دور المحكمة في تحديد مضمون العقد

دور المحكمة في تحديد مضمون العقد

دور المحكمة في تحديد مضمون العقد :

إذا كان الوضع الطبيعي في ميدان المعاملات هو تنفيذ العقد بحسن نية وبشكل اختياري استنادا لمقتضيات العقد، فإنه من المتصور أن يحدث اختلاف حول مضمون العقد، الأمر الذي يستلزم طرح النزاع على المحكمة المختصة لاستجلاء الغموض الذي يكتنف هذا العقد وجعله موضع التنفيذ. فقبل الفصل في الدعوى المثارة بشأن هذا الخلاف، فإن القاضي يلجأ إلى التفسير والتكييف باعتبارهما من الآليات العملية التي تساعد القاضي على فهم مضمون العقد.

تفسير العقد :

يقصد بالتفسير تلك العملية الذهنية التي يقوم بها القاضي من أجل الوقوف على الإرادة الحقيقية للمتعاقدين ، ولا يكون للتفسير موجب من الناحية العملية إلا إذا كانت ألفاظ العقد غامضة أو مهمة تحتمل أكثر من معنى، وهذا ما يستشف من الفصل 461 الذي جاء فيه: “إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحث عن قصد صاحبها

بالإضافة إلى الالتباس الناجم عن صيغة العقد و مصطلحاته، فإن الغموض قد ينشأ عن صعوبة التوفيق بين بنود العقد وأجزائه، كأن يحصل التعارض بين فقرات العقد الواحد بحيث يحمل على الاعتقاد بوجود عقدين متناقضين.

كأن تكون مقدمة العقد دليلا على نشوء عقد هبة مثلا في الوقت الذي تؤكد فيه خاتمة هذا العقد على أن الاتفاق مبني على أساس البيع. وبما أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني وليس الألفاظ والمباني، لذلك يتعين البحث عن الغرض المقصود أثناء التعاقد، وقد أشار المشرع المغربي إلى هذه القاعدة في الفقرة الأخيرة من الفصل 462 قانون الالتزامات والعقود التي جاء فيها: “وعندما يكون للتأويل موجب یلزم البحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل”

تكييف العقد :

بعد استنفاذ مرحلة التفسير يقوم القاضي بتكييف العقد أي إضفاء الوصف القانوني على التصرف الذي صدر عن المتعاقدين، إذ لا يمكن تكييف العقد بأنه بيع أو هبة مثلا إلا بعد تحليل مضمون العقد واستقراء الغاية التي هدف إليها المتعاقدان أثناء إبرام العقد.

وعملية التكييف تعتبر من المهام السهلة والصعبة في ذات الوقت، فهي سهلة متى تعلق الأمر بعقد بسيط أو عقد مسمى، إلا أن الوضع لا يكون كذلك عندما يتعلق الأمر بعقد غير مسمى أو عقد مرکب، باعتبار أن تحديد الطبيعة القانونية لهذا الصنف من العقود يحتاج إلى نوع من التريث، والتعمق الذين من شأنهما المساعدة على إضفاء الوصف الحقيقي على العملية محل التعاقد

فالقاضي لا يتقيد في عملية التكييف بالوصف الذي حدده الأطراف في طلباتهم، فله مطلق الصلاحية التكييف العقد بالوصف الذي يراه مناسبا تحت طائلة إنكار العدالة. بعد تحديد هوية العقد عن طريق التفسير والتكييف، فإن القاضي يلجأ إلى بيان عناصر الاتفاق الذي حصل بين المتعاقدين

بيد أن تحديد مضمون العقد لا يقتصر في الواقع على البنود التي حصل الاتفاق صراحة بشأنها وإنما يتم باعتماد مجموعة من العناصر الخارجية التي لها دور مهم في بيان مضمون هذا العقد كالأعراف المحلية ومبادئ الإنصاف والنصوص التشريعية، وهذا ما أشار إليه الفصل 231 قانون الالتزامات والعقود الذي ورد فيه : “كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته”.

وهذا ما يستنتج أيضا من الفصل 463 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه: “تعتبر مضافة لشروط العقد الشروط الجاري بها العمل في مكان إبرامه والشروط التي تقتضيها طبيعته”.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!