شروط صحة الزواج

إضافة إلى شروط انعقاد الزواج، لا بد من شروط معينة حتى يكون العقد صحيحا نافذا وبالتالي تترتب عليه آثاره، وتتمثل هذه الشروط فيما يلي :

1 – أهلية الزوج والزوجة

2 – عدم الاتفاق على إسقاط الصداق؛

3- ولي الزواج عند الاقتضاء؛

4- سماع العدلين التصريح بالإيجاب والقبول من الزوجين وتوثيقه

5- انتفاء الموانع الشرعية

المطلب الأول : أهلية الزواج

حدد المشرع سنا معينا للمقبلين على الزواج، سواء كانوا ذكورا أو إناثاء كما أنه أجاز إستثناء زواج كل من القاصر والمصاب بإعاقة ذهنية

أولا : تحديد سن الزواج

يعتبر عقد الزواج من التصرفات القانونية التي تحتاج إلى إدراك كامل لما يترتب عليه من آثار، ولذا يجب على العاقد أن يكون بالغا والبلوغ المطلوب هو السن الذي يصبح فيه كل من الرجل والمرأة أهلا لإنجاب الأولاد، غير أن هذا السن يختلف حسب البلدان بتأثير بعض العوامل الجغرافية والبيولوجية، فبينما يبلغ أولاد المناطق القريبة من خط الإستيواء في سن مبكرة ( قبل الخامسة عشرة)، فإن بلوغ أولاد بلدان المناطق الباردة يتاخر لما بعد سن الخامسة عشرة؛ وتجاه هذا الواقع، اعتمدت أغلب التشريعات المدنية والدينية سنا تتجاوز غالبا سن البلوغ الحقيقي، ثم سمحت للسلطة المختصة بالترخيص بعقد الزواج قبل هذا السن بصورة استثنائية إذا ما طلب أحد الخاطبين هذا الترخيص وثبت أنه بلغ فعلا وأن حالته تحتمل الزواج.

وبخصوص البلوغ في الفقه الإسلامي، يرى الفقهاء (ومنهم المالكية) أنه يجوز للأب أن يجبر كل من إبنه الصغير و إبنته الصغيرة البكر على الزواج قبل البلوغ، كما أن الفقهاء لم يحددوا سنا معينا تكتمل به أهلية الزواج، بل اعتمدوا في ذلك على علامات طبيعية وفيزيولوجية كلما ظهرت عند الفتى والفتاة (كالاحتلام، وخروج المني بالنسبة للذكر، وظهور العادة الشهرية لدى الفتاة، وثبات شعر العانة لكل من الذكر والأنثي …).

أما مدونة الأسرة، فإنها لم تعتمد على البلوغ بل تشترط أن يكون الراغب في الزواج متمتعا بالأهلية دون أي عارض من عوارضها، حيث حددت سنا موحدا بالنسبة لكل من الراغبين في الزواج، سواء كانوا ذكورا أو إناثا عندما نصت المادة 19 منها على ما يلي : « تكتمل أهلية الزواج بإتمام الفتي و الفتاة المتمتعين بقواهما العقلية ثمان عشرة سنة شمسية»

طبقا لمقتضيات هذا النص، لا تكتمل أهلية الزواج إلا بيلوغ الفتی والفتاة ثمان عشرة سنة شمسية كاملة، منصرمة ساعة إبرام العقد لا ساعة الدخول، فمدونة الأسرة حددت السنة بأنها شمسية وليس قمرية، كما أن السن القانوني للشخص هو الذي يؤخذ لزوما من دفتر الحالة المدنية عند وجودها ولا يمكن للمحكمة أن تعتبر السن المثبت في أي شهادة سواها.

ثانيا: جواز تزويج القاصر

مراعاة لبعض الأوضاع الإجتماعية، أجاز المشرع القاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه، ولكن المشرع لم يحدد السن الأدني لإمكانية الإذن بالزواج، وهذا الإذن يجب أن يصدر بقرار معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي، ويكون مقرر الاستجابة لطلب الإذن بزواج القاصر قابل للتنفيذ بمجرد صدوره، ويكون غير قابل لأي طعن. أما المقرر بالرفض، فإنه يكون قابلا للطعن طبقا للقواعد العامة، وتكون الجهة المختصة بالبت في هذا الطعن في محكمة الإستئناف.

وبالرغم من تحديد أهلية الزواج بالنسبة لكل من الفتى والفتاة، تقضي مدونة الأسرة بأن الزواج دون سن الرشد القانوني متوقف على موافقة الولي إذا كان القاصر يتيم أحد الأبوين، أو النائب الشرعي (الذي هو الوصي أو المقدم في حالة وفاة الأبوين)، وتتم موافقة الولي بتوقيعه مع القاصر على طلب الإذن بالزواج وحضوره مجلس العقد. أما إذا امتنع النائب الشرعي للقاصر عن الموافقة، فإن قاضي الأسرة المكلف بالزواج يبت في الموضوع

غير أنه في حالة الإذن بزواج الفتى أو الفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 20 من المدونة، فإن الزوجان يكتبان الأهلية المدنية لممارسة كل ما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق وإلتزامات طبقا لما نصت عليه المادة 22 من هذه الأسرة عملا بمبدأ الامتداد التلقائي الأهلية إبرام العقد على ممارسة آثاره، أي يحق للزوجين شخصية – ولو لم يبلغا قانونا سن الأهلية في الزواج – التقاضي ورفع الدعاوی بشان الحقوق والإلتزامات الناتجة عن عقد الزواج، وبعبارة أخرى، أصبح الزواج يرشد الزوج التاصر، سواء كان ذكرا أو أنثي، ولكن في حدود ضيقة، أي في كل ما يتعلق فقط بآثار الزواج

وكيفما كان الحال ونظرا لظروف اجتماعية في البوادي، يجب على المحاكم أن لا تتساهل في منح الإذن بتزويج القاصرة إذا لم يكن سنها يتعدى 16 سنة شمسية كاملة،

ثالثا : زواج المصاب بإعاقة ذهنية

بالإضافة إلى شرط الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 من مدونة الأسرة، يجب على الراغب في الزواج أن يكون متمتعا بقواه العقلية، وكل تصرف قانوني يقوم به الشخص فاقد العقل يسبب الجنون أو العته يعتبر باطلا بطلانا مطلقا ولو تعلق الأمر بعقد الزواج، فالمادة 217 من مدونة الأسرة تعتبر المجنون عديم الأهلية، وبالتالي تكون تصرفاته باطلة ولا تنتج أي أثر، غير أنه في بعض الأحيان، يمكن أن يشكل زواج المجنون أمرا مفيدا في علاجه، مما جعل المشرع المغربي يسمح لقاضي الأسرة المكلف بالزواج – استثناء لما ورد في المادة 1 / 13 – بأن يأذن بزواج الشخص المصاب بإعاقة ذهنية ذكرا كان أم أنثي بناء على طلب يقدم من طرف نائبه القانوني أو من طرفه شخصيا.

وفي هذا الشأن، يلاحظ أن المشرع المغربي لم ينهج سياسة تحسين النسل التي اعتمدت عليها القوانين النازية خلال الحرب العالمية الثانية وكذلك بعض الدول الغربية لحرمان هذه الفئة من البشر من الزواج ، ولكن المادة 23 من مدونة الأسرة تشترط لإبرام هذا الزواج ما يلي:

1- تقديم تقرير حول حالة الإعاقة من طرف طبيب خبير أو أكثر، يحدد فيه نوعية الإعاقة ودرجة خطورتها، مع إمكانية أو عدم إمكانية الزواج

2- إطلاع القاضي الطرف الآخر على هذا التقرير؛

3- وجوب سن الرشد في الطرف الآخر ورضاه صراحة في وثيقة رسمية تدل على موافقته الزواج بالطرف المصاب بالإعاقة، مع تضمين كل ذلك بمحضر رسمي يوقعه.

يتضح مما سبق أن مدونة الأسرة لم تستلزم موافقة النائب الشرعي بالنسبة لذوي الإعاقة الذهنية، ذكورا كانوا أم إناثا، في حين أن هذه الإعاقة قد تعدم التمييز وأن المادة 224 من المدونة تقضي بأن تصرفات عديم الأهلية باطلة. كذلك لم تشر مدونة الأسرة، على غرار ما فعلت بالنسبة للقاصرين، إلى أهلية ذوي الإعاقة الذهنية للتقاضي في حدود العلاقات الزوجية، كما أن نفس المدونة نصت فقط على كون الطرف الآخر راشدا في جميع الأحوال ولا يتصور بذلك زواجه بصاحب إعاقة ذهنية أو بقاصر.

غير أن مقرر الإستجابة لطلب الإذن بزواج المصاب بإعاقة ذهنية يكون قابلا للطعن فيه طبقا للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، ما دام لا يوجد نص بخلاف ذلك، كما أن المشرع لم يحل على مقتضيات المادة 20 من مدونة الأسرة المتعلقة بالإذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 من نفس المدونة.

وليكون عقد الزواج صحيحا ومنتجا لجميع آثاره القانونية، يجب أن يكون كل من الزوجين خلوا من الموانع التي تحول دون إبرام الزواج بين رجل وإمرأة.

المطلب الثاني : الخلو من الموانع الشرعية

تعتبر موانع الزواج قاسما مشتركا بين جميع الشرائع السماوية والنظم القانونية، تتسع وتضيق حسب تصورها لنظام الزواج ودوره في المجتمع، فمنها ما يتصل بالشخص اتصال دوام لا يزول فيكون التحريم إلى الأبد، ومنها ما يتصل بروابط قد تزول فيكون التحريم مؤقتا إلى أمد. فنظام المحرمات يحمي مجموعة من المصالح، منها الديني والإجتماعي والأخلاقي وحتى السياسي، وفي هذا الصدد، تنص المادة 5 / 13 من مدونة الأسرة على إنتفاء الموانع الشرعية في الرجل والمراة معا عند الزواج

وطبقا لمقتضيات هذا النص، يجب ألا تكون المرأة محرمة شرعا على الرجل وألا يكون الرجل بدوره محرما عليها. فالمحرمات من النساء عدة أصناف، حيث لا تحل كل امرأة لكل رجل، ولايحل كل رجل لكل امرأة، بل هناك محرمات بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضاع، كما أن هناك محرمات بسبب الاختلاف في الدين، أو بسبب وجود المرأة في علاقة زواج أو في عدة أو استبراءه ففي الحالة الأولى، يكون سبب التحريم مانعا مؤبدا لا يمكن أن يزول في المستقبل لأن سبب المنع (القرابة أو المصاهرة أو الرضاع) لا يفارق الرجل أو المرأة مدى الحياة بل يلازمه إلى الأبد (المواقع المؤبدة). أما في الحالة الثانية، فالتحريم يكون وقتيا ويزول في وقت من الأوقات بزوال سببه، ولهذا يمنع الزواج مدام سبب التحريم قائما (المواقع المؤقتة).

الفقرة الأولى : المحرمات على سبيل التأبيد

يكون التحريم المؤيد للزواج مدى الحياة نظرا لوجود علاقة غير قابلة للزوال بين رجل وامرأة بسبب قرابة (ناتجة عن الدم) أو مصاهرة (ناتجة عن الزواج أو رضا ع  وبهذا التحريم تحل الخلوة ويمكن للمحرمة أن تسافر مع من حرمت عليه، فالمحرمات مؤبدا تنوعت تبعا لتنوع أسباب التحريم إلى ثلاثة أصناف: محرمات بسبب القرابة، ومحرمات بسبب المصاهرة ومحرمات بسبب الرضاع

أولا : المحرمات بالقرابة

يمنع على الرجل أن يتزوج من امرأة بينه وبينها قرابة معينة، لأن هذا النوع من الزواج لا يتفق مع ما يترتب على الرابطة الزوجية من آثار، كما أنه يؤدي إلى التفريق في القرابة بل إلى قطيعة الرحم المحرم، وقطع الرحم سبب نقصان الحياة. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : “صلة الرحم تزيد في العمر”

واحتراما لرابطة القرابة وحرصا على بقاء صلة الرحم متينة ومستمرة بين الأقارب، حرمت الشريعة الإسلامية وكذا القوانين الوضعية المستمدة منها الزواج بسبب القرابة طبقا لما تقتضيه الفطرة السليمة. فالعلم الحديث اكتشف أن الذكورة والأنوثة من أي كائن (نبات، أو حيوان، أو إنسان) إن وجدت بينهما قرابة، فإن النسل يكون ضعيفا، ولذلك نجد لدى العلماء في ميدان الزراعة و علوم الحيوان إصطلاحا إسمه «الهجين»، أي أنهم يأتون للأنوثة بذكورة بعيدة عنها حتى يكون النسل قويا

فالزواج من الأقارب يؤدي إلى الهزال وضعف بنية الذرية وإنتشار الأمراض الوراثية. فالديانات السماوية الأخرى (اليهودية والمسيحية والقوانين الوضعية الغربية تمنع الزواج بسبب القرابة، كما أن هذا الموقف يزكيه الطب الحديث الذي أثبت أن عوامل الوراثة تجعل النسل المتولد من زوجين بينهما قرابة قريبة نسلا ضعيفا وبالتالي يكون في استعداد لإصابته بالأمراض التي أصيب بها سلفه. فالزواج بين المتباعدين يأتي قويا، والرسول عليه السلام شجع على الاغتراب في اختيار الزوجة عندما قال: ‘لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا”، وقوله كذلك : « اغتربوا لا تضووا »، أي تزوجوا المرأة الغريبة عن القرابة

تقضي المادة 36 من مدونة الأسرة بأن : ” المحرمات بالقرابة أصول الرجل وفصوله وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل وإن علا”

اعتمادا على ما ورد في هذه المادة، تتمثل المحرمات من النساء بسبب القرابة فيما يلي:

1- أصول الرجل من النساء : هي الأم ومن علا، فالتحريم يبدأ من الأم لم يستمر صاعدا ليشمل جميع الجدات، سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم، ومهما علت درجتهن،

2- فصول الرجل أو فروعه (أي كل ما تفرع عنه) : هم البنات ومن سفل، أي بناته وبنات أبناته مهما نزلت درجتهن

3- فصول أول أصول الرجل (أو فروع أبوي الرجل من النساء)، کالأخت وبناتها وبنت الأخ ومن سفل.

4- اول فصل من أصل وإن علا: هي العمات والخالات.

ثانيا: المحرمات بالمصاهرة

على غرار القرابة (أو النسب)، حرمت الشريعة الإسلامية وعلى منوالها مدونة الأسرة الزواج بسبب المصاهرة لأنها قرابة تنشأ بالزواج. فحماية لهذه القرابة من العداوة والبغضاء، وتفاديا كذلك للنزاع بين الأقارب والأصهار، تمنع الشريعة الغراء زواج الرجل من أم زوجته أو من بنت زوجته من غيره أو من مطلقة أبيه وغيرهن من النساء اللاتي تكون بينهن وبين الراغب في الزواج رابطة المصاهرة، مصداقا لقوله الرحمان الرحيم : ” ولا تنكحوا ما نكح اباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة و مقتا وساء سبيلا “

فالإسلام حرم على المسلم الزواج من أم زوجته، كما منع عليه إطلاقا الزواج من الربيبة ( أي بنت الزوجة من زواج سابق انحل بطلاق أو تطليق أو وفاة)، فهذه البنت تكون مع أمها في كنف الزوج الجديد ورعايته حيث يكون هذا الزوج في مقام الأب وبالتالي تأخذ حكم البنت، والشرط الذي يحرمها على زوج أمها (الثاني) أن يكون هذا الأخير قد دخل بأمها، لأن الدخول بالأمهات يحرم الزواج بالبنات.

كما  تقضي مدونة الأسرة بان: المحرمات بالمصاهرة، أصول الزوجات بمجرد العقد، وفصولهن بشرط البناء بالأم، وزوجات الأباء وإن علوا، وزوجات الأولاد وإن سفلوا بمجرد العقد»

فالمحرمات بسبب المصاهرة أربعة أنواع :

أ- أصول زوجة الرجل، أي أمها وجدتها من أي جهة كانت، سواء دخل بزوجته أو لم يدخل بها,

ب- فروع زوجته التي دخل بها، أي بنتها وبنت ابنها وإن سفلن.

د- زوجة فرعه، أي زوجة ابنه وابن ابنه وابن بنته وإن سفل.

ثالثا: المحرمات بالرضاع

انفردت الشريعة الإسلامية من بين الشرائع السماوية الأخرى باعتبار الرضاع من بين الأسباب التي تحرم الزواج على سبيل التأبيد. فالرضاع هو مص الرضيع من ثدي المرأة على وجه تقع به التغذية التي تنبت اللحم وتنشز العظم، أي أن هذه التغذية تقوم بتنميته وتقويته، فبعد أن بين سبحانه وتعالى ما يحرم بسبب النسب، أتبع ذلك ببيان ما يحرم بالرضاع

روى البخاري ومسلم أن الرسول الأكرم لما أريد منه الزواج من ابنة عمه حمزة قال : إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب”، وثبت كذلك عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت قد رضعت من إمرأة أبي اقعيس، فجاء أفلح يستأذن فلم تأذن له وقالت : إنما أرضعتني امرأة أخيه، فلا آذن له حتی استاذن رسول الله، فلما ذكرت ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم : قال : « إيذني له، فإنه عمك »

وبالإستناد إلى هذه النصوص، لا يوجد ثمة خلاف بين الفقهاء في أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب، وهذه قاعدة ثابتة لم يعارض في صحتها أحد، سواء من الفقهاء القدماء أو المحدثين. وعلى غرار ذلك، سارت مدونة الأسرة عندما قضت بأنه : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والمصاهرة»، وما يحرم بسبب الرضاع يكون على الترتيب التالي :

1 – الأم من الرضاع : هي المرأة التي أرضعت الطفل وتعتبر أما له وبالتالي يحرم عليه أن يتزوجها أو يتزوج أمها، أو أم أمها، والأب الرضاعي هو زوج الأم المرضعة الذي كان سبب الحليب الذي رضع منه الطفل

2 – البنت من الرضاع، أي بنت الرجل من الرضاع وهي التي تكون قد رضعت من حليب كان هو سبب وجوده، و ابنتها وإن نزلت، وبنت ابنه رضاعا وإبنتها وإن نزلت.

3 – فروع أبويه الإناث من الرضاع وإن نزلت، أي إخواته رضاعا وبنائهم وإن نزلن، سواء كانت صلتهم من جهة الأب أو من جهة الأم.

4 – فروع أجداده الإناث من الرضاع اللاتي انفصلن بدرجة واحدة، أي عماته وخالاته من الرضاع، أما بنات هؤلاء فهن حل له.

5 -اصول زوجته رضاعا من جهة أمها وأبيها وإن علون، سواء دخل بزوجته أو لم يدخل بها

6-     فروع زوجته التي دخل بها من الرضاع وإن سفلن، تحرم عليه إبنتها رضاعا وحفيدتها رضاعا

7-     زوجات أصله رضاعا وإن علون، دخلن بهن أم لا.

8-     زوجات فروعه رضاعا مهما سفلن، سواء دخل بهن أم لا

وفيما يخص الميراث، فلا يثبت بالرضاع، فالرضيع لا يرث من أسرته المرضعة ولا ترث هذه الأخيرة منه، لأن الحرمة من الرضاع في صيانة النسب الناتج عن العلاقة الرضاعية القائمة بين الرضيع ونسله، وبين المرأة التي أرضعته وزوجها وكذلك نسلهما

– إثبات الرضاع :

 يثبت الرضاع المحرم بواحد من أمرين : الشهادة أو الإقرار.

 أ- الشهادة

اختلف الفقهاء في إثبات الرضاع بالشهادة، فالشافعية لا تقبل أقل من شهادة أربع نسوة لأن الرضاع – مثل الولادة – من الأمور التي لا يطلع عليها عادة إلا النساء. أما الحنفية، فذهبت إلى القول إن الرضاع لا يثبت بشهادة النساء وحدهن بل لا بد فيه من شهادة رجلين عدلين أو رجل واحد وامرأتين، والقول إن الرضاع لا يطلع عليه الرجال مردود بأن المحارم منهم يطلعون عليه.

ويرى فريق آخر من الفقهاء أن شهادة امرأة واحدة مقبولة إذا كانت معروفة بالعدالة (وهو مروي عن عثمان وابن عباس والزهري)، غير أن المالكية تأخذ بثبوت الرضاع بشهادة رجل واحد و امرأة، كما تأخذ بشهادة امرأتين ولكن بشرط إفشاء أمر الرضاع بين الناس قبل العقد لأن الغالب في الرضاع لا يطلع عليه إلا النساء فاجازت المالكية شهادتهن به لهذا السبب، واشترطت كقبول هذه الشهادة الإظهار قبل الزواج لإبعاد التهمة التي قد تلحق الشاهد من وراء هذه الشهادة

ب- الإقرار

يثبت الرضاع المحرم بالإقرار الذي يكون باعتراف الزوجين أو أحدهما بوجود الرضاع بينهما، وقد يكون الإقرار قبل الزواج أو بعده. فإذا أقر الزوج بأن هذه المرأة أخته من الرضاع وصدقته في إقراره، حرمت عليه سواء كان الإقرار قبل الزواج أو بعده، وإن كان الإقرار قبل إبرام العقد، لا يحل لهما الإقدام على الزواج، وإن حصل بعده وجب عليها أن يفترقا وإلا فرق القاضي بينهما.

فإذا ثبت الرضاع المحرم، يكون الزواج باطلا وتصرح المحكمة ببطلانه بمجرد إطلاعها عليه أو بطلب ممن يعنيه الأمر، ويترتب على هذا الزواج بعد البناء الصداق والإستبراء، كما يترتب عليه عند حسن النية لحرق النسب وحرمة المصاهرة، فإقرار الزوجين بوجود مانع الرضاع لديهما يغلي عن شهادة الشهود.

الفقرة الثانية : المحرمات على سبيل التأقيت

إذا كان يمنع على الرجل أن يتزوج من امرأة محرمة عليه تحريما مؤبدا الأن سبب المنع لا يمكن أن يزول في المستقبل)، فيحرم عليه أيضا أن يتزوج من امرأة محرمة عليه تحريما مؤقتا، ولكن في هذه الحالة يكون الزواج ممكنا إذا زال سبب التحريم. فمدونة الأسرة تعرضت لحالات الزواج المحرم تحريما مؤقتا على الشكل التالي :

1 – الجمع بين أختين، أو بين المرأة وعمتها أو خالتها سواء من نسب او رضاع؛

2 – الزيادة في الزوجات على العدد المسموح به شرعا؛

3 – حدوث الطلاق بين الزوجين ثلاث مرات، إلى أن تنقضي عدة المرأة من زوج آخر دخل بها دخولا يعتد به شرعا؛

4 – زواج المطلقة من آخر يبطل الثلاث السابقة، فإذا عادت إلى مطلقها يملك عليها ثلاثا جديدة؛

5 – زواج المسلمة بغير المسلم، و المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية؛

6 – وجود امرأة في علاقة زواج أو في عدة، أو استبراء.

أولا : الجمع بين أختين، أو بين امرأة وعمتها أو خالتها من نسب أو رضاع

 لا يجوز للزوج أن يجمع في آن واحد بين امرأة تكون بينها وبين زوجته قرابة أو مصاهرة أو رضاع، فلا يجوز له أن يجمع بين زوجته وأختها، أو بينها وعمتها أو خالتها، سواء كانت شقيقة للأب أو الأم أو كانتا أختين من الرضاع، فأساس هذا التحريم ينبني على قوله سبحانه وتعالى : “وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف”

ثانيا : الجمع بين أكثر من أربع زوجات

عرف الإنسان التعدد منذ القدم، ليس في الزوجات فحسب، بل كذلك في تعدد الأزواج، فالعديد من المجتمعات عرفت ظاهرة التعدد حيث كانت موجودة عند الأثنيين، والفرس، والبابليين، والآشوريين، والمصريين، كما عرفها الأفارقة واليهود والعرب قبل البعثة المحمدية

ثالثا: حدوث الطلاق بين الزوجين ثلاث مرات

أباحت الشريعة الإسلامية وكذا القوانين الوضعية المستمدة منها حل ميثاق الزوجية بالطلاق كمنفذ في الحالات التي يتعذر فيها استمرار الحياة بين الزوجين، فالطلاق يمكن أن يتكرر مرتين, غير أنه إذا افترق الزوجان للمرة الثالثة، لا يمكن لها أن يستأنفا حياة زوجية جديدة سواء خلال العدة أو بعد انقضائها، لأن المرأة تصبح حينئة بائنة من مطلقها بينونة كبرى وبالتالي تحرم عليه مؤقتا حتى تتزوج غيره.

رابعا : زواج المسلمة من غير المسلم والمسلم من غير المسلمة

يعتبر الاختلاف في الدين مانعا مؤقتا بالنسبة للمرأة حيث لايجوز لها الزواج من غير المسلم، في حين يمكن للرجل المسلم أن يتزوج من غير المسلمة إلا أنه لا يتمتع بحرية مطلقة في اختيار قرينته خارج الأمة الإسلامية

ولكن الاختلاف في الدين لا يعتبر مانعا خاصا بالشريعة الإسلامية، بل يعز من ابرز موانع الزواج في الديانات السماوية الأخرى ( اليهودية، والمسيحية). ففي التوراة، نهى ابراهيم الخليل ابنه إسحاق من التزوج بالكنعانيات لأنهن وثنيات ولذات السبب حظر على بني إسرائيل الزواج من الشعوب الأخرى باعتبار أنها جميعا وثنية. فالديانة اليهودية تمنع زواج المرأة اليهودية من غير اليهودي، وعلى هذا المنوال سار القانون العبري المغربي، بل الأكثر من ذلك، فالنسب يكون من جهة الأم وليس من جهة الأب وبالتالي كل طفل مولود من ام يهودية يكون يهوديا، مما يدفع بالرجل اليهودي خارج دولة إسرائيل إلى الزواج من المرأة اليهودية كيفما كانت جنسيتها حتى يكون ابنهما يهوديا.

وفي نفس السياق، يحرم القانون الكنسي زواج المسيحي الكاثوليكي بمن هو مسيحي غير کاثوليكي عندما كانت الكنيسة تمارس السلطة الدينية والدنيوية في الدول الغربية، غير أن مانع الاختلاف في الدين لم يبق يعمل به في هذه الدول منذ انفصال الدين عن الدولة وتكريس العلمانية لأنه أصبح لكل فرد الحق في الزواج دون الأخذ بعين الاعتبار رابطة الدين؛ فالزواج في الدول الغربية أصبح مدنيا تختص السلطة العامة بإبرامه وليس الكنيسة

أ- تحريم زواج المسلمة من غير المسلم

أجمع الفقهاء على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم كتابيا كان أو مشرکا، ولما كان من أركان الإيمان في الإسلام الإيمان برسل الله السابقين علي رسولنا عليه السلام، فقد رخص سبحانه وتعالى للمؤمنين المسلمين أن يتزوجوا من نساء أهل الكتاب، ولكن العكس غير صحيح حيث لا يجوز لأهل الكتاب ولا للمشركين بالله أن يتزوجوا بالمؤمنات المسلمات لأنهم لا يؤمنون برسولنا محمد .

ب- إباحة زواج المسلم من الكتابية

بخلاف المرأة المسلمة، يجوز للرجل المسلم أن يتزوج من المرأة غير المسلمة، بشرط أن تكون من أهل الكتاب. فمدونة الأسرة اعتبرت الاختلاف في الدين مانعا مؤقتا للزواج من غير المسلمة، ما لم تكن كتابية، فالقرآن الكريم أجاز الزواج من الكتابية ( يهودية أو نصرانية) تبعا لنظرته لأهل الكتاب ومعاملته لهم، فكما أباح مؤاكلتهم أباح مصاهرتهم بزواج المسلم من نسائهم، فالواضح أنه يحرم على المسلم الزواج من امرأة لا تدين بدين سماوي ولا تؤمن بنبي ولا تقر بكتاب إلهي بمعنى يحرم عليه أن يتزوج من امرأة مشركة مصداقا لقوله عز وجل : “ولا تنکحوا المشركين حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم”

فالشريعة الإسلامية – وعلى غرارها سارت مدونة الأسرة – أباحت زواج المسلم من المرأة الكتابية دون أن تكون مجبرة على اتباع عقيدة زوجها المغربي لأنه ليس لأحد أن يجبر آخر بوسيلة من وسائل الإجبار أو الضغط على الإيمان بشيء لم يصل إليه بقلبه وعقله.

وفي هذا الشأن، يقضي الفصل 220 من القانون الجنائي المغربي بأن: « من استعمل العنف أو التهديد لإكراه شخص أو أكثر على مباشرة عبادة ما، أو على حضورها أو لمنعهم من ذلك، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة». فإن ما جاء في هذا الفصل يعتبر تأكيدا لما نص عليه الفصل الثالث من الدستور المغربي الذي يقضي بان الإسلام دين الدولة المغربية، وأن هذه الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شعائره الدينية وتتفق كل هذه النصوص الوضعية مع قوله سبحانه وتعالى: “لا إكراه في الدين”

خامسا : وجود المرأة في علاقة زواج أو في عدة أو استبراء

 1- يحرم على الرجل أن يتزوج من امرأة ما زالت في عصمة آخر لأنها تكون مرتبطة بحق زوجها، وفي هذا الصدد، يقول سبحانه وتعالى : “والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم” ، والمراد هنا بالمحصنات ذوات الأزواج، وهو لفظ عام يشمل كل متزوجة، سواء كانت مسلمة أو كتابية. فلا يحل إذن لأحد أن يتزوج من امرأة الغير ما دامت العلاقة الزوجية قائمة لأن الحكمة من هذا التحريم هي منع الإنسان من الاعتداء على حق الغير وحفظ الأنساب من الاختلاط والضياع

2- يحرم على الرجل أن يعقد على معدة الغير، سواء كانت العدة من طلاق رجعي، أو من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبری، وفي هذا الشأن، يقول عز وجل : “ولا تعزموا عقد النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله” ، فلا يجوز الزواج من امرأة معتدة من طلاق – كيفما كان نوعه- أو من تطليق ما لم تنقض عدتها.

3 – يحرم على الرجل أن يتزوج من امرأة حامل من الزنا ولو كان لأجل سترها من الفضيحة وذلك لكونها زانية .

 4- يحرم على الرجل الزواج من امرأة إذا كانت في استبراء ترتب عن زني أو عن الوطء بشبهة، فالزواج من هذه المرأة يبقى محرما تحريما مؤقتا طالما مدة الاستبراء قائمة، ولا فرق بين المستبرأة من زنی أو من وطء بشبهة والمعتدة إلا في شيء واحد هو أن المطلقة يجوز لمطلقها أن يراجعها داخل العدة إذا كان الطلاق رجعيا، في حين لا يجوز ذلك في المستبرأة (فمن زنی بامرأة ثم أراد أن يتزوجها، فلا بد من الاستبراء)، وتستبرا المرأة بثلاث حيضات إذا كانت تحيض) وثلاثة أشهر (إذا كانت يائسة)، وبوضع حملها (إذا كانت حاملا)،

ولا يجوز في الاستبراء الوطء ولا غيره من الاستمتاع ، فإن عقد عليها ودخل بها، وجب الفسخ دون أن يتأبد التحريم

يتضح مما سبق، أن مدونة الأسرة لم تتطرق إلى بعض الموائع المؤبدة والمؤقتة والتي أقرها الفقه الإسلامي، كحالة الإحرام (يشمل هذا المانع الرجال والنساء على السواء)، ومرض الموت المخوف وكذلك اللعان والوطء في العدة، غير أن هذه الموائع ما زالت قائمة لأن المادة 400 من المدونة تحيل علی المذهب المالكي الذي يكرس حالات الإحرام والمرض الخوف واللعان كموانع مؤقتة ومؤبدة للزواج

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!