التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء التحفيظ في القانون العقاري

التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء التحفيظ في القانون العقاري

التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء التحفيظ في القانون العقاري

سنحاول من خلال هذا البحث التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء التحفيظ في مادة التشريع العقاري الصادر بظهير 12 غشت 1913 مع ما أدخل عليه من تعديلات بموجب القانون رقم 07 . 14 ، وذلك في مبحثين:

المبحث الأول: إلغاء التحفيظ وسيلة لفرض الجدية في متابعة مسطرة التحفيظ

يقوم طالب التحفيظ بدور رئيسي في مسطرة التحفيظ العقاري لقيام هذا النظام على مبدأ الاختيارية كما سبق القول، بحيث يتعين عليه الإدلاء بجميع البيانات الإلزامية. ومن بين هذه البيانات تعيين موطن مختار داخل دائرة نفوذ المحافظة العقارية التي يقع فيها العقار

يترتب على تخلف طالب التحفيظ عن تعيين محل للمخابرة أن تكون جميع الإنذارات والتبليغات الموجهة إليه بمقر النيابة العامة تعتبر تبلیغات صحيحة وتترتب عليها آثارها القانونية، ومن بينها إلغاء مطلب التحفيظ إذا لم يقم طالب التحفيظ بتنفيذ الإجراء المطلوب منه أو لم يدل بمبررات مقبولة منعته من القيام بالإجراء المطلوب في الوقت المناسب. فما المقصود بإلغاء مطلب التحفيظ وما هي آثاره؟

 الإلغاء من حيث المفهوم القانوني، فقد يرد الإلغاء على القانون أو على القاعدة القانونية كما يرد على الأحكام القضائية والقرارات الإدارية. ويقصد بالغاء القرار الإداري إنهاء القرار وإزالة آثاره بالنسبة للمستقبل فقط، بحيث يصبح القرار الملغي غير منتج لأي آثر قانوني من تاريخ إلغائه.

وهذا ما ينسحب على قرار إلغاء مطلب التحفيظ، الذي يؤدي إلى التشطيب عليه من السجلات السابقة للتحفيظ وما يترتب على ذلك من محو جميع آثاره المادية والقانونية

ويصدر قرار إلغاء مطلب التحفيظ عن المحافظ كجزاء يتعرض له طالب التحفيظ المتقاعس عن القيام بالتزاماته لمتابعة مسطرة التحفيظ، لأن الخيار الممنوح له في تقديم طلب التحفيظ ليس مطلقا يمارسه كيف يشاء كما كان الأمر في السابق بل أصبح حقا مقيدا بشرط عدم إمكان سحبه فيما بعد، كما يقضي بذلك الفصل 6 من قانون التحفيظ العقاري بعد تعديله بظهير 1954

 لأن مسطرة التحفيظ ترتبط بها عدة مصالح و تتأثر بها عدة مراكز قانونية ، لذا يجب أن لا يكون السير في إجراءاتها رهينا بمشيئة طالب التحفيظ يتحكم في مواصلتها أو وقفها وتعليقها بمنظور مزاجي

المطلب الأول: تعدد حالات الإلغاء بتعدد التزامات طالب التحفيظ

تعرض الفصل 23 من القانون 07 . 14 لثلاث حالات لإلغاء مطالب التحفيظ، وتدور في مجملها حول غياب طالب التحفيظ في موعد إجراء التحديد، وعدم قيامه بما يلزم لإنجاز عملية التحديد، وتعذر إنجاز التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك.

ويلاحظ أنه في الحالتين الأوليتين، لا يصدر المحافظ قرار الإلغاء إلا بعد توجيه إنذار لطالب التحفيظ بموطنه المختار مع الإشعار بالتوصل وانتظار مرور الأجل القانوني. أما في الحالة الثالثة والأخيرة، فيصدر فيها قرار الإلغاء فور تحقق واقعة تعذر إجراء التحديد لمرتين متتابعتين بسبب نزاع حول الملك،

 بمعنى أن تتم برمجة عملية تحديد العقار لمرتين متتابعتين وفق الطريقة المنصوص عليها في القانون، ولا يتم إنجاز التحديد بسبب منع المهندس المنتدب لإجرائها من قبل أطراف لها علاقة بالعقار المراد تحديده. ويلاحظ في هذه الحالة، أنه ليس هناك من داع لإنذار طالب التحفيظ طالما أن واقعة تعذر إجراء التحديد للمرة الثانية، والتي يشترطها نص الفصل 23، قد تحققت في الواقع وتم إثباتها بموجب محضر التحديد الموقع من طرف المهندس المساح ومن طرف طالب التحفيظ وباقي المتدخلين، ما لم يثبت عكس ذلك.

الفقرة الأولى: حالة إلغاء المطلب لغياب طالب التحفيظ في الموعد المقرر الإجراء التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لاجرائه

يجوز للمحافظ إلغاء مطلب التحفيظ عند توفر الشرطين المنصوص عليهما في الفصل 23 من قانون التحفيظ العقاري، وهما غیاب طالب التحفيظ أثناء إجراء عملية التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإجرائها.

يحتل التحديد مكانة بارزة في مسطرة التحفيظ، لأنه من الأسس التي يقوم عليها قرار التحفيظ المفضي إلى تأسيس رسم عقاري للعقار يكون نهائيا وغير قابل للطعن. وقد ذهب أحد شراح نظام التحفيظ العقاري إلى أن عملية التحديد ذات طبيعة مركبة، وهي بالفعل كذلك لأنها عملية طبوغرافية تحدد الرقعة الجغرافية للعقار المطلوب تحفيظه، وتتم بشكل علني بحضور جميع المعنيين والمتدخلين،

وهي في نفس الوقت بحث قانوني على اعتبار أن المهندس المساح المنتدب يستفسر طالب التحفيظ والمجاورين والمتعرضين وجميع المتدخلين وأصحاب الحقوق عن كل ما يتعلق بالملك المراد تحفيظة.

هذا فضلا عن كونه يقوم بمعاينة واقع الحيازة ومدتها وحالة العقار كما ينص على ذلك الفصل 20 من قانون التحفيظ العقاري

واعتبارا لدور التحديد وأهميته في مسطرة التحفيظ، فقد حظي بالتنظيم التشریعی وذلك بهدف الإعداد الجيد له وإحاطته بالضمانات الكفيلة بإنجازه بشكل صحيح وفي الموعد المحدد له. وهذا ما سعى المشرع إلى تحقيقه من خلال الإعلان عن تاريخ إجراء العملية واشهاره للعموم واستدعاء طالب التحفيظ و جميع المتدخلين في هذه العملية من مجاورین و متعرضين وغيرهم، وإنجازها بشكل صحيح وفق الشروط المنصوص عليها في الفصلين 19 و 20 من قانون التحفيظ العقاري.

وإذا غاب طالب التحفيظ في اليوم المقرر لإجراء التحديد أو حضر إلى عين المكان ولكنه لم يقم بإعداد ما يلزم لإجراء عملية التحديد، فإن المهندس المساح لا ينجز أي عمل من أعمال التحري والبحث والاستفسار بل يكتفي بمعاينة واقعة الغياب وتدوينها بمحضر التجديد الذي يعتبر وثيقة يمكن الاحتجاج بها ما لم يثبت ما يخالفها.

وبناء على هذه الوثيقة، يقوم المحافظ بتوجيه إنذار لطالب التحفيظ واستفساره عن أسباب غيابه في الموعد المقرر لإجراء التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإنجاز التحديد، وذلك داخل أجل شهر من تاريخ التوصل وبمرور هذا الأجل وبقاء الإنذار بدون جدوى، يتخذ المحافظ قرار إلغاء المطلب ويقوم بتبليغه لطالب التحفيظ.

الفقرة الثانية: حالة الإلغاء التلقائي للمطلب عند تعذر تحديد العقار بسبب النزاع

 ينص الفصل 23 من القانون رقم 07 . 14 في فقرته الثانية على أن مطلب التحفيظ يعتبر لاغيا و كأن لم يكن إذا تعذر على المحافظ على الأملاك العقارية أو نائبه إنجاز عملية التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك. وكما هو ملاحظ، فإن حالة الإلغاء هذه لم تكن مقرر في نص الفصل 23 المنسوخ، بل هي من مستحدثات القانون رقم 07. 14 سالف الذكر على خلفية النزاعات التي كانت تنشأ بين المتعرضين وطلاب التحفيظ أو بين هولاء والمجاورين أو مستغلي العقارات المراد تحديدها،

إذ كان هؤلاء يتصدون بالقوة والعنف أحيانا للمهندس المساح لمنعه من إنجاز العملية المقررة، مما جعل المحافظين يلجئون إلى النيابة العامة والسلطة المحلية طلبا لتسخير القوة العمومية لتوفير ظروف أمنية مناسبة لإجراء عملية التحديد

وكانت هذه المحاولات تنجح أحيانا وتفشل أحيانا أخرى، لأن هذه الممارسة كانت مجرد اجتهاد من بعض المحافظين لحل مشکل منع المهندس المساح من القيام بعملية التحديد، وهو اجتهاد نابع من الحرص على إتمام إجراءات مسطرة التحفيظ، لكنه اجتهاد يعوزه السند القانوني. وقد استمر هذا الفراغ التشريعي إلى حين صدور القانون رقم 07. 14 الذي نص عن وجوب تسخير القوة العمومية بشكل صريح من طرف وكيل الملك كلما طلب منه ذلك من طرف المحافظ أو من طرف كل ذي مصلحة

ورغم صدور النص القانوني المقرر لوجوب تسخير القوة العمومية من طرف وکیل الملك لتوفير الظروف الأمنية الملائمة لإجراء عملية التحديد؛ فإن المشرع قد توقع قيام نزاع حول العقار المطلوب تحفيظه من شأنه أن يحول دون إنجاز عملية تحديده.

ولا أدل على ذلك من أن الفصل 23 في فقرته الثانية قد حول للمحافظ سلطة إلغاء طلب التحفيظ إذا تعذر عليه أو على نائبه إجراء عملية التحديد، لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك، فهل هذا يعني أن وكيل الملك يجب عليه أن يمتنع عن مد المحافظ أو صاحب المصلحة بالقوة العمومية لإجراء التحديد، إذا كان هناك نزاع حول الملك؟ وما هي المعايير المعتمدة لتقييم الوضع على الأرض وتكييف واقعة منع المهندس من القيام بعملية التحديد؟ وهل يمكن الحديث عن نزاع حول الملك في جميع حالات المنع من إجراء التحديد حتى ولو كان مصدر المنع هو مكتري العقار أو مستغله، أم لا بد من التأكد من شروط تكييف النزاع

أم يجب انتظار صدور مرسوم تطبيقي يجمع شتات القرارات الوزارية المتعلقة بتطبيق نظام التحفيظ العقاري وتنظيم مرفق المحافظة العقارية؟ هذه جملة من الأسئلة التي تطرحها حالة إلغاء مطلب التحفيظ لتعذر تحديد العقار لمرتين متتاليتين، ولا ندعي الإحاطة بها في هذا البحث بقدر ما نبغي فتح النقاش حول هذه النقطة القانونية الهامة

المطلب الثاني: إلغاء مطلب التحفيظ في إطار الفصل 50 جزاء للتماطل في المسطرة وتمهيدا لرفض التحفيظ

يقرر الفصل 50 من قانون التحفيظ العقاري أن مطلب التحفيظ يعتبر لاغيا وكأن لم يكن إذا لم يقم طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة، وذلك داخل أجل ثلاثة أشهر من يوم إنذاره من طرف المحافظ بواسطة عون التبليغ من المحافظة العقارية أو بالبريد المضمون أو عن طريق السلطة المحلية أو بأية وسيلة أخرى للتبليغ.

والجدير بالملاحظة هنا أن نص الفصل 50 الجديد قد جاء واضحا و متجاوزا للصياغة العامة والمبهمة للفصل 50 المنسوخ و مقلصا لأجل الإنذار من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر

ويمكن للمحافظ إلغاء مطلب التحفيظ فور انتهاء الأجل القانوني وعدم قيام طالب التحفيظ بأي إجراء المتابعة المسطرة، وذلك ردا على تعنته وتراخيه عن القيام بأي مبادرة تنم عن استعداده لمواصلة إجراءات مسطرة التحفيظ،

وذلك حتى لا تصبح هذه الإجراءات تحت رحمة طالب التحفيظ يتحكم فيها كيف يشاء، وتتحول مسطرة التحفيظ من وضع انتقالي و موقت إلى وضع نهائي ودائم مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الدور الاقتصادي والاجتماعي للملكية العقارية

إذا كان المحافظ هو المشرف الرئيسي على سير إجراءات مسطرة التحفيظ ومراقبة مدى التزام طالب التحفيظ بمتابعتها حتى نهايتها، فإن صلاحية إلغاء مطلب التحفيظ ليست مطلقة من كل قيد بل مقيدة بشروط جوهرية يجب مراعاتها تحت رقابة السلطة القضائية منعا لتجاوز السلطة والتعسف في استعمالها.

 وتتمثل هذه الشروط في توجيه إنذار لطالب التحفيظ يتضمن الإجراء المطلوب منه وذلك عن طريق رسالة مع الإشعار بالتوصل. وإذا لم يقم طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة داخل الأجل القانوني المحدد في ثلاثة أشهر من تاريخ توصله بالإنذار، يتخذ المحافظ قرار إلغاء المطلب وتوجيهه إلى طالب التحفيظ بموطنه المختار للأخبار ولفتح المجال أمامه للطعن ضد هذا القرار الذي يبدأ من تاريخ التبليغ.

المبحث الثاني: رفض التحفيظ آلية لاستبعاد المطالب الفاقدة للمشروعية

ينص الفصل 30 من قانون التحفيظ العقاري على أن المحافظ يقوم بتحفيظ العقار خلال الثلاثة أشهر الموالية لانصرام أجل التعرض، وذلك بعد التحقق من تمام جميع الإجراءات المسطرة ومن شرعية الطلب ومن كفاية الحجج

ولما كان المحافظ يشرف على تتبع إجراءات مسطرة التحفيظ منذ انطلاقها، فإن هذه الإجراءات يمكن تصحيحها إذا أنجزت بشكل غير صحيح أو تتميمها إذا لم تنجز بكاملها وفق نصوص قانون التحفيظ العقاري.

ورب سائل يسأل عن جدوی تحقق المحافظ من شرعية الطلب وكفاية الحجج بعد نهاية إجراءات مسطرة التحفيظ، على اعتبار أن هذه المراقبة من المفروض أن تمارس عند تقديم طلب التحفيظ، لأن قبول تسجيله ومتابعة إجراءات المسطرة بشأنه قد يفيد ظاهريا بأن مطلب التحفيظ مشروع وأن الحجج المؤيدة له كافية؟ ثم ماهي الحالات التي يرفض فيها المحافظ تحفيظ العقار رغم إنجاز جميع الإجراءات المسطرية المنصوص عليها في القانون و وجود الحجج والسندات المؤيدة للمطلب وخلو العقار من أي تعرض؟

المطلب الأول: رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب

 يستفاد من الفصل 37 مكرر من قانون التحفيظ العقاري أن المشرع غلب كفة تعليل قرارات رفض التحفيظ على حساب حالات أو أسباب الرفض، والدليل على ذلك أن الفصل 96 المنسوخ كان يجمع بين الأمرين معا.

ولكي تتبين لنا أسباب رفض التحفيظ، لا بد من البحث عنها في الفصول القانونية ذات الصلة أو العلاقة، ولعل من أهم هذه الفصول نجد في طليعتها الفصل 30 من نفس القانون، الذي يستفاد منه أن المحافظ لا يبادر إلى اتخاذ قرار التحفيظ إلا بعد التحقق من شرعية الطلب. وهذا يعني أنه إذا كان الطلب غير شرعي، يحق للمحافظ أن يرفض التحفيظ.

لكن نعود من حيث بدئنا لنتساءل عن الحالات التي يكون فيها طلب التحفيظ غير شرعي وبالتالي تخول للمحافظ الحق في رفض التحفيظ؟ وهل حالات الرفض قد جاءت على سبيل الحصر أم أن مفهوم الرفض جاء عاما مما يترك هامشا واسعا للمحافظ لتقرير رفض التحفيظ؟

لئن كان المشرع لم يحدد المقصود من شرعية طلب التحفيظ في الفصل 30 من قانون التحفيظ العقاري فالمراد من ذلك أن يكون طالب التحفيظ مطابقا لمقتضيات القانون بصفة عامة وقانون التحفيظ العقاري على وجه الخصوص ومن أهمها أن يكون مقدما من مالك العقار أو صاحب حق من الحقوق العينية الواردة على سبيل الحصر في الفصل 10 من قانون التحفيظ العقاري بدلیل استعمال المشرع لصيغة النفي لمنع تقديم طلب التحفيظ من غير الأشخاص  الواردة صفاتهم في الفصل المذكور

ويتحقق المحافظ من صفة طالب التحفيظ عند تقديم الطلب من خلال دراسة الحجج والسندات المدلى بها والتحقق من هوية وأهلية صاحب الطلب وهذا قد يوحي كذلك بان رفض التحفيظ لعدم صحة الطلب يجب أن يكون عند تقديم الطلب لأول مرة أمام المحافظة العقارية،

ولكن الأمر ليس كذلك لأن قرار رفض التحفيظ لم يتناوله المشرع إلا بعد قطع عدة مراحل من مسطرة التحفيظ، هذا فضلا عن كون عمليات التحقق والتحري لا تتم دفعة واحدة عند تقديم الطلب، بل يقوم بها المحافظ خلال جریان مسطرة التحفيظ وعبر مراحل ومنها التحريات التي يقوم بها المهندس المساح المنتدب من قبل المحافظ أثناء إجراء التحديد، بحيث يستفسر طالب التحفيظ والمجاورين والمتدخلين والمتعرضين عن كل ما يتعلق بالملك المطلوب تحفيظه.

لكن الاشكال المطروح، هو كيفية التوفيق بين مقتضيات الفصل 38 من قانون التحفيظ العقاري وبين مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 37 من نفس القانون؟

لأن الفصل الأول يقرر بأن رفض مطلب التحفيظ لأي سبب كان يؤدي إلى اعتبار التحديد لاغيا ويلزم طالب التحفيظ محو آثاره، في حين ينص الفصل الثاني على أن الحق المحكوم به قضائيا لفائدة المتعرض يتم الإعلان عنه بمقتضی ملخص إصلاحي، ومن المعلوم أن المسطرة المنصوص عليها في الفصل 83 من قانون التحفيظ العقاري لا تلغي عمليات التحديد والمسح العقاري وباقي الإجراءات التي تمت بشكل صحيح، بل تبنى على نتائجها لمواصلة مسطرة التحفيظ إلى نهايتها مع الأخذ بعين الاعتبار للحق المنشأ.

ولعل من الوسائل الفعالة التي تحد من حالات رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب ، الدراسة الدقيقة للعقود والوثائق المرفقة بمطلب التحفيظ، وعدم التساهل في قبول تسجيل طلبات تحفيظ تنقصها الأدلة المثبتة لملكية العقارات المطلوب تحفيظها، وإذا كانت هكذا ممارسة من شأنها التقليل من حالات رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب، فإنها لن تقضي نهائيا على جميع حالات رفض التحفيظ لعدم كفاية الحجج كما سيأتي في الفقرات الموالية.

المطلب الثاني: رفض التحفيظ لعدم كفاية الحجج والمستندات

يلاحظ بداية أن الحجج والسندات المؤيدة لطلب التحفيظ يجب الإدلاء بها منذ تقديم مطلب التحفيظ لأول مرة للمحافظة العقارية، وهذا ما يتبين من خلال عدة مقتضيات قانونية خاصة منها اللائحة الحصرية للأشخاص الذين يجوز لهم تقديم طلب التحفيظ الواردة في الفصل 10 من قانون التحفيظ العقاري،

وإلزامية الإدلاء بأصل التملك كما ورد في الفقرة الثامنة من الفصل 13 من نفس القانون، وضرورة تقديم أصول أو نسخ رسمية للرسوم والعقود والوثائق التي من شأنها أن تعرف بحق الملكية وبالحقوق العينية المترتبة على الملك كما ينص على ذلك الفصل 14 من القانون سالف الذكر

وأمام حرص المشرع على ضرورة الإدلاء بالحجج والسندات الكافية لتأييد طلبات التحفيظ، قد يتساءل المرء عن جدوى احتفاظه بألية رفض طلبات التحفيظ المفتقرة للحجج الكافية، ما دامت المسألة محسومة منذ تقديم الطلب لأول مرة.

يرد على ذلك بالقول إن الأسباب الداعية إلى رفض التحفيظ قد لا تظهر في الواقع إلا بعد القيام بأعمال الإشهار والتحري والتطهير التي تقتضيها مسطرة التحفيظ، إذ من المتوقع أن يكون مطلب التحفيظ موضوع تعرض كلي ويحكم القضاء بصحته وفي هذه الحالة لا يكون أمام المحافظ إلا رفض التحفيظ في مواجهة طالب التحفيظ الأصلي،

أو أن تظهر أعمال التحديد والمسح العقاري فرقا كبيرا بين المساحة المصرح بها وتلك التي أظهرها التصميم العقاري بحيث تصبح المساحة الزائدة بمثابة حق عيني جديد يجب تبريره بالسندات والحجج الكافية ويعتبر الفرق بين المساحة المصرح بها بمطلب التحفيظ والمساحة التي أظهرها المسح العقاري من بين الأسباب الرئيسية التي تقف وراء تجميد مسطرة التحفيظ وتراكم الملفات.

المبحث الثالث : الفرق بين الغاء و رفض التحفيظ

فإذا كان كلا من الإلغاء والرفض يشتركان في وحدة النتائج والآثار، فإنهما يفترقان في أمور أخرى نذكر منها ما يلي: 

1 – على مستوى الأسباب: يختلف قرار رفض التحفيظ عن قرار إلغاء المطلب من حيث الأسباب الداعية إلى إصدار هذين القرارين، ولا يمكن أن تكون مشتركة بينهما.

بحيث إذا كان رفض التحفيظ يتقرر في حالتين إثنتين هما عدم شرعية أو عدم صحة الطلب وعدم كفاية الحجج، فإن الإلغاء يتقرر في حالة تراخي طالب التحفيظ وتماطله عن متابعة المسطرة وتعذر إنجاز التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك.

2 – قرار إلغاء مطلب التحفيظ له مفهوم عام يمكن أن يستوعب بعض حالات رفض التحفيظ مثل إنذار طالب التحفيظ لتقديم حجج إضافية لتدعيم مطلبه، وفي حالة بقاءه بدون جدوى يمكن للمحافظ إلغاء المطلب لعدم متابعة المسطرة (الفصل 50 من القانون)، بينما رفض التحفيظ لا يمكن أن يستوعب حالات الإلغاء بحيث إذا استجاب طالب التحفيظ للإنذار وقدم سندات مؤيدة لمطلبه ولم يقتنع بها المحافظ لا يمكنه تقرير الالغاء بل الرفض لعدم كفاية الحجج، لأن طالب التحفيظ خرج من حالة تماطل وأدلى بما هو مطلوب منه في الإنذار، إلا أن الحجج الإضافية المدلى بها من طرف تكون غير كافية

 3 – قرار رفض التحفيظ يقبل التجزئة بمعنى أنه يمكن اتخاذ قرار رفض التحفيظ في شأن المساحة الزائدة عن المساحة المصرح بها عند إيداع مطلب التحفيظ، لأنها حقوق عينية جديدة يجب أن تكون مبررة بالسندات والحجج لإمكانية إدماجها في العقار وبالتالي تحفيظه كليا. أما بالنسبة لقرار إلغاء المطلب، فهو لا يقبل التجزئة بل يترتب على العقار بر مته دون استثناء أي جزء منه

4 – قرار رفض التحفيظ يقبل الطعن أمام المحكمة العادية أما قرار إلغاء المطلب فهو يقبل الطعن أمام القضاء الإداري. وهذه الازدواجية في الطعن القضائي ينبغي تجاوزها في ظل توجه التشريع نحو التخصص القضائي بدءا من إحداث المحاكم الإدارية و مرورا بالقضاء التجاري وانتهاء بقضاء الأسرة

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!