ركن الضرر

ركن الضرر للمسؤولية التقصيرية

ركن الضرر

ركن الضرر هو الركن الثاني للمسؤولية التقصيرية، فلا لتحقق المسؤولية أن يقع خطأ، بل يجب أن يحدث الخطأ ضررا … والمضرور هو الذي يجب أن يثبت وقوع الضرر به، وتلك واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق، ومنها البينة والقرائن

وقد يكون الضرر ماديا وقد يكون معنويا، وبالإضافة إلى ذلك فإن كلمة مسؤولية تعني الالتزام بالتعويض، ويقدر التعويض بقدر الضرر وبانتقائه تنعدم المسؤولية ولا محل للتعويض، فهي تدور معه وجودا وعلما ولا تنهض المسؤولية بدونه، فلا دعوی بلا مصلحة.

وقد اختلف الباحثون في عدد الشروط أو صفات الضرر القابل للتعويض فاقتصر البعض على أن يكون ركن الضرر محققا، ثم أضاف إليه البعض الآخر شرطا ثانيا هو وجوب أن يصيب الضرر حقا أو مصلحة مشروعة، وقد استبعد البعض عمدا الشرط الذي يقضي أن يكون الضرر مباشرا لأنه بذلك يدخل ضمن بحث رابطة السببية بين الخطأ والضرر

وقد أدخل البعض من الشراح شرطين أخرين هما : أن يكون الضرر شخصيا لمن يطالب به وألا يكون قد سبق تعويضه لذلك سندرس كلا من هذه الشروط في فرع مستقل .

الفرع الأول : أن يكون ركن الضرر محققا

ومؤدى ذلك أن يكون ركن الضرر الذي ادعي به ثابتا على وجه اليقين والتأكيد بحيث يقتنع القاضي من أن طالب التعويض سيكون في وضع أفضل لو لم يرتكب المدعى عليه الفعل الذي ترتبت عليه مسؤولية سواء كان هذا الضرر حالا أو بأن يكون قد وقع فعلا أو سيقع حتما ما دام أمر كل منهما أصبح محققا .

أما إذا كان هذا الضرر لا يمكن تقديره فقد يرجع ذلك إلى أن ركن الضرر يتوقف تقديره على أمر لا يزال مجهولا، فالضرر المستقبل ضرر تحقق سببه وتراخت آثاره كلها أو بعضها إلى المستقبل .

الفرع الثاني : أن يكون الضرر شخصيا لمن يطالب بتعويض

وينصرف القصد في هذا الشرط الى أنه إذا كان طالب التعويض هو المضرور أصلا فيجب عليه أن يثبت ما أصابه شخصيا من ضرر وإذا كان طلب التعويض بصفة أخرى فالإثبات يكون للضرر الشخصي لمن تلقى الحق عنه من خلال صلة قربي شرعية أو صلة رحم

والمضرور كلمة عامة تحمل في طياتها كل من أصابه ضرر ويعتبر كذلك “أي مضرور” المجني عليه نفسه أو أولاده الذين يعيشون معه «أي في كنفه» أو والديه أو زوجته … الخ.

إذ أن الضرر بالنسبة لهؤلاء جميعا شخصي لأنه سيؤدي حتما إلى تغيير مجرى حياتهم من الناحية المادية والبدنية والأدبية . وإذا كان القانون الفرنسي لم يضع حدا للأقارب الذين من حقهم المطالبة بالتعويض ويترك تقدير من أصابه ضرر من أسرة المجني عليه أو أقاربه إلى حرية قاضي الموضوع في التقدير

وبرأي البعض أن الضرر يكون شخصيا عندما يكون هذا الضرر قد أصاب الشخص المدعي نشوء حق التعويض في ذمته واعتبر ذلك متحققا أيضا بالنسبة للأضرار المرتدة عن الضرر الأصلي إذ يعتبر الضرر المرتد ضررا شخصيا لمن ارتد عليه ومتحققا أيضا حتى ولو كان الشخص المتضرر شخصا معنويا إذا يتساوى في هذه الناحية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي ،

 فمن حق الجماعات المختلفة أن تحمي مصالحها الجماعية وأن تدفع عنها الاعتداءات ومن حقها أيضا المطالبة بالتعويض عما يصيب مصالحها من اضرار بشرط أن تتمتع هذه الجماعات بالشخصية المعنوية وأن يكون لها كيان قانوني، فيكون حكمها حكم الشخص الطبيعي بما له من أهلية الوجوب وأهلية الأداء

الفرع الثالث : أن يكون الضرر مباشرة

ويشترط في الضرر أن يكون مباشرة فلا يقضي بتعويض إلا بقدر الضرر الواقع فعلا . من هنا كان الفصل بين الأضرار المباشرة والأضرار غير المباشرة، فلم تدخل الأضرار غير المباشرة في حساب التعويض لا في المسؤولية التقصيرية ولا في المسؤولية العقدية

لذلك فإن القانون الفرنسي لا يدخل الضرر غير المباشر في حساب التعويض لا في المسؤولية التقصيرية ولا في المسؤولية العقدية  “المادة 1151 ” من القانون المدني الفرنسي بالنسبة للمسؤولية العقدية وقياسا عليه في المسؤولية الجرمية

لذلك اعتبر الدكتور السنهوري «أن الضرر المباشر هو نتيجة طبيعية للخطأ الذي أحدثه الدائن إذا لم يكن في استطاعته أن يتوقاه ببذل جهد معقول، وهذا معيار يجمع بين الدقة والمرونة ومن اليسير تأصيله بأن المضرور إذا لم يبذل جهدا معقولا في توقي الضرر يكون هو أيضا قد أخطأ ومن ثم يوجد خطأ مشترك وعلى المضرور أن يتحمل تبعة خطأه بتحمل الأضرار التي تنجم من هذا الخطأ» .

وأكد البعض اختلاف المسؤولية الناشئة عن جرم أو شبه جرم عن المسؤولية العقدية، أما من الثانية فلا يكون التعويض إلا عن الضرر المباشر المتوقع فيما عدا الغش”، وقد أكدت المادة 134 من قانون الموجبات والعقود في فقرتها الثالثة على أن الأضرار غير المباشرة لا يسأل عنها الفاعل إلا إذا كان لها اتصال واضح بالجرم أو شبه الجرم.

الفرع الرابع : أن لا يكون الضرر قد سبق تعويضه

إن حصول المتضرر على التعويض يدل على أن الضرر قد زال وانمحي ولا يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض مرة أخرى وبالرغم من سهولة هذا المبدأ فقد أثيرت مسألتين لا يمكن التغاضي عنهما وهما:

المسألة الأولى : وتتعلق بحالة إذا لم يكن التعويض الذي حصل عليه المتضرر کاملا وهذا يستدعي إعادة النظر في تقدير التعويض عند تفاقم الضرر فقد أجيز للمتضرر عندها المطالبة بتعويض تكميلي .

المسألة الثانية : وهو ما يطلق عليه عادة مشكلة الجمع بين التعويضات، وتثور هذه الحالة عندما تمنح الإصابة للمتضرر حق الحصول على مبلغ من المال فهل يجوز لهذا المتضرر أن يطالب أيضا محدث الضرر بالتعويض ،

القاعدة أنه لا يجوز الجمع بين عدة تعويضات عن نفس الإصابة وفي حالة تعدد محدثي الضرر فللمتضرر حق مطالبة أي منهم بالتعويض الكامل فإذا حصل عليه لم يعد بإمكانه مطالبة الأخرين بأي شيء،

ولكن المسألة تدق عندما يثور الشك حول طبيعة المبلغ الذي يحصل عليه المتضرر وفيما إذا كان يجوز اعتباره تعويضا فإذا جاز اعتبار المبلغ تعويضا سقط حق المتضرر في الحصول على تعويض أخر، وإن لم يكن الأمر كذلك بقي المتضرر محتفظا بحقه في مطالبة محدث الضرر بالتعويض . إن أوضح ما تظهر به هذه المشكلة هي عندما يكون الشخص مؤمنا على حياته لمصلحة ورثته فيتسبب شخص بخطئه في قتله، فتقوم شركة التأمين بدفع مبلغ التأمين لورثة القتيل . فهل يجوز لورثة القتيل فوق هذا أن يطالبوا محدث الضرر بتعويضهم أيضا عن الضرر الذي أصابهم ؟

يقول البعض في ذلك: الغالب في هذه الحالة أن مبلغ التأمين يقل كثيرا عما يجب تقديره للضرر، إذ أن شركة التأمين لا تدفع إلا المبلغ المحدد في البوليصة بغير أية موازنة بينه وبين ما حدث من ضرر .

ولكن هل تستطيع شركة التأمين الرجوع على محدث الضرر بالتعويض, فلا شك بأنه في الحالات التي يجوز فيها للمتضرر الجمع بين التعويض الذي تدفعه له الشركة والتعويض الذي يحصل عليه من محدث الضرر لا يجوز للشركة أن تطالب المسؤول بالتعويض وإلا أدى ذلك إلى قيام محدث الضرر بالتعويض مرتين عن نفس الضرر، أما في الحالات التي لا يجوز فيها الجمع بين التعويضات، فإن رجوع الشركة على محدث الضرر يعتبر أمرا طبيعيا لأنها تحل محل المتضرر في حقوقه قبل محدٹ الضرر في حدود ما دفعته لهذا الأخير

ومن الصعب علينا أن نقبل مطالبة شركة التأمين المحدث الضرر بتعويض الفرق بين ما دفعته للمؤمن له وهو مبلغ كبير وبين ما قبضته من أقساط لأن الشركة لم تصب بضرر أصلا لأنها عندما أبرمت العقد مع المؤمن له، قد وضعت في صلب احتمالاتها “المخاطر” ووزعت ذلك على المؤمن لهم بالإضافة إلى أنه لم يغب عن ذهنها تحقيق الأرباح من ذلك، فلم يكن خطأ الغير هو الذي جعل التأمين ينفذ وإنما طبقت الشركة عقدا قد قبلته بملء رضاها ولكنه معلق على حدوث الضرر .

الفرع الخامس : أن يكون الضرر ماسة بحق ثابت ووجوب مصلحة مشروعة

لمساءلة المعتدي يجب أن يمس اعتداؤه حقا ثابتا يحميه القانون لأن القانون يحمي الحقوق ويصونها ويوجب التعويض في حال الاعتداء عليها، لذلك تردد بأن يكون الضرر ماسا بحق مكتسب أو على الأقل مصلحة مشروعة يحميها القانون :

ويقصد بذلك، أن تكون هناك علاقة قانونية بين المتضرر وبين طالب التعويض حتى يتسنى لهذا الأخير الحق فيطلب التعويض وهذه المشكلة تظهر في الغالب عندما يقتل شخص بحادث فيطالب شخص آخر بالتعويض عن الضرر الذي أصابه شخصيا نتيجة لحرمانه من المعونة التي كان يتلقاها من القتيل

ففي فقد الأب يضيع على الولد حق النفقة الذي كان له على أبيه، إلا أن الصعوبة تظهر عندما يتعلق الأمر بحقوق لا تتمتع بكفالة القانون، كمعونة الأقارب والأصهار دون أي إلزام قانوني كحالة حرمان المضرور من العرض الذي كان يتلقاه من المصاب، إلا أنه ليس من الثابت أن يستمر الفقيد من العون طوال السنين لو عاشها .

وتدخل هذه الحالة في نطاق تفويت الفرصة إلا أنه يشترط قيام صلة القربي أو المصاهرة في أية حال فما هو المقصود بصلة القرابة الشرعية أو صلة الرحم للمطالبة بالتعويض وفي ذلك تقول الفقرة الثالثة من المادة 134 من قانون الموجبات والعقود اللبناني «أن القاضي يمكنه أن ينظر بعين الاعتبار الى شأن المحبة إذا كان هناك ما يبررها من صلة القربی الشرعية أو صلة الرحم».

وقد أوضحت المادة 85 من مشروع القانون الفرنسي الإيطالي التي اقتبس منها هذه الفقرة المراد منها فقالت : “يجوز للقاضي بوجه خاص أن يحكم بتعويض المضرور عما يصيبه من ضرر في جسمه، أو مساس بشرفه أو سر يحرص عليه، وله كذلك أن يحكم للأقارب والأصهار والأزواج سواء كان الضرر ماديا أو معنويا

غير أنه ينبغي التفريق في التعويض عن الضرر المعنوي و التعويض الشخصي، الواجب لأقارب المضرور وبين ما يجب للمضرور نفسه من تعويض قبل موته، ينتقل حق المطالبة به إلى الورثة عن طريق الميراث، فيقصد بما يؤدي إلى الأقارب تعويضهم عما يستشعرون به من ألم بسبب موت المضرور، ولهذه العلة يجوز للقاضي أن يحكم بالتعويض، لا للأقارب فقط، بل كذلك للأزواج والأصهار مراعيا ظروف العائلة وفي تعيين الولد لأن علاقته هو بوالديه هي في ذاتها مشروعة

 وعلى هذا فإن حرمانه من إنفاق والده الطبيعي عليه يعتبر إضرارا بمصلحة مشروعة له في حالة إذا أثبت هذا الأخير أن الضرر الذي لحقه هو ضرر محقق, ولكن هذا الحكم لا يسري على ولد الخليلة من رجل آخر.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!