دعوى الاستحقاق الفرعية

دعوى الاستحقاق الفرعية – شروطها و أطرافها و آثارها

دعوى الاستحقاق الفرعية

عرف الفقه دعوى الاستحقاق الفرعية بأنها الدعوى التي يرفعها شخص من الغير إلى محكمة الموضوع المختصة، مدعيا ملكية العقار الذي وقع حجزه ولم تنتهي إجراءات المزايدة النهائية الأخيرة طالبا رفع الحجز.

وقد نظم المشرع المغربي هذه الدعوى في الفصلين 482 و 483 من ق.م.م، ومن خلال الإطلاع على هذين الفصلين يستشف وجود عدة شروط لقبول هذه الدعوى، كما أنها لا ترفع إلا من الغير تجاه أطراف دعوى الحجز ) الفقرة الأولى (. كما أن دعوى الاستحقاق الفرعية تخلف أثار مهمة سواء أثناء رفعها والبت فيها أو بعد صدور الحكم فيها ) الفقرة الثانية ( .

الفقرة الأولى: أطراف وشروط دعوى الاستحقاق الفرعية

يجب في البدء تحديد أطراف دعوى الاستحقاق الفرعية وبعدها التطرق لمختلف شروطها.

أولا: أطراف دعوى الاستحقاق الفرعية

لا يمكن أن تكون هناك دعوى بالمعنى الحقيقي للكلمة إذا لم يكن هناك مدعي و مدعى عليه الطرفين الاعتياديين لجميع الدعاوى، أو ما يطلق عليه بخصوم الدعوى.

لكن ونظرا لخصوصية دعوى الاستحقاق الفرعية، فقط أعطى المشرع المغربي من خلال الفصلين 482 و 483 ق.م.م حق رفعها فقط للغير المتضرر من إجراءات التنفيذ الجبري دون سواه، وذلك تمييزا لها عن باقي الدعاوى التي يمكن أن تثار خلال سريان إجراءات الحجز والتنفيذ. وللإلمام بالجوانب الخاصة لكل طرف من أطراف هذه الدعوى سنتطرق بالدراسة لكل واحد منهم على حد:

1 – المدعي في دعوى الاستحقاق الفرعية

لقد أعطى المشرع من خلال الفصل 482 ق.م.م، حق رفع دعوى الاستحقاق الفرعية للغير دون سواه، ومن ثم لا يمكن رفعها إلا من شخص يعد غيرا بالنسبة لعملية التنفيذ، وهو ما أكده المجلس الأعلى في احد قراراته: “الغير هو الذي لا صلة له بالمحجوز عليه من قريب أو بعيد، كالوارث مثلا لا يعتبر غيرا في تركة الهالك المحجوز عليه لأنه خلفا فيها”.

أما إذا كان المدعي طرفا في هذه العملية فلا يحق له سوى أن يتمسك بحقه عن طريق الاعتراض على قائمة شروط البيع.

وبذلك يشترط في الغير المدعي ألا يكون ملتزما شخصيا بأداء الدين محل عملية الحجز كالمدين الأصلي أو خلفه، أو المتضامن معه أو الكفيل الشخصي أو العيني لأن هؤلاء لا نزاعحول ملكيتهم للعقار ولكن سبب حجز عقاراتهم هو التزامهم إلى جانب المدين وإقرارهم معه بالدين،  ويضاف إلى هؤلاء كل من أصحاب الحقوق العينية الأصلية الواقعة على العقار، باستثناء ما إذا كانالتنفيذ منصبا على هذه الحقوق فقط.

وفي هذا الصدد نتساءل عن مدى إمكانية رفع دعوى الاستحقاق الفرعية من قبل أحد أطراف عملية الحجز إذا كان يتوفر على صفتان؟ صفة المدعي أو المدعى عليه وصفة غير.

بالفعل إذا كان لأحد أطراف عملية التنفيذ صفتان أمكنه رفع دعوى استحقاق فرعية، اعتمادا على الصفة الثانية كما لو حجز على شخص بصفته وليا أو نائبا قانونيا أو مقدما على قاصر أو ممثلا قانونيا لشخص معنوي فيدعي ملكية العقار بصفته الشخصية لوقوع العقار على مال يدخل في ذمته المالية أو كما لو تبين للدائن الحاجز أن التنفيذ قد انصب على عقارات ترجع ملكيتها له.

ونفس الشيء بالنسبة لورثة المحجوز عليه، فبالرغم من أنهم يعتبرون خلفا عاما ويمنعون تبعا لذلك من رفع دعوى استحقاق فرعية، إلا أنه إذا ما تبين لهم أن الحجز انصب على ممتلكاتهم أمكنهم إذ ذاك رفع دعوى استحقاق فرعية، وإن كنا قد تعرفنا على المدعي في دعوى الاستحقاق الفرعية فمن هو المدعى عليه في هذه الدعوى؟

2 – المدعى عليه في دعوى الاستحقاق الفرعية

إذا كان المشرع المغربي قد حدد المدعي في الفصل 482 ق.م.م، وأعطى للغير دون سواه حق رفع دعوى الاستحقاق الفرعية، فإنه بالنسبة للمدعى عليه لم يبين لنا من هو؟

لا شك أن أول من سيتم توجيه دعوى الاستحقاق ضده هو المدين المحجوز عليه، وبذلك سينازع المحجوز عليه في الملكية، وإذا كان الحجز ينصب على عقارات الكفيل العيني أو الحائز فإن الدعوى توجه ضد هؤلاء، وبما أن الشق الثاني في دعوى الاستحقاق الفرعية تنصب على بطلان إجراءات التنفيذ فإن المدعي سيوجه دعواه ضد الدائن الحاجز وبقية الدائنين المقيدين أو المتدخلين في مسطرة التنفيذ أيضا، وذلك قصد إيقاف إجراءات التنفيذ من جهة واعتبار الحكم حجة عليهم لكونهم أطرافا فيه من جهة أخرى.

لكن ماذا لو أغفل المدعي إدخال أحد من الذين سبق ذكرهم في الدعوى، فهل تكون هذه الأخيرة مقبولة أم لا؟

هناك اتجاه يرى وجوب إدخال كل الأطراف في الدعوى وتبعا لذلك اختصام هؤلاء جميعا في الدعوى وإلا كانت غير مقبولة، فإذا أغفل المدعي إدخال أحد من الذين سبق ذكرهم، فإنها ستكون معيبة وتعين الحكم بعدم قبولها، وهذا ما أكدته حيثيات الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة والذي جاء فيه: “…وحيث إن دعوى الاستحقاق الفرعية، المنصوص عليها في الفصل 482 من ق.م.م، إنما ترفع ضد الحاجز والمتدخلين في الحجز والمحجوز عليه بحضور عون التنفيذ.

وحيث إن الجهة المدعية وجهت دعواها ضد الحاجز بحضور السيد رئيس كتابة الضبط دون المحجوز عليها.

وحيث إنه بإقصاء المحجوز عليها في الدعوى فإن هذه الأخيرة تكون مختلة شكلا ويتعين بالتالي عدم قبولها”

في حين يذهب اتجاه آخر إلى أن عدم إدخال أحد ممن أوجب المشرع اختصاصهم في الدعوى يجعلها مقبولة وصحيحة لكن الحكم الصادر فيها لا تسري آثاره إلا في مواجهة من كان طرفا فيه وذلك طبقا لمبدأ نسبية الأحكام.

ثانيا: شروط دعوى الاستحقاق الفرعية

بقراءة متأنية للفصل 482 ق.م.م يلاحظ أن المشرع المغربي قد اشترط توفر دعوى الاستحقاق الفرعية على مجموعة من الشروط الموضوعية حتى تكون مقبولة. فما هي هذه الشروط ؟وكيف تعامل معها القضاء المغربي؟

1 – ضرورة رفع دعوى الاستحقاق الفرعية داخل أجل معين

كما سبقت الإشارة إليه أعلاه، فدعوى الاستحقاق الفرعية توصف بهذه الصفة “الفرعية”، لأنها متفرعة عن عملية التنفيذ.

فالتنفيذ على العقار يبدأ بالتنبيه بنزع الملكية، فإذا رفعت الدعوى بعد التنبيه حتى ولو قبل تسجيله فهي دعوى استحقاق فرعية، وذلك أيا كانت المرحلة التي وصلت إليها إجراءات التنفيذ الجبري طالما سبقت إيقاع البيع.

وهكذا يشترط في دعوى الاستحقاق الفرعية أن تقدم بعد البدء في إجراءات الحجز وقبل رسو المزاد العلني النهائي، أما إذا قدمت خارج هذا الإطار الزمني الإجرائي، فتتحول من دعوى استحقاق فرعية إلى دعوى استحقاق أصلية، لانفصالها التام عن إجراءات التنفيذ، فخاصية هذه الدعوى هي التلازم والترابط بين ادعاء الغير لملكية العقار وطلب بطلان الحجز لهذه العلة،

فإذا تخلف أحدهما لم يجز تسميتها بدعوى استحقاق فرعية، وبذلك إذا اقتصر المدعي على طلب تقرير الملكية دون إبطال إجراءات الحجز فإن الدعوى لا تكون دعوى استحقاق فرعية، وإنما دعوى استحقاق أصلية، حيث لا تخضع للإجراءات ولا ترتب الآثار القانونية الخاصة بهذه الدعوى، ومن تم لن يستفيد المدعي في هذه الحالة من خاصية المرونة والسرعة التي تطبع هذه الأخيرة.

لكن التساؤل الذي قد يتبادر إلى الذهن، ما هي المرحلة التي يجب أن ترفع فيها دعوى الاستحقاق الفرعية؟ علما أن عملية الحجز قد تبتدئ بحجز تحفظي أو إنذار عقاري ثم يتحول بعد ذلك إلى حجز تنفيذي.

بالرجوع إلى نص الفصل 482 ق.م.م نجده يورد كلمة “الحجز” بصفة عامة دون أن يحدد ما إذا كان الحجز تحفظيا أم تنفيذيا، كما يتبين لنا أن هذا الفصل جاء في الفرع الخاص بالحجز التنفيذي، فهل دعوى الاستحقاق الفرعية رهينة بمرحلة الحجز التنفيذي ؟ أم أنها تشمل حتى مرحلة الحجز التحفظي؟

والرأي فيما اعتقد انه حماية لهذا الغير الذي قد تتضرر مصالحه من جراء إجراءات التنفيذ، يمكنه أن يتقدم بدعوى استحقاق فرعية بمجرد علمه بحجز العقار تحفظيا. فأمام انتشار ظاهرة عدم تحيين الرسوم العقارية، فمصالح الغير المالك الحقيقي للعقار الذي تباطأ في تسجيل عقد شرائه مثلا بالسجل العقاري ستتضرر لا محالة، خاصة إذا علمنا أن الفصل 207 من ظهير 2 يونيو 1915 يوجب على عون التنفيذ تسجيل كل حجز سواء كان تحفظيا أو تنفيذيا طبقا للفصل 65 من ظهير التحفيظ العقاري، وما يستتبع ذلك من عدم نفاذ أي تصرف يتم بعد تسجيل ذلك الحجز وفقا لمقتضيات المادة 435 ق.م.م 232 ومنع المحافظ من إجراء أي تسجيل جديد بمجرد تبليغه بالحجز عملا بمقتضيات الفصل 87 من ظهير 12 غشت 1913

وتجدر الإشارة إلى أن دعوى الاستحقاق الفرعية إذا شملت عدة عقارات بعضها وقع الحجز عليه والبعض الآخر لم يشمله الحجز أو شمله وانتهت إجراءات بيعه، فإنها تكون دعوى استحقاق فرعية بالنسبة للعقارات التي لا زالت محجوزة ودعوى استحقاق أصلية بالنسبة للباقي.

لكن التساؤل الذي يطرح بهذا الخصوص، هو ماذا لو وقع تداخل بين دعوى الاستحقاق الأصلية وبين تاريخ بدء في إجراءات التنفيذ الواقع على نفس العقار المراد استحقاقه، فهل تتحول دعوى الاستحقاق الأصلية في هذه الحالة إلى دعوى استحقاق فرعية أم لا؟ وهل من شان صدور حكم قضائي يقضي باستحقاق عقار قبل سلوك مسطرة الحجز أن يبطل إجراءات الحجز؟

فبالنسبة للتساؤل الأول فلكي يستطيع رافع دعوى الاستحقاق الأصلية الاستفادة من خصائص دعوى الاستحقاق الفرعية السرعة والمرونة يجب أن يدخل الدائن الحاجز في الدعوى ويكيف دعواه على أساس الفصل 483 من ق.م.م كما يجب عليه أن يقدم الوثائق المثبة لسريان مسطرة دعوى الاستحقاق الأصلية لعون التنفيذ ويثبت أنها مستوفية للشروط القانونية.

وبالنسبة للتساؤل الثاني، فلكي يستفيد المستحق للعقار من وقف إجراءات التنفيذ عليه أن يسلك نفس الإجراءات التي سبقت الإشارة إليها في الحالة السابقة مع إدلائه بالحكم الذي قضى باستحقاقه للعقار، إذ ذاك تتوقف إجراءات الحجز العقاري بقوة القانون

2 – أن ينصب طلب دعوى الاستحقاق الفرعية على حق الملكية

يتعين لمباشرة إجراءات التنفيذ أن تكون الأموال المحجوزة مملوكة للمنفذ عليه، باعتبارها ضمان عام لدائنيه، ونتيجة لذلك إذا ما انصب الحجز والتنفيذ على عقارات مملوكة للغير كان من حق هذا الأخير رفع دعوى استحقاق فرعية، فهذه الأخيرة شرعت إذن لحماية أسمى حق دستوري و هو حق الملكية، وبمفهوم المخالفة فإن هذا الغير وحتى تقبل دعواه يجب أن يكون مالكا لهذه العقارات بسبب من أسباب كسب الملكية، وإلا كان مصير طلبه عدم القبول لانعدام الصفة والمصلحة طبقا للفصل الأول من ق.م.م .

كما يشترط في ملكية الغير للعقار أن تكون منجزة وثابتة قبل رفع الدعوى، 237 غير معلقة على شرط أو أجل.

ويستوي في دعوى الاستحقاق الفرعية أن يطلب المدعي استحقاق العقار كله أو جزء منه مفرزا أو شائعا، وفي هذا الصدد ذهب المجلس الأعلى في أحد قراراته “إن المطالبة باستحقاق الكل مع الإدلاء بما يثبت الجزء يستوجب الحكم باستحقاق هذا الجزء فقط”.

وهو نفس ما ذهبت إليه احد أوامر رئيس المحكمة الابتدائية بمكناس “وحيث انه ما دامت المدعية المذكورة غير مدينة للمدعى عليه بصفتها الشخصية بأي مبلغ مالي، إذ لا يوجد بالملف ما يفيد ذلك و إنما مدينة له بصفتها وارثة للقندوسي علي فقط فان الإقدام على بيع كل العقار رغم تملكها لنصفه بالشراء يكون في غير محله و يتعين الأمر بإيقاف تنفيذ بيع هذا النصف و مواصلة التنفيذ فقط في الحقوق التي يملكها ورثة علي القندوسي فيه بالإرث”.

لكن التساؤل الذي يطرح بخصوص موضوع هذه الدعوى، هل يجوز أن ينصب طلب المدعي على حق آخر غير حق الملكية؟ كحق الارتفاق أو الانتفاع مثلا.

يرى البعض أن دعوى صاحب الحق العيني تكون مسموعة في حالة ما إذا كان التنفيذ يرد فقط على هذا الحق، وليس على ملكية العقار أما إذا كان الحجز ينصب على ملكية العقار فلا يجوز المطالبة باستحقاق حق من الحقوق المقررة عليه، لأن هذه الحقوق لا تتأثر ببيع العقار، ولأن البيع بالمزاد العلني لا ينقل للمشتري الذي رسا عليه المزاد سوى حقوق الملكية التي كانت للمحجوز عليه لأن البيع لا يطهر العقار من الحقوق الملتصقة به.

3- ضرورة طلب بطلان إجراءات التنفيذ

كما سبقت الإشارة إليه آنفا، فدعوى الاستحقاق الفرعية ترفع أثناء سريان مسطرة التنفيذ، وحتى تتوقف هذه الأخيرة ألزم المشرع من خلال الفصل 482 ق.م.م رافع دعوى الاستحقاق الفرعية بأن يشمل طلبه بالإضافة إلى استحقاق العقار طلب بطلان إجراءات التنفيذ.

ومن ثم فدعوى الاستحقاق الفرعية تتكون من شقين متلازمين، لا يغني أحدهما عن الآخر طلب استحقاق للعقار من جهة وطلب بطلان إجراءات التنفيذ من جهة أخرى. فتقديم هذه الدعوى من أجل المطالبة بأحد الشقين فقط يخرجها من الإطار القانوني المسطر لها.

فإذا ما قدمت الدعوى من أجل المطالبة باستحقاق العقار فقط تحولت من دعوى استحقاق فرعية إلى دعوى استحقاق أصلية، لا ترتب نفس الآثار المقررة للدعوى الأولى ألا وهي وقف التنفيذ، في حين إذا ما تمت المطالبة ببطلان إجراءات التنفيذ ودون المطالبة باستحقاق العقار تحولت من دعوى استحقاق فرعية إلى دعوى بطلان إجراءات التنفيذ.

فطلب بطلان إجراءات التنفيذ إذن شرط أساسي لاعتبار الدعوى دعوى استحقاق فرعية بل إن زوال إجراءات التنفيذ بالحكم ببطلانها أو تنازل الحاجز عنها يحول دعوى الاستحقاق الفرعية إلى دعوى استحقاق أصلية.

كما لا يجوز اعتبار طلب الملكية أثناء سير التنفيذ منطويا ضمنيا على طلب بطلان الإجراءات لتخلف شرط من شروط التنفيذ لوقوعه على عقار مملوك للمنفذ ضده، إنما لابد أن تتضمن الدعوى لكي تعتبر دعوى استحقاق فرعية طلبا صريحا ببطلان الإجراءات تأسيسا على ثبوت الملكية للمدعي.  وإذا كانت تلك هي شروط دعوى الاستحقاق الفرعية فما هي آثارها؟

الفقرة الثانية: آثر دعوى الاستحقاق الفرعية في وقف إجراءات التنفيذ

رتب المشرع المغربي من خلال الفصلين 482 و 483 ق.م.م على رفع دعوى الاستحقاق الفرعية وقف إجراءات التنفيذ، لكن صياغة هذين الفصلين جاءت غامضة ومبهمة فيما يخص هذا الوقف، هل هو وقف تلقائي يترتب بمجرد رفع هذه الدعوى؟ أم يحتاج إلى استصدار حكم قضائي بذلك؟

وإذا كان هذا الوقف فعلا يستلزم إصدار حكم قضائي، فما هي الجهة المختصة بإصداره؟ للإجابة عن هذه الإشكالية انقسم الفقه والقضاء ببلادنا إلى اتجاهين:

اتجاه أول يذهب أنصاره إلى أن رفع دعوى الاستحقاق الفرعية ترتب بمجرد رفعها الوقف التلقائي والفوري لإجراءات التنفيذ بحكم القانون، ودون الحاجة لاستصدار حكم يقضي بوقف إجراءات التنفيذ، حتى ولو كان الحكم المنفذ مشمولا بالنفاذ المعجل، وذلك شريطة أن تكون هذه الدعوى مصحوبة بوثائق يظهر من خلالها أنها مبنية على أساس صحيح، ويتعين على عون التنفيذ في هذه الحالة التوقف عن إتمام أي إجراء بمجرد الإدلاء له بنسخة من المقال الافتتاحي للدعوى ،

وبعد ذلك فمحكمة الموضوع ملزمة حسب الفصل 483 من ق.م.م باستدعاء كل من المحجوز عليه والدائن الحاجز إلى أقرب جلسة ممكنة لإبداء اعتراضهما، وإذا ما تبين لها من خلال تفحص الوثائق المدلى بها بشكل سطحي أنها مبنية على أساس صادقت على وقف إجراءات التنفيذ ، أما إذا تبين لها العكس قضت باستمرار إجراءات الحجز وكان حكمها هذا مشمولا بالنفاذ المعجل بقوة القانون رغم كل تعرض أو استئناف طبقا لنفس الفصل أعلاه.

بينما الاتجاه الثاني يذهب أنصاره إلى أن دعوى الاستحقاق الفرعية لا ترتب وقف إجراءات الحجز بصفة تلقائية وإنما يجب على الغير الذي أقام هذه الدعوى أن يقدم دعوى أخرى مستقلة دعوى وقف الإجراءات لتقرر المحكمة ما إذا كان ثمة موجب قانوني لهذا الوقف أم لا، لأن المشرع حسب اعتقادهم لم يرتب على دعوى الاستحقاق الفرعية الوقف التلقائي لمسطرة الحجز، وإنما اشترط لتحقق هذه النتيجة أن تكون الدعوى مصحوبة بوثائق يظهر أنها مبنية على أساس صحيح، أي أن وقف إجراءات الحجز لا تتحقق في غيبة هذا الشرط وذلك حتى تتمكن المحكمة من مراقبة تلك الوثائق، فإذا ما تبين لها أن الطلب جدي قضت بوقف إجراءات التنفيذ، وإذا تبين لها العكس قضت برفض الطلب .

والتساؤل الذي يبقى مطروحا بخصوص هذا التوجه الأخير، ما هي الجهة المختصة للبث في طلب إيقاف إجراءات التنفيذ؟

ذهب البعض إلى كون رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات هو المختص بإصدار أمر إيقاف إجراءات التنفيذ ، وهو ما سار عليه أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالقنيطرة “حيث إن مقتضيات الفصل 482 ق م م توجب على قاض المستعجلات وقف إجراءات التنفيذ إذا ما أدلى المدعي بما يثبت رفع دعوى استحقاق العقار محل عملية الحجز، وأرفق دعواه بالوثائق المثبتة لذلك مما يتعين معه قبول الطلب”.

في حين ذهب البعض الآخر إلى أن محكمة الموضوع هي المختصة بإصدار أمر إيقاف إجراءات التنفيذ طبقا للفصل 482 وهو ما سار عليه أحد الأوامر الاستعجالية الصادر عن رئيس المحكمة التجارية بوجدة “…وحيث إن الفصل 483 من ق.م.م بعده جاء صريحا في تحديد الجهة القضائية، حيث جاء فيه: “يجب على طالب الاستحقاق لوقف الإجراءات أن يقدم دعواه أمام المحكمة المختصة…” وغني عن القول أن المقصود باصطلاح المحكمة هو قضاء الموضوع وليس رئيس المحكمة لا بصفته قاضيا للتنفيذ ولا قاضيا للمستعجلات لأنه كلما كان المقصود هذا الأخير استعمل المشرع صراحة اصطلاح رئيس كما فعل في الفصول 149 و 436 و 448 من ق.م.م وغيرها”. 264

وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن قبول دعوى الاستحقاق الفرعية يرتب أثرا ثانيا وهو المتجلي في بطلان إجراءات التنفيذ، فهذه الأخيرة تصبح هي والعدم سواء، وكأنها لم تكن من الأصل، وبالتالي يعود العقار إلى سابق عهده خال من أية قيود كانت مسجلة عليه بمقتضى الحجز الواقع عليه، كما يمنع الحاجز من ممارسة التنفيذ مرة ثانية على نفس العقار.

المراجع

– إبراهيم بحماني، تنفيذ الأحكام العقارية، مكتبة دار السلام الرباط

– يونس الزهري، الحجز التنفيذي على العقار في القانون المغربي، الجزء الثاني، المطبعة  والوراقة الوطنية مراكش

– حسن فتوخ، التقييد الاحتياطي وعلاقته بالحجوز والإنذارات العقارية، دار الآفاق المغربية للنشر والتوزيع

– عبد العلي حفيظ، العمل القضائي في الحجز التنفيذي العقاري، دار القلم

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!