رقابة النيابة العامة على الضبطية القضائية

رقابة النيابة العامة على الضابطة القضائية

رقابة النيابة العامة على الضابطة القضائية

تعد رقابة النيابة العامة على الضابطة القضائية في التحقيق التمهيدي من أهم الأمور التي كلفها القانون لحقوق الإنسان خلال هذه المرحلة، إذ تؤدي إلى اطمئنانهم وعدم إطلاق يد أعضاء الضابطة القضائية عند مباشرتهم لاختصاصاتهم، وعن طريق هذه الرقابة يمكن التأكد من مدى التزام أعضاء الضابطة القضائية بضوابط الكشف عن الجريمة دون أن يكون هناك تجاوز أو انحراف منهم، كما تعد هذه الرقابة هي الضمان الفاعل لتطبيق القانون، والسياج الواقي من الاعتداء على حقوق الأفراد والمساس بحرياتهم الشخصية وتقييدها.

وتعتبر الرقابة القضائية على مشروعية الإجراءات الجنائية في جوهر الإشراف القضائي ذاته، والضمان الأكيد لانتقال الشرعية من النطاق النظري إلى مجال التطبيق، فما قيمة الشرعية التي تعبر عنها نصوص القانون إذا لم تكن هذه النصوص تتمتع بقوة الإعلام عن طريق الرقابة القضائية، التي تكفل التطبيق الفعال لتلك النصوص القانونية

ولقد أنالت التشريعات الإجرائية موضوع الرقابة القضائية على أعمال الضابطة القضائية بكل من النيابة العامة ومحكمة الموضوع، وتقيدا بمجال دراستنا ستقتصر فيما يلي على التفصيل في الرقابة القضائية المعهود بها إلى النيابة العامة

 أولا: الأساس القانوني في رقابة النيابة العامة على الضابطة القضائية

تخضع الضابطة القضائية في معظم التشريعات الإجرائية إلى إشراف النيابة العامة, وهي تبعية وظيفية اقتضتها طبيعة عملها الهادفة إلى تمكين النيابة العامة ممتلة للمجتمع من مباشرة اختصاصها في الملائمة بين تحريك الدعوى العمومية رفعها وبين الأمر يحفظها في الإعداد للدعوى العمومية

ويقصد بالتبعية الوظيفية للنيابة العامة أنها تتعلق بعمل الضابطة القضائية طبقا لقانون الإجراءات الجزائية في جمع الاستدلالات وملاحقة المشتبه فيهم وجمع المعلومات بشأنهم، و اتخاذ ما يخولهم القانون من اختصاصات وإجراءات ماسة بالحرية الشخصية وفي حدوده، أما تبعيتهم الإدارية أو الرئاسية فيقصد بها تبعيتهم لرؤسائهم الإداريين المباشرين: وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع يحسب الأحوال

 وقد نص المشرع الجزائري في المادة 12 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه يتولى وكيل الجمهورية إدارة الضبط القضالي ويشرف النائب العام على الضبط القضائي بدائرة اختصاص كل مجلس قضائي وذلك تحت رقابة غرفة الاتحام بذلك المجلس ” وأضاف القانون رقم 01-08 المؤرخ في 26 يونيو 2001 المعدل لقانون الإجراءات الجالية في المادة 18 مكرر على أنه ” يمسك النائب العام ملفا فرديا لكل ضابط شرطة قضائية يمارس سلطات الضبط القضائي في دائرة اختصاص المحكمة يؤخذ التنقيط في الحسبان عند کل ترقية “.

بينما نص المشرع الفرنسي على ذات الرقابة في المادة 13 من قانون الإجراءات الجزائية يشرف النائب العام على أعضاء الشرطة القضائية على مستوى محاكم الاستئناف، و يخضعون إلى رقابة غرفة الاتهام طبقا لنص المادة 224 إجراءات جزائية، و أكد أيضا المشرع المصري على ما أخذ به كل من المشرع الجزائري و الفرنسي وذلك في المادة 22 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه ” يكون مأمورو الضبط القضائي تابعين للنائب العام و الخاضعين الإشرافه فيما يتعلق بأعمال وظيفتهم و للنائب العام أن يطلب إلى الجهة المختصة النظر في أمر كل من تقع منه مخالفة لواجباته أو تقصير في عمله، و له أن يطلب رفع الدعوى التأديبية عليه، وهذا كله لا يمنع من رفع الدعوى الجنائية”

ثانيا : مبررات رقابة النيابة العامة على التحقيق التمهيدي

وبناءا على ما تقدم من نصوص في التشريعات الإجرائية تحاول أن توضح مبررات هذا الإشراف من قبل النيابة العامة كالتالي :

أن ضرورة وحدة التحقيق وسيره وفقا لقواعد النزاهة والحياد اقتضت الإشراف الكامل من جانب النيابة العامة على جميع إجراءات الاستدلال وتبعية أعضاء الضبط القضائي إليها المراقبة أعمالهم ، والتأكد من قانونية الإجراءات المتخذة منهم، و ضمان عدم المساس بحريات الأفراد، مع احتفاظ سلطة التحقيق باليد العليا في جميع إجراءات التحقيق، حتى ولو ثم ندب مأمور الضبط القضائي للقيام بأحدها، نظرا لحساسها بحرية الأفراد وحرمة حياتهم الخاصة

كما يعلل أيضا أهمية هذا الإشراف من قبل النيابة العامة بأن ثقافة أعضاء النيابة العامة و خبرتهم بعملهم أحرص من القائمين بإجراءات الاستدلال على التطبيق الصحيح للقانون واحترام الحقوق والحريات الفردية ،

حيث أن غالبية أعضاء الضبط القضائي ينتمون إلى جهة الشرطة، ونظرا لأن هذا الجهاز يمثل القبضة الحديدية التي تلوح بها الدولة في وجه كل من تسول له نفسه الخروج على سلطتها، فيخشى أن يبالغ أفراده في إظهار براعتهم في حفظ الأمن فيخرجون عن مقتضيات الحال و يتخذون من الإجراءات ما هو زائد عن الضروري فيجردون عملهم من أسس شرعيته

كما أن تبعية رجال الضبط الجمائی لرئاستهم الإدارية قد تفقدهم حیدتهم و استقلالهم، و تجعل ميلهم إلى الحصول على الأدلة باستخدام وسائل العنف و القسر التي تمس الحريات أقرب من إتباع وسائل البحث عن الحقيقة بنزاهة وتجرد، كما أن السلطات الإدارية قد ترفض مساءلتهم محافظة على كرامة و هيبة المهنة، مما يدفعهم دون شعور نحو الاعتداء على الحريات و انتهاك الحرمات.

وقد نصت المادة 11 من المبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة على ما يلي: ” يودي أعضاء النيابة العامة دورا فعالا في الإجراءات الجزائية، بما في ذلك بدء الملاحقة القضائية، والاضطلاع ضمن ما يسمح به القانون أو يتمشى مع الممارسة المحلية بالتحقيق في الجرائم والإشراف على قانونية التحقيقات، والإشراف على تنفيذ قرارات المحاكم، و ممارسة مهامهم الأخرى باعتبارهم ممثلين للصالح العام “،

كما نصت المادة 12 على ما يلي: “على أعضاء النيابة العامة أن يؤدوا واجباتهم وفقا للقانون بإنصاف واتساق وسرعة، وأن يحترموا كرامة الإنسان ويحموها، ويساندوا حقوق الإنسان، بحيث يسهمون في تأمين سلامة الإجراءات وسلامة سير أعمال نظام العدالة الجنائية”

وقد أكد مجلس أوروبا التاسع عشر العام 2000 في توصية بشأن دور أعضاء النيابة العامة في المادة (3 / 1 ) على ما يلي: ” يقوم أعضاء النيابة العامة أيضا… بإجراء التحقيقات وتوجيهها والإشراف عليها ” وتنص الفقرات (21-23) على تفصيل العلاقة بين أعضاء النيابة العامة و الشرطة خلال التحقيقات كما يلي: “21 – بوجه عام ينبغي أن يفحص أعضاء النيابة بدقة قانونية التحقيقات التي تجريها الشرطة على الأقل عند الفصل فيما إذا كان ينبغي يد الملاحقة القانونية أو الاستمرار فيها، و بهذا الخصوص يتعين على أعضاء النيابة علاوة على ذلك مراقبة انتهاك حقوق الإنسان من جانب أفراد الشرطة، 22- في الدول التي تخضع فيها الشرطة للنيابة العامة أو إذا كانت تحقيقات الشرطة تجري أو يتم الإشراف عليها من قبل أعضاء النيابة العامة، على تلك الدول أن تتخذ تدابير فعالة للتأكد من أن عضو التياية العامة يجوز له ما يلي:

 1 – إعطاء التعليمات حسب الملائمة إلى الشرطة بغرض التنفيذ الفعال لأولويات السياسة تجاه الجريمة، لاسيما فيما يتعلق بتحديد أي أنواع القضايا ينبغي التعامل معه أولا، و الوسائل المستخدمة للبحث عن الأدلة والعاملين المستعان بهم، و مدة التحقيقات، و المعلومات التي ينبغي إعداد عضو النيابة العامة بها … إلخ

 2 – في حالة ما إذا كانت هناك عدة أجهزة شرطة تخصص كل قضية على حدا إلى الجهاز الذي يری عضو النيابة العامة أنه الأقدر على التعامل معها.

 3 – إجراء التقييمات و المراقبات حسب الضرورة بغرض مراقبة الالتزام بالتعليمات و القانون

4 – فرض العقوبات أو تقرير فرض العقوبات حسب الملائمة على المخالفة الفعلية

5 – يتعين على الدول التي تكون فيها الشرطة مستقلة عن النيابة العامة اتخاذ تدابیر فعالية لضمان أن يكون هناك تعاون ملالم و عملي بين النيابة العامة و الشرطة

 كما نصت معايير الاتحاد الدولي لأعضاء النيابة العامة لعام 1999 على ما يلي:

«يودي أعضاء النيابة العامة دورا فعالا في الإجراءات الجنائية على النحو التالي: إذا كان القانون أو العرف يخولهم ذلك ينبغي على أعضاء النيابة العامة أن يشاركوا في التحقيق في الجريمة أو يمارسوا سلطتهم على الشرطة أو أي محققین آخرین موضوعية وحيادية ومهنية في الأحوال التالية:

1 – عند الإشراف على التحقيق في الجريمة، ينبغي على أعضاء النيابة العامة التأكد من أن الأجهزة المنوط بها التحقيق تراعي المفاهيم القانونية و حقوق الإنسان الأساسية

2 – عند إعطاء المشورة يتعين عليهم أن يظلوا محايدين و موضوعيين»

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 

المراجع

محمد علي سالم, اختصاص رجال الضبط القضائي في التحري و الاستدلال و التحقيق

محمد الغريب, المركز القانوني للنيابة العامة


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!