي خلقه الله للبشر، والعلم الذي حضهم عليه ، ودعاهم إلى التزود به، هو نفسه الذي كشف عن حقيقة التغير الأساسية، التي لا تفلت منها أية ظاهرة بشرية زين الكاتب غلاف كتابه بهذه العبارة مزهوا بها، وكأنه اكتشف حقيقة كانت غائبة

الثبات والمرونة في شريعة الإسلام:

أما ما ذكره الكاتب عن الشريعة الإسلامية وأن جوهرها الثبات، فقد أخطأ فيه الحق أيضا، فإن الإسلام، الذي ختم الله به الشرائع والرسالات السماوية ، أودع الله فيه عنصر الثبات والخلود، وعنصر المرونة والتطور، معا، وهذا من روائع الإعجاز في هذا الدين، وآية من آيات عمومه وخلوده ، وصلاحيته لكل زمان وكل مكان.

ونستطيع أن نحدد مجال الثبات، ومجال المرونة، في شريعة الإسلام ورسالته الشاملة الخالدة، فتقول:

إنه الثبات على الأهداف والغايات، والمرونة في الوسائل والأساليب. الثبات على الأصول والكليات، والمرونة في الفروع والجزئيات.

الثبات على القيم الدينية والأخلاقية، والمرونة في الشئون الدنيوية والعلمية وربما سأل سائل: لماذا كان هذا هو شأن الإسلام؟ لماذا لم يودعه الله المرونة المطلقة او الثبات المطلق

والجواب: إن الإسلام بهذا، يتسق مع طبيعة الحياة الإنسانية خاصة، ومع طبيعة الكون الكبير عامة فقد جاء هذا الدين مسايرا لفطرة الإنسان وفطرة الوجود .

أما طبيعة الحياة الإنسانية نفسها، ففيها عناصر ثابتة باقية ما بقي الإنسان ، وعناصر مرنة قابلة للتغير والتطور، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

وإذا نظرنا إلى الكون من حولنا، وجدناه يحوي أشياء ثابتة، تمضي الوف السنين وألوف الألوف، وهي: أرض وسماء، وجبال وبحار، وليل ونهار، وشمس وقمر، ونجوم مسخرات بأمر الله كل في فلك يسبحون : وفيه – أيضا عناصر جزئية متغيرة، جزر تنشا، وبحيرات تجف، وأنهار تحفر، وماء يطغى على اليابسة، ويبس يزحف على الماء، وأرض ميتة تحيا، وصحار قفر تخضر، وبلاد تعمر، وأمصار تخرب، وزرع ينبت وينمو، وآخر يذوي، ويصبح هشيمة تذروه الرياح.

هذا هو شأن الإنسان، وشان الكون، ثبات وتغير في آن واحد، ولكنه ثبات في الكليات والجوهر، وتغير في الجزئيات والمظهر.

فإذا كان التطور قانون في الكون والحياة، فالثبات قانون قائم فيهما – كذلك – بلا مراء.

وإذا كان من الفلاسفة في القديم، من قال بمبدا الصيرورة والتغير، باعتباره القانون الأزلي، الذي يسود الكون كله، فإن فيهم من نادي بعكس ذلك، واعتبر الثبات هو الأساس، والأصل الكلي العام للكون كله

والحق أن المبدأين كليهما من الثبات والتغير يعملان معا، في الكون والحياة ، كما هو مشاهد وملموس.

فلا عجب أن تأتي شريعة الإسلام، ملائمة لفطرة الإنسان وفطرة الوجود، جامعة بين عنصر الثبات وعنصر المرونة.

وبهذه المزية يستطيع المجتمع المسلم، أن يعيش ويستمر ويرتقي ، ثابتا على أصوله وقيمه وغاياته، متطورة في معارفه وأساليبه وأدواته

فالثبات، يستعصي هذا المجتمع على عوامل الانهيار والفناء، أو الذوبان في المجتمعات الأخرى، أو التفكك إلى عدة مجتمعات، تتناقض في الحقيقة وإن ظلت

لا تعصف بها الأهواء والتقلبات السياسية والاجتماعية ما بين يوم وآخر، وبالمرونة ، پستطيع هذا المجتمع أن يكف نفسه وعلاقاته ، حسب تغير الزمن، وتغير أوضاع الحياة، دون أن يفقد خصائصه ومقوماته الذاتية.

وإن للثبات والمرونة مظاهر ودلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام، وشريعته وتاريخه.

يتجلى هدا الثبات في المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع من كتاب الله ، وسنة رسوله، فالقرآن هو الأصل والدستور، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن، وكلاهما مصدر إلهي معصوم، ولا يسع مسلمة أن يعرض عنه

وتتجلى المرونة في المصادر الاجتهادية التي اختلف فقهاء الأمة في مدي الاحتجاج بها، ما بين موضع وتمضيق، ومقل ومكثر، مثل: الإجماع، والقياس، والاستحسان ، والمصالح المرسلة ، وأقوال الصحابة ، وشرع من قبلنا، .. وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستنباط.

ومن أحكام الشريعة نجدها تنقسم إلى قسمين بارزين :  قسم يمثل الثبات والخلود . . وقسم يمثل المرونة والتطور.

نجد الثبات يتمثل في العقائد الأساسية الخمس: من الإيمان بالله ، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهي التي ذكرها القرآن في غير موضع

وفي الأركان العملية الخمسة: من الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وهي التي صح عن الرسول الله أن الإسلام بني عليها.

وفي المحرمات اليقينية : من السحر، وقتل النفس، والزنا، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي يوم الزحف، والغضب، والسرقة، والغيبة والنميمة، وغيرها مما ثبت بقطعي القرآن والسنة.

وفي أمهات الفضائل : من الصدق والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق، التي اعتبرها القرآن والسنة من شعب الإيمان .

وفي شرائع الإسلام القطعية: في شئون الزواج والطلاق، والميراث، والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام، التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، فهذه الأمور ثابتة، تزول الجبال ولا تزول، نزل بها القرآن، وتوافرت بها الأحاديث، وأجمعت عليها الأمة، فليس من حق مجمع من المجامع، ولا من حق مؤتمر من المؤتمرات، ولا من حق خليفة من الخلفاء، أو رئيس من الرؤساء أن يلغي او يعطل شيئا منها، لأنها كليات الدين وقواعده وأسسه، أو كما قال الشاطبي: ” كلية أبدية، وضعت عليها الدنيا، وبها قامت مصالحها في الخلق، حسبما بين ذلك الاستقراء، وعلى وفاق ذلك جاءت الشريعة أيضا، فذلك الحكم الكلي باق إلى أن يرث الله الأرض وما عليها”

ونجد – في مقابل ذلك – القسم الآخر، الذي يتمثل فيه المرونة، وهو ما يتعلق بجزئيات الأحكام وفروعها العملية، وخصوصا في مجال السياسة الشرعية .

وقد نقلنا من قبل قول الإمام ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان»:

” الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة مر عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة : كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك, فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني : ما يتميز بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا : كمقادير التعزیرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها حسب المصلحة، وقد ضرب ابن القيم لذلك عدة أمثلة من سنة النبي و سنة خلفائه الراشدين المهديين من بعده، ثم قال :

“وهذا باب واسع، اشتبه فيه – على كثير من الناس – الأحكام الثابتة اللازمة ، التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما”

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!