سقوط الحق في الحضانة بسبب الأمراض العقلية والجسدية

سقوط الحق في الحضانة بسبب الأمراض العقلية والجسدية

سقوط الحق في الحضانة بسبب الأمراض العقلية والجسدية

إن التشريعات المغاربية للأسرة، قد اشترطت في الحاضن؛ السلامة العقلية والجسدية وفي حالة فقدان هذه القوى، يصبح الحاضن غير مؤهل لممارسة الحضانة، وبالتالي يتم يتم سقوط الحق في الحضانة بسبب الأمراض العقلية والجسدية على الحاضن وينتقل إلى غيره، وهذا ما سوف نتطرق إليه، من خلال التشريعات المغاربية

وهذا ما تعرض له قانون الأسرة الجزائري في المادة 62 و 67، وفي مدونة الأسرة المغربية في المادة 173، وما أكدت عليه المجلة التونسية في فصلها 58 و 64

الفرع الأول : موقف المشرع الجزائري من سقوط الحق في الحضانة بسبب الأمراض العقلية والجسدية

فمن شروط الحضانة، المذكورة في المادة 62:هشي الخلو من الأمراض العقلية والجسدية، وبالتالي لا بد للمرشح للحضانة أن لا يكون مجنونا أو معتوها، ففاقد الشيء لا يعطيه،

وأن لا يكون عاجزا بسبب المرض أو الهرم، فإذا اختلت الشروط المنصوص عليها في المادة62 من قانون الأسرة المتعلقة بأهلية الحاضن، والتزاماته المتعلقة بالحضانة يسقط حقه فيها ، هذا ما أكدت عليه المادة 67 من ذات القانون، بقولها: ” تسقط الحضانة باختلال أحد الشروط المنصوص عليها في المادة 62 أعلاه…، غير أنه يجب في جميع الحالات؛ مراعاة مصلحة المحضون”

ومن خلال هذه المادة، نلاحظ أنها جاءت عامة، و قد نصت عن حالات عدم تأهيل الحاضن، والتي يستند عليها الحكم الذي يقضي، بإسقاط الحضانة، تاركة الأمر للتحليل والتفصيل والتأويل، لسلطة القاضي التقديرية

وقد قضت المحكمة العليا، في قرارها المؤرخ في: 1988/ 11 / 07 أنه من المقرر شرعا، أن إسقاط الحضانة لا يكون إلا لأسباب جدية واضحة، ومضرة بالمحضون ومتعارضة مع مصلحته، ومن ثم فإن النعي على القرار المطعون فيه بمخالفة الأحكام الشرعية في غير محله، ولما كان ثابتا في قضية الحال، أن المجلس القضائي لما تضی بإبقاء حضانة الولد لأمه باعتبار أن الأب لم يثبت إهمال الأم لولدها ، يكون قد طبق القانون تطبيقا صحيحا ” كما أكدت أن تخلف شرط القدرة، يؤدي إلى إسقاط الحق في الحضانة، حيث الحاضنة فاقدة للبصر

وما ينبغي توضيحه هنا، أن سقوط الحق في الحضانة، يتعلق في قضية الحال بأي شلل جسدي جزئي أو كلي، أو ذهاب القوة العقبة، أو مرض معدي ، أي بجميع الأمراض التي تؤثر على قدرة العمل بشكل يعجز معه الحاضن من العناية بالطفل، ورعايته

 وقد أصدر في هذا الشأن، مجلس قضاء تلمسان في: 1979 / 01 / 15 قراره الذي يقضي بإسقاط الحضانة عن الجدة العاجز جسديا في قوله:”حيث أن القضاة غير ملزمین بتعيين المساعدة الاجتماعية، واستنتجوا من الخبرة ان الجدة صحيحة العقل مريضة البدن وهي ليست بقادرة على الحضانة”

والقاضي الجزائري، عرض من خلال الأحكام والقرارات الصادرة عنه، على التثبت، من اكتمال شروط الإسقاط للقول به، وفي هذا الصدد تعتبر مصلحة المحضون في المنظور لها بالدرجة الأولى، وهي المعيار الوحيد والرائد الأساسي

ومن هنا نجد أن المحكمة العليا، قد أسقطت الحضانة على الجدة، العاجزة جسديا يسبب فقدانها بصرها، وهذا ما قالت به المحكمة العليا بتاريخ: 1984 / 07 / 09 على أن: المريض الضعيف القوة لا حضانة له، وكذلك الأعمى والأخرس والمقعد، والحاضنة هنا فاقدة البصر، ومن ثم فلا حضانة لها لعجزها عن القيام بشؤون أبنائها، ومن ثم فإن القرار المطعون فيه، بإسنادهم الأولاد لها وهي على هذا الحال، قد حادوا على الصواب، وخالفوا القواعد الشرعية، مخالفة يتعين معها تقضي قرار فيها”

وحتى تقول بأن الحاضن عاجز على القيام بواجباته، تجاه المحضون، لا بد من إثبات ذلك العجز، حتى يكون دليل وبينة، يقرر من خلالها القاضي إسقاط الحضانة على من أسندت إليه ويختار غيره.

ومن الإشكالات التي ترك المشرع فيها فراغا تشريعيا، هي قضية تحديد سن معينة كحد أقصى للحاضن، وبناء عليها، نجد أن القضاء الجزائري قد أسقط الحضانة على الكبير المسن، دون التأكد من عجز هذا الأخير بواسطة الشهادة الطبية المثبت لذلك.

 وهذا ما نجده من خلال القرار الصادر عن المحكمة العليا بتاريخ: 1968/ 05 / 15 بقولها: “من المقرر شرعا، بان الحكم بالحضانة، يجب أن يراعي مصلحة المحضون، وكذا مراعاة شروط جدية تكون متوفرة في الشخص الذي يكلف بالحضانة ومن جملتها أن تكون الحاضنة غير مسنة .. حال وقد تراجع القضاء على هذا القرار بعد ذلك، في قرار لاحق يقوله:”…كبر السن بدون عجز لا يبرر إسقاط الحضانة “

 الفرع الثاني: موقف المشرع المغربي من سقوط الحق في الحضانة بسبب الأمراض العقلية والجسدية

 وبالرجوع إلى نص المادة 173 من المدونة المغربية، والقائلة في الفقرة الثالثة، بأن من شروط الحاضن: “.. القدرة على تربية المحضون، وصيانته ورعايته دينا وصحة وخلقا و علی مراقبة تمدرسه”

والملاحظ على هذه المادة أنها لم تجب بصفة دقيقة وواضحة، على مدى توفر السلامة العقلية والجسدية، ومما يفهم من هذا النص أنه لا يسقط الحق في الحضانة بمجرد إصابة الحاضن يمرض عارض، فلا يعتد به، لأنه لا يتعارض ومصلحة المحضون والتي من خلالها تستند الحضانة له، أو تسقط عليه، لأن كل ما في الأمر أنه يجب أن يكون العجز الذي يصاب به الحاضن سواء كان عقلي أو جسديا ، منافيا لصيانة حقوق المحضون ومهددا لمصالحه

وهذا ما قال به القضاء المغربي في أحكامه وقراراته؛ إذ قضت المحكمة الابتدائية بوجدة لصالح الأب سقوط الحضانة عن الجدة لكبر سنها، حيث جاء في حيثيات الحكم : “…أنه جاء في الفصل 98، من م أ ش في الفقرة الرابعة منه، في استعراض شروط الحضانة، إذ من شروطها القدرة على تربية المحضون وصيانة صحيا وخلقيا، وحيث أن الجدة في هذا السن المتقدم (من مواليد 1922)، تكون هي نفسها محتاجة لمن يتولى خدمتها، لا أن تقوم بخدمة أحفادها، وتتحمل الأتعاب التي تقتضيها حضانتهم، مما ترى معه المحكمة أنها بذلك غير صالحة للحضانة “

 وهذا وفقا لما جاءت به الشريعة الإسلامية، وقد جاء في القوانين الفقهية لابن جزي أن الحضانة تسقط بضرر في بدن الحاضن، كالجنون والجذام والبرص

حيث يرى بعض الفقهاء، أنه لا يجوز للحاضنة أن تستمر في حضانتها إذا حال دون ذلك مرض معدي يخشى انتقاله

 وحتى يحكم القاضي بإسقاط الحضانة عن الحاضن، لا بد من شهادة طبية تثبت المرض الخطير أو العجز الذي يتعارض ومصلحة المحضون وفا قد سار المشرع المغربي مع المشرع الجزائري

وهذا ما أكده الأستاذ الخمليشي، عند تفسيره المدونة المغربية للأحوال الشخصية بقوله: فالأمراض المعدية، والمؤدية للمحضون، لا جدال في وجوب اعتماد الخبرة الطبية في شأنها

 الفرع الثالث: موقف المشرع التونسي من سقوط الحق في الحضانة بسبب غياب السلامة العقلية والجسدية

اشترط المشرع التونسي، في مجلة الأحوال الشخصية السلامة العقلية والجسدية على غرار المشرع الجزائري والمغربي، وهذا من خلال الفصلين 58 و 64 منه، فتنص المادة 58 على أنه يشترط في مستحق الحضانة، أن يكون مكلفا امينا قادرا على القيام بشؤون المحضون، سالما من الأمراض المعدية… اعتبار لمصلحة المحضون.

وينص في الفصل 64: ” يمكن لمن عهدت إليه الحضانة، أن يسقط حقه فيها، ويتولى الحاكم في هذه الصورة، تكليف غيره بها”.

وهذه النصوص يعتريها بشيء من الغموض، وهذا ما سوف نوضحه من خلال تطبيقات القضاء،

إذ تعرضت محكمة التعقيب التونسية، في قرارها الصادر بتاريخ: 1973 / 07 / 07 إلى قضية تتلخص وقائعها في أن ولي المحضونة تقدم بدعوى، على أساس أن الجدة الحاضنة أصبحت عاجزة عن القيام بمهامها ، وقضت فيها بأنه:” للمحكمة حق إسناد الحضانة للجدة، إذا رأت في ذلك مصلحة المحضون، وليس للوالد أن يعارض هذا الحكم إلا بأسباب يقيم الدليل على صحتها”

وعلى غرار المشرع الجزائري، نقول بأن المشرع التونسي في مفهومه للمرض العقلي والعجز الجسدي، ليس محل إطار ولا مفهوم على وجه الدقة، بل يحرص القاضي التونسي كما هو القاضي الجزائري، على الثتبث من توفر الشروط لإسقاط هذا الحق، على من أسندت إليه من قبلها، وذلك راجع للأخذ بمصلحة المحضون فوق كل اعتبار

وفي هذا نجد قرار أخر لمحكمة التعقيب التونسية، في قولها: أن الشهادة الطبية المدعي فيها، والتي تفيد أن أب الإبن تعرض لنوبات عصبية، فإن ذلك المرض لم يكن أثناء نظر القضية، بل سابقها لها من جهة، ومن جهة أخرى، أنه لا يعد من الأمراض المانعة من استحقاق الحضانة

فالحضانة حسب المشرع التونسي، على غرار التشريعات المغاربية الأخرى، لم تشرع من أجل الإضرار بالمحضون، ولا يمكن أن تكون له مورد للهلاك والضياع، بل هدفها يصبوا إلى حماية الصغير ورعايته، والسير على حفظه صحة وخلقا

المراجع :

– حمیدو زكیة،”مصلحة المحضون في القوانین المغاربیة – دراسة مقارنة 2005

– حسین عزیزة، الحضانة في قانون الاسرة، رسالة ماجستیر 2011

– بن عصمان نسرین إناس، ” مصلحة الطفل في قانون الأسرة الجزائري”، رسالة ماجستیر

– أحمد نصر الجندي، شرح قانون الأسرة الجزائري 2014

– أحمد نصر الجندي، شرح قانون مدونة الأسرة المغربیة

– بن حواء الأكحل ، نظریة الولایة في الزواج في الفقه الإسلامي والقوانین العربیة – رشدى شحاتة ابو زید، شروط ثبوت حق الحضانة في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصیة

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!