دور القضاء في معالجة صعوبات المقاولة

دور القضاء في معالجة صعوبات المقاولة

محتويات المقال

دور القضاء في معالجة صعوبات المقاولة

بعد فشل مساطر الوقاية في إيجاد الحلول الناجحة لإنقاذ المقاولة، يتدخل القضاء في معالجة صعوبات المقاولة بوظيفته الحديثة حتى يضطلع بالدور الموكول له في حماية المقاولة من الناحية الاقتصادية والمالية، وذلك باللجوء إلى مساطر المعالجة التي يحتل فيها القضاء مركز الثقل (المطلب الأول)، إذ يعتبر صاحب القرار الأول والأخير فيما يخص تحديد مصير المقاولة.

وقد يؤدي الأمر إلى تنازع الاختصاص في هذا المجال الشيء الذي جعلنا نخصص (المطلب الثاني) للمساطر العابرة للحدود الصعوبات المقاولة

 المطلب الأول: مركز القضاء في مساطر المعالجة من صعوبات المقاولة

إن القضاء لم يعد يقتصر دوره على البت في النزاع فقط بل أصبح ينصب على تقويم المقاولة اقتصاديا و ماليا و اجتماعيا، إذ يعتبر المحرك الأساسي لهذه المسطرة من خلال أن المشرع خول للمحكمة التجارية إمكانية فتح المسطرة كما يمكن أيضا للقضاء الواقف المتجسد في النيابة العامة المطالبة بفتح هذه المسطرة وذلك في حالة توقف المقاولة عن دفع ديونها.

وعليه للتفصيل في هذا المطلب ارتأينا أن نخصص له ثلاثة فقرات نخصص الأولى الدور المحكمة من خلال مسطرة التسوية القضائية، على أن نتحدث في الثانية عن دورها في مسطرة التصفية القضائية، ونظرا لدورها الذي لا يقل أهمية عن القضاء الجالس في مساطر المعالجة تركنا الفقرة الثالثة للحديث عن دور النيابة العامة في مساطر المعالجة.

الفقرة الأولى: دور المحكمة من خلال مسطرة التسوية القضائية

إذا مرت المقاولة بمرحلة الوقاية ولم تفلح هذه الأخيرة في إنقاذها، تعين نقلها تلقائيا المرحلة المعالجة، حيث تتم معالجتها بالتسوية القضائية كمرحلة أولى بعد الحل.

وبالتالي سنتطرق في هذه الفقرة لدور القضاء أثناء مرحلة إعداد الحل {أولا، إلى جانب مركز القضاء في مرحلة التسوية القضائية (ثانيا).

أولا: تدخل المحكمة من أجل السهر على متابعة نشاط المقاولة خلال فترة إعداد الحل

تهدف مرحلة إعداد الحل أو ما يسمى في القانون الفرنسي بفترة الملاحظة إلى تهيئ الظروف المناسبة لاختيار الحل النهائي من أجل تصحيح وضعية المقاولة تحت إشراف القضاء الذي يتخذ قرارات هامة تتعلق بنمط تسيير المقاولة خلال هذه الفترة {1}، بالإضافة إلى حالة وقف متابعة النشاط {2}.

1- تحديد المحكمة لنمط تسيير المقاولة خلال فترة إعداد الحل

تملك المحكمة السلطة التقديرية لاختيار الأسلوب الإداري المناسب لتسيير المقاولة في فترة إعداد الحل، مع حق تغييره في أي وقت بغية حسن سير التدبير و استمرارية الإستغلال، وليس للمحكمة معيار قانوني تعتمد عليه سوی سلطتها التقديرية التي تراعي فيها مصلحة المقاولة ومدى كفاءة مسيريها و أهليتهم للاستمرار في البقاء على رأس مؤسساتهم بنفس الصلاحيات التي يملكونها في الأحوال العادية

وفي هذا الإطار تعمل المحكمة على اختيار شكل من بين ثلاثة أشكال لتسيير المقاولة في هذه المرحلة و هي:

– إبقاء التسيير بيد رئيس المقاولة مع تكليف السنديك بالمراقبة.

– إشراك السنديك في عمليات التسيير.

– إقصاء رئيس المقاولة من عمليات التسيير و إسنادها للسنديك.

هذا من جهة، و من جهة أخرى فإن المحكمة لا يقتصر دورها في هذه الفترة بتحديد شكل تسيير نشاط المقاولة، بل تتدخل كذلك على مراقبة من كلفته بهذا التسيير طيلة فترة متابعة الإستغلال.

وعليه فإن تمظهرات هذه الرقابة تتجلى في تدخل المحكمة للترخيص بقيام السنديك و رئيس المقاولة ببعض التصرفات ، حيث جعل المشرع المغربي التصرفات التي تقوم بها هذه الأجهزة متوقفة على ضرورة الحصول على إذن مسبق من القاضي المنتدب

 2- حالة وقف متابعة النشاط

ليس من الضروري أن يكون إستمرار نشاط المقاولة خلال فترة إعداد الحل مساعدا على تسوية وضعيتها، الشيء الذي يجعل المحكمة تأمر بإيقاف نشاط المقاولة إما كليا أو جزئيا حتى لا تتدهور وضعيتها بشكل كبير.

وعليه فإن اختيار المحكمة لإيقاف نشاط المقاولة كليا خلال هذه الفترة لا يعني إخضاعها للتصفية القضائية حيث أنه يمكن أن يكون حلا اقتصاديا حتى يتسنى إعداد الموازنة الشاملة للمقاولة والتوصل بعروض الأغيار واقتراح مخطط الحل.

أما وقف النشاط جزئيا فهو يهدف للتخفيف من بعض الأعباء الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تعيشها المقاولة

ثانيا: دور المحكمة في مخططي الاستمرارية والتفويت

يلجأ رئيس المحكمة التجارية إلى مسطرة التسوية القضائية وذلك عند تعذر المقاولة على اجتياز صعوباتها عن طريق الوقاية الخارجية وكذا خلال مسطرة الإنقاذ، فيكون الحل المتاح هو مسطرة التسوية القضائية التي تشترط إمكانات جدية لتسوية وضعها و سداد خصومها، مما يعني أن المحكمة الصلاحية في البت في الطلب المرفوع لها لفتح هذه المسطرة، حيث أن وضعية المقاولة يجب أن تكون غير مختلة بشكل لا رجعة فيه.

وقد خصص المشرع المغربي في القانون الجديد دورا ومكانة هامة لجمعية الدائنين {1}، وكذا مخططي الإستمرارية و التفويت {2}.

1- جمعية الدائنين

تعتبر جمعية الدائنين من المستجدات التي جاء بها القانون رقم 73.17 ، وذلك من أجل ضمان استمرارية نشاط المقاولة والحفاظ على مناصب الشغل من خلال مخطط الإستمرارية.

وقد تكلف المشرع المغربي في المواد 606 إلى 621 بتحديد شروط تشكيلها، وتأليفها وانعقادها وكذا صلاحياتها.

– تشكيل جمعية الدائنين

إن تشكيل الجمعية لا يمكن أن يتم إلا إذا كانت المقاولة الخاضعة لمسطرة التسوية القضائية ملزمة بتعيين مراقب الحسابات أو إذا كان رقم معاملاتها السنوية يتجاوز 25 مليون درهم أو أنها تشغل 25 أجير فما فوق خلال السنة السابقة لفتح المسطرة.

وتبقى للمحكمة السلطة في إصدار حكم غير قابل للطعن بتشكيل الجمعية بطلب من السنديك دون الشروط السابقة الذكر في حالة وجود اسباب لذلك.

– تأليف جمعية الدائنين

تتألف جمعية الدائنين من السنديك الذي يترأسها في جميع الحالات إلا في حالة انعقادها من أجل استبدال السنديك حيث يترأسها في هذه الحالة القاضي المنتدب، كما تتكون أيضا من رئيس المقاولة و الدائنين المسجلين في قائمة الديون المصرح بها وكذا الدائنون الذين أدرجت مقررات قبول ديونهم في القائمة المنصوص عليها في الفقرة من المادة 732 من القانون رقم 73.17

– انعقاد جمعية الدائنين

 نصت المادة 607 من القانون رقم 73.17 ، على أن انعقاد الجمعية يكون قصد التداول بشأن:

مشروع مخطط التسوية المقترح من طرف السنديك أو مخطط التسوية المقترح في المادة 595، كما أنها تناقش موضوع تفويت الأصول التي لا يمكن تفويتها إلا بموافقتها، كذلك طلب استبدال السنديك.

وجدير بالذكر أن الانعقاد يكون بدعوة من السنديك وذلك خلال أجل 5 أيام من تاريخ عرض السنديك على القاضي المنتدب، أو من تاريخ تقديم ملتمس الاستبدال إلى القاضي المنتدب كونه رئيسا للجمعية إن كان موضوع انعقادها يخص استبدال السنديك، أو في اليوم الموالي إما لتاريخ توصل السنديك بمشروع مخطط التسوية لاستمرار نشاط المقاولة أو التاريخ إيداع تقرير السنديك بشأن تغيير أهداف ووسائل مخطط الإستمرارية.

يمكن للدائنين حضور الجمعية أو حضور وكيل خاص للدائنين، كما يشترط لصحة انعقادها، أن يحضرها على الأقل الدائنون الذين يمتلكون ثلثي مبلغ الديون المصرح بها.

وتعتبر قرارات الجمعية صحيحة عندما يوافق عليها الدائنون الحاضرون أو من يمثلهم و الذين يشكل مبلغ دیونهم الإجمالي نصف مبلغ دیون الحاضرين، أو من يمثلهم ممن شاركوا في التصويت، و تلتزم قرارات الجمعية الدائنين المخلفين عن الحضور.

وقد عمل المشرع المغربي كذلك على منح هذا الجهاز سلطات أخرى ذات طبيعة اقتراحية، تتمثل في إجبار الدائنين غير المصوتين لهذا المخطط على اقتراح مخطط بديل له داخل أجل 15 يوم، الأمر الذي نستنتج منه بمفهوم المخالفة أنه لا جدوى من عدم التصويت للمخطط إن لم يرفق ذلك بمخطط بديل.

2– مخطط الاستمرارية

إن تبني مخطط الاستمرارية من قبل المحكمة يشكل ميثاقا قضائيا حقيقيا يتسم بالمصلحة الاجتماعية العامة، يتضمن خلال مدة تنفيذه سبل تسوية المقاولة وسداد خصومها

وقد حدد المشرع المغربي الحد الأقصى من خلال مقتضيات المادة 628 من القانون رقم 73.17 ، لمدة مخطط الإستمرارية حيث خول للمحكمة السلطة في تحديد هذه المدة على ألا تتجاوز عشر سنوات، كما أن للمحكمة التجارية أن تقرر في الحكم الذي يحصر مخطط الإستمرارية أو يغيره، عدم إمكانية تفويت الأموال التي تعتبر ضرورية لاستمرار المقاولة، و يقيد هذا الحكم في السجل التجاري للمقاولة، وتبقى إمكانية تغيير المقتضيات المحصورة في مخطط الاستمرارية من اختصاصات المحكمة فقط إلى جانب سلطتها في فسخ هذا المخطط

كما أن المخطط يمكن أن يتضمن بعض التغييرات و التعديلات التي يمكن إدخالها على نظام المقاولة الأساسي وذلك حسب المادة 624 من القانون المذكور أعلاه، وبخصوص هذه التغييرات التي يمكن للمحكمة اتخاذها على مستوى التسيير، نجد أن الأمر يتعلق بنوعين من الإجراءات يمكن للمحكمة أن تقتضي بهما وفق سلطتها التقديرية وهما إقصاء المسيرين وتقليص نفوذهم

3– مخطط التفويت

يعتبر مخطط التفويت مناسبة أخرى لإبراز حجم الصلاحيات الاقتصادية التي يمارسها القضاء في إطار القانون الجديد لصعوبات المقاولة و لاشك في أن دور القضاء يشكل آلية فعالة لإنجاح عملية التفويت في جو من الشفافية و المصداقية وبروح من المهنية العالية، فالقاضي لا يقتصر على المصادقة أو التأشير على المخطط بل أنه يستعمل سلطاته المخولة له بمقتضى القانون لاختيار الحل الكفيل بتحقيق أهداف التسوية القضائية

ويتم التفويت عبر تقديم العروض من الدائنين الراغبين في أن تفوت لهم المقاولة إلى السنديك، حيث تبقى السلطة التقديرية للمحكمة التجارية لاختيار العرض الذي تراه أكثر ضمانا لاستقرار مناصب الشغل بالمقاولة المفوتة ولأداء مستحقات الدائنين

كما يحدد حكم المحكمة باعتماد العرض المناسب و العقود الضرورية التي تنتقل مع المقاولة للحفاظ على نشاطها و هذه العقود هي عقود الائتمان التجاري و عقود الكراء والتزويد بالسلع و الخدمات و يكون الحكم على الابقاء على هذه العقود بمثابة تفويت لها.

الفقرة الثانية: دور المحكمة في مسطرة التصفية القضائية

تفتتح مسطرة التصفية القضائية تلقائيا من طرف المحكمة أو بطلب من رئيس المقاولة أو الدائنين أو النيابة العامة، إذا تبين لها أن وضعية المقاولة مختلة بشكل لا رجعة فيه

وتعتبر مسطرة التصفية القضائية على خلاف التسوية القضائية التي تروم إلى إنقاد المقاولة عن طريق مخططي الإستمرارية و التفويت، مسطرة ترمي إلى تصفية المقاولة الفشل هذا الانقاذ، و بعبارة أخرى فإن مسطرة التصفية القضائية كمسطرة الإفلاس ذاتها، بحيث أنه نظام تصفوي لا مفر منه لفشل علاج المساطر الأولى

ويبرز دور القضاء خلال مسطرة التصفية القضائية من خلال آلياتها {أولا وآثارها ثانيا بالإضافة إلى قفل المسطرة المذكورة{ثالتا}.

أولا: آليات التصفية القضائية

قبل اللجوء إلى قفل مسطرة التصفية القضائية، لابد من القيام بتحقيق أصول المقاولة من عقارات ومنقولات بغية بيعها {1}، وتصفية خصومها بتوزيع عائداتها على الدائنين حسب طبيعتهم ودرجاتهم{2}.

1- تحقيق الأصول

لقد تطرق المشرع المغربي الأحكام بيع أصول المقاولة في طور التصفية في المواد 654 إلى 662 من القانون رقم 73.17

ويقوم السنديك في هذه المسطرة بدور كبير، حيث يسعى إلى تفويت وحدات الإنتاج في التصفية القضائية إلى الحصول على عروض الشراء أو الاقتناء ويحدد الأجل الذي يستلم خلاله هذه العروض. . وعليه وباستقرائنا للمواد السالفة الذكر يتبين لنا أن عملية تحقيق الأصول تتم ببيع أموال المقاولة أو التفويت الشامل لوحدات الإنتاج سواء المنقولة أو العقارية

– بيع العقارات:

إن بيع العقار يتم في شكل مزايدة علنية وفق الإجراءات الواردة في باب الحجز العقاري من قانون المسطرة المدنية طبقا للمادة 654 من القانون رقم 73.17

ويتم كل هذا تحت مراقبة القاضي المنتدب الذي يحدد الثمن الافتتاحي للمزايدة والشروط الأساسية وكذا شكليات الشهر، وقد يتخذ البيع شكل مزايدة ودية، إضافة إلى أن البيع يمكن أن يتم بالتراضي وفقا للثمن والشروط التي يحددها هو أيضا، إذا كان من شأن طبيعة ومحتوى العقارات، وموقعها أو العروض المقدمة ، إتاحة التوصل إلى تفويت ودي بأفضل الشروط وفي هذه الحالة المزايدة الودية. يمكن اللجوء دائما إلى تعلية الثمن وكل هذا إذن يتم تحت إشراف و سلطة القاضي المنتدب، الذي لا يأمر بالبيع إلا بعد الاستماع الرئيس المقاولة والسنديك أو استدعائهما بصفة قانونية، كما يتلقی ملاحظات المراقبين، وتعتبر هذه الإجراءات ضرورية تحت طائلة بطلان البيع العقاري.

– بيع المنقولات:

تطرق القانون الجديد رقم 73.17 لبيع المنقولات في المادة 656 منه، والمنقولات بمفهومها الواسع عبرت عنها المادة بأموال المقاولة الأخرى، بمعنى أن المنقولات يمكن أن تشمل الأموال التي تستخدمها المقاولة في نشاطها التجاري أو الصناعي أو الخدمات…، كما تشمل سائر اموال المدين المرصدة لأنشطته المهنية أو الشخصية

ونفس الشيء بالنسبة للمنقولات كذلك حيث يتم بيعها تحت سلطة القاضي المنتدب ومراقبته، إما بالمزاد العلني أو بالتراضي، شريطة الاستماع لرئيس المقاولة أو استدعائه قانونيا وبعد الاطلاع على ملاحظة المراقبين.

– التفويت الشامل لوحدات الإنتاج

إن التفويت الشامل لوحدات الإنتاج قد يشمل جزء أو مجموع الأصول المنقولة أو العقارية طبقا للفقرة الأولى من المادة 655 من القانون رقم 73.17

وعليه فإن المادة أعلاه بينت شكليات هذا البيع وكذا شروطه، إذ يتلقى السنديك عروض التملك خلا آجل يحدده بنفسه لاستلام هذه العروض.

ويقوم القاضي المنتدب طبقا للفقرة السادسة من المادة 655 باختيار العرض الذي يبدو له أكثر جدية بعد سماع رئيس المقاولة و المراقبين وكذا مالكي المحلات التي تستغل بها وحدة الإنتاج إن اقتضى الحال.

هذا العرض يجب أن يكون كتابيا و أن يشمل على البيانات 27، المنصوص عليها في البنود من 1 إلى 5 من المادة 636 من القانون رقم 73.17

ويتم إيداع هذه العروض لدى كتابة ضبط المحكمة حتى يتمكن الأغيار من الاطلاع عليها، دون إعطاء هذا الحق للمدين وكذا للمسيرين القانونيين أو الفعليين للشخص الاعتباري أو أي قريب أو أصهار حتى الدرجة الثانية من القرابة بدخول الغاية، وذلك من أجل ضمان شفافية هذه العملية

 2- تصفية الخصوم

إن الوفاء بالديون يشكل الهدف الأساسي للتصفية القضائية، حيث يقوم السنديك بتوزيع الديون حسب الترتيب الذي يحتله الدائنون، وتعد هذه الأخيرة عملية جد صعبة لتناقض قيمة أموال المقاولة في مرحلة التصفية، ونتيجة هذه الحساسية التي تميز هذه العملية وتنوع طبيعة الديون التي تكون على المقاولة المدينة، وبالتالي تعدد مراتب الدائنين وتزاحمهم، فإن أمر تصفية هذه الخصوم يتطلب إتباع العديد من الاحتياطات و المساطر الكفيلة بضمان حقوق جميع هؤلاء

وإذا كانت تصفية خصوم المقاولة وتسديد ديونها عبر عائدات عمليات البيع من الأهداف الأساسية للتصفية القضائية، فإن ذلك لا يعني أن الوفاء بمستحقات الدائنين يتوقف جملة وتفصيلا على انتهاء عمليات بيع أصول المقاولة، ذلك أنه يمكن للقاضي المنتدب من تلقاء نفسه أو بطلب من السنديك أو أحد الدائنين أن يأمر بأداء مسبق لقسط من الدين بشرط أن يكون مقبول نهائيا في باب الخصوم وإن كانت هذه الإمكانية تعتبر استثناء من قاعدة وقف المتابعات الفردية ومنع الأداءات.

وحماية لحقوق الدائنين أصحاب الامتيازات والضمانات فقذ قرر المشرع حكما خاصا يقضي بأنه يمكن للدائنين المتوفرين على امتیاز خاص أو رهن رسمي أو رهن حيازي وكذا الخزينة العامة بالنسبة لديونها الممتازة، ممارسة دعاویهم الفردية إذا لم يقوم السنديك بتصفية الأموال المثقلة بهذه الرهون و الامتيازات داخل اجل ثلاثة أشهر من تاريخ صدور الحكم القاضي بفتح مسطرة التصفية القضائية.

ومهما يكن من أمر فلا توزع مبالغ الأصول على الدائنين، كيفما كانت طبيعة الدين أو مرتبته، إلا بعد خصم مصاريف ونفقات التصفية القضائية

ثانيا: آثار مسطرة التصفية القضائية

إن الحكم بالتصفية القضائية تترتب عنه مجموعة من الآثار من بينها استمرارية نشاط المقاولة الخاضعة للتصفية القضائية، حيث إن متابعة أو استمرار نشاط المقاولة في حالة الحكم عليها بالتصفية القضائية لا يتم إلا بناءا على حكم صادر من المحكمة يأذن بالاستمرارية خلال المدة التي تحددها من تلقاء نفسها أو بطلب من السنديك أو وكبل الملك طبقا لما نصت عليه المادة 652 من القانون رقم 73.17

وبناء على المادة السالفة الذكر فإن إستمرار نشاط المقاولة لا يمكن للمحكمة أن تأذن به إلا إذا توافرت إحدى الشروط التالية:

– إذا اقتضت المصلحة العامة استمرار نشاط المقاولة

– إذا اقتضت مصلحة الدائنين استمرار نشاط المقاولة الخاضعة للتصفية القضائية

ويقوم السنديك بتسيير المقاولة خلال هذه الفترة مع إشرافه على سير المسطرة كذلك

ثالثا: قفل مسطرة التصفية القضائية

انطلاقا من المادة 669 من القانون رقم 73.17 ، يمكن للمحكمة أن تقضي في أي وقت ولو تلقائيا بقفل التصفية القضائية بعد استدعاء رئيس المقاولة وبناء على تقرير القاضي المنتدب في الأحوال الآتية:

– حالة قفل المسطرة لعدم وجود الخصوم

تعد حالة عدم وجود خصوم واجبة الأداء أو توفر السنديك على المبالغ الكافية لتغطية ديون الدائنين، حالة جد قليلة إن لم تكن نادرة، لأن الغالب أن لا تكفي أصول المقاولة لسداد خصوم الدائنين وليس العكس خاصة أن الواقع العملي يؤكد أن المقاولات التي تصل إلى مرحلة التصفية القضائية غالبا ما تكون وضعيتها جد مختلفة، لكن يبقى هناك احتمال واحد وهو انقضاء ديون الدائنين الذين لا يقومون بالتصريح بديونهم داخل الأجل القانونية ولم يقدموا بممارسة دعوى رفع السقوط خلال أجل سنة الأمر الذي يفسر عدم وجود خصوم واجبة الأداء

– حالة قفل المسطرة لعدم كفاية الأصول

بالرجوع إلى المادة 669 من القانون رقم 73.17 نجدها تؤكد في فقرتها الأخيرة على أنه يمكن إعادة فتح مسطرة التصفية القضائية بطلب ممن كل ذي مصلحة وبموجب حكم معلل كلما تبين أن هناك أصولا لم يتم تحقيقها أو دعاوی لم تباشر لفائدة الدائنين ومن شأنها إعادة تأسيس أصول المقاولة

 الفقرة الثالثة: دور النيابة العامة في مساطر المعالجة من صعوبات المقاولة

إن خصوصية عنوان هذه الفقرة اقتضت منا تناولها من خلال زاويتين، أولهما صلاحية النيابة العامة في تحريك مسطرة المعالجة (أولا)، ومن زاوية المشاركة في تسيير هذه المسطرة (ثانيا).

أولا: صلاحية النيابة العامة في تحريك مساطر المعالجة

يحق لوكيل الملك لدى المحكمة التجارية طلب فتح مسطرة المعالجة المنصوص عليها في مدونة التجارة، كما يمكن تقديم طلب تمديد المسطرة إلى مقاولة أخرى بسبب تداخل ذممهم المالية.

وبخصوص كيفية معرفة وكيل الملك ان مقاولة معينة متوقفة عن الدفع فإن ذلك يتأتى له عن طريق ما يلاحظه من خلال الملفات التي قد تحال عليه من طرف المحكمة للإدلاء بمستنتجاته أو من خلال محاضر الاحتجاج بعدم الدفع أو عن طريق ما يستبان له من التقييدات الواردة بالسجل التجاري، وبوجه عام كل ما يفيد في الوقوف على وضعية المقاولة المعنية

وتعد النيابة العامة طرفا رئيسيا في الخصومة إذا كانت هي التي طلبت بفتح المسطرة.

ثانيا: المشاركة في تسيير مسطرة المعالجة

تعتبر صلاحيات النيابة العامة أثناء سير المسطرة الجماعية في قانون صعوبات المقاولة المغربي أقل أهمية من صلاحياتها في تحريك هذه المسطرة ، فهي لا تتمتع بصلاحيات حقيقية تمكنها من المشاركة في تسيير المسطرة والتأثير في أطوارها.

وعليه يمكن وصف دور النيابة العامة في هذا المجال بمحدوديته أثناء سير مسطرة المعالجة في أن أهم صلاحية تتمتع بها خلال هذه المرحلة هي الدور الإخباري الذي تقوم به تجاه باقي أجهزة المسطرة وخاصة في العلاقة مع القاضي المنتدب

وفي هذا الإطار فالدور الإخباري الذي تقوم به النيابة العامة هو دور له من الأهمية الكبيرة في التأثير في مصير المقاولة، فالمعلومات التي تقوم النيابة العامة بجمعها في هذا الصدد تشكل نقطا دقيقة تساعد على إعداد وحصر مخطط إنقاد المقاولة

إلا أن المشرع المغربي لم يمنح للنيابة العامة دور الرقابة أثناء انطلاق مسطرة المعالجة على غرار باقي الأجهزة الأخرى، إذ لا تملك النيابة العامة حق طلب استمرار نشاط المقاولة باستثناء حالة المقاولة الخاضعة للتصفية القضائية إذا اقتضت المصلحة العامة أو مصلحة الدائنين طبقا للفقرة الأولى من المادة 652 من القانون رقم 17. 73 التي تنص على ما يلي: إذا اقتضت المصلحة العامة أو مصلحة الدائنين استمرار نشاط المقاولة الخاضعة للتصفية القضائية جاز للمحكمة أن تأذن بذلك لمدة تحددها إما تلقائيا أو بطلب من السنديك أو وكيل الملك”.

ونشير الى أنه رغم محدودية الدور التدخلي للنيابة العامة بعد انطلاق مسطرة معالجة صعوبات المقاولة إلا أنها تتدخل كطرف منضم في جميع القضايا التي يفرض القانون تبليغها إليها و أهمها القضايا المتعلقة بالنظام العام الاقتصادي و الاجتماعي.

المطلب الثاني: المساطر العابرة للحدود الصعوبات المقاولة

تعتبر هذه المساطر من المستجدات التي جاء بها المشرع المغربي في القانون الجديد، وذلك بغية انفتاح المشرع المغربي على مساطر المعالجة بالنسبة للمقاولات في صعوبات عابرة للحدود وكذا توفير سبل التعاون الدولي القضائي بين المحاكم عموما، والذي يتعين على المحاكم المغربية أن تأخذه بعين الاعتبار وتسهر على تنفيذه سواء مباشرة أو بواسطة السنديك كجهاز فاعل في هذا النظام. هذه المساطر تطبق حسب المادة 770 من القانون 17. 73 عندما تطلب محكمة أجنبية أو ممثل أجنبي أو دولة أجنبية، المساعدة داخل تراب المملكة فيما يتعلق بمساطر صعوبات المقاولة، أو عندما يكون للدائنين أو الأطراف معينة في دولة أجنبية مصلحة في طلب فتح المسطرة أو عندما تكون مسطرتان متعلقتان بنفس المدين مفتوحتان في آن واحد داخل المغرب وفي دولة أجنبية.

وعلى ذلك سنتناول الولوج الى المساطر الوطنية والاعتراف بالمساطر الأجنبية (الفقرة الأولى)، في حين نعرج على تزاحم مساطر صعوبات المقاولة العابرة للحدود (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الولوج الى المساطر الوطنية والاعتراف بالمساطر الأجنبية

بالنسبة لإجراءات اللجوء إلى المساطر الوطنية تتمثل في تقديم طلب مباشرة من طرف الممثل الأجنبي إلى المحكمة المختصة داخل تراب المملكة طبقا للمادة 776 من القانون رقم 17 . 73 ، و الممثل الأجنبي هو الذي يتمثل في كل شخص أو هيئة مأذون لهما في إطار مسطرة أجنبية، بإدارة أموال المدين وشؤونه عن طريق المعالجة أو التصفية، كما يمكن له التقدم بطلب الاعتراف بمسطرة أجنبية في صعوبات المقاولة

وفي هذا الإطار قد میز المشرع المغربي بين المسطرة الأجنبية الرئيسية وأخرى غير رئيسية، فالأولى تتم في الدولة التي يوجد فيها المركز الرئيسي لمصالح المدين، و الثانية تتم في الدولة التي توجد فيها مؤسسة للمدين يمارس فيه نشاطا اقتصاديا غير عارض بوسائل بشرية و بسلع أو خدمات .

وعليه فإنه يترتب عن الاعتراف بالمسطرة الأجنبية الرئيسية الذي يعد دليلا على التوقف عن الدفع للمدين مالم يثبت خلافه وقف الدعاوى الفردية والإجراءات التنفيذية إضافة لمنع المدين من التصرف في أمواله بنقلها أو تفويتها أو تأسيس أي ضمان عليها طبقا للمادة 785 من القانون 17. 73

كما يمكن أن يأمر بنفس التدابير التحفظية وغيرها من طرف المحكمة المختصة ولو في حالة المسطرة الأجنبية غير الرئيسية إذا اقتضتها ضرورة حماية أموال المدين أو الدائنين وذلك بناء على طلب الممثل الأجنبي طبقا للمادة 786

الفقرة الثانية: تزاحم المساطر العابرة للحدود في صعوبات المقاولة

وحماية لكل ما من شأنه أن يعرقل سير هاته المسطرة، ولاسيما في حالة تزاحم المساطر المفتوحة في وجه نفس المدين، فإن المشرع سن مقتضيات خاصة بالتنسيق بين المسطرة الوطنية و الأجنبية، حيث لا يجوز بعد الاعتراف بمسطرة أجنبية رئيسية، الحكم بفتح مسطرة أخرى في صعوبات المقاولة إلا في الحالة التي يتوفر فيها المدين على أموال داخل تراب المملكة طبقا للمادة 791 من القانون رقم 17. 73 . إضافة إلى التنسيق بين المساطر الأجنبية وفق الحالات المنصوص عليها في المادة 794 من القانون رقم 17 . 73 ، والتي تنص على ما يلي:” في حالة تزاحم بين مسطرتين أجنبيتين بخصوص نفس المدين، تعمل المحكمة على تحقيق التعاون والتنسيق حسب الشروط التالية:

– في الحالة التي تكون فيها المسطرة المعترف بها رئيسية، يتعين أن يكون كل تدبير متخذ طبقا للمادتين 784 و 786 أعلاه، في إطار مسطرة أجنبية غير رئيسية لاحقة، موافقا للمسطرة الأجنبية الرئيسية؛

– في الحالة التي يكون فيها الاعتراف بالمسطرة الاجنبية كمسطرة رئيسية لاحقا للاعتراف بمسطرة أجنبية غير رئيسية أو بعد تقديم طلب الاعتراف بهذه الأخيرة، يجب على المحكمة أن تعيد النظر في كل تدبير متخذ طبقا للمادتين 74 و 786 أعلاه، بتعديله أو بإنهائه بالشكل الذي يتفق مع المسطرة الأجنبية؛

– في حالة الاعتراف بمسطرتين أجنبيتين غير رئيسيتين، فإن على المحكمة عند أو انهاء أحد التدابير المذكورة مراعاة التنسيق بين المسطرتين.”

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!