مقالات

خصوصية عقد الهبة

خصوصية عقد الهبة

         يعتبر عقد الهبة من عقود التبرع التي أباحتها الشريعة الإسلامية الغراء، فكلمت “وهب” وردت في 12 أية من أيات القران الكريم، من ذلك قوله تعالى:” الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق”، “فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين” ، “وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي” ، “ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا” وغيرها من الايات الكريمة، والغاية من إقرار الهبة هي تقوية الروابط الإنسانية المبنية على أساس البر، لقوله تعالى:” لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون “[1] وتكريم الإنسان لأخيه الإنسان وخاصة وأننا نشهد في عصرنا الحالي تفكيك الروابط الإنسانية وتشتتها، واتسام العلاقات بين الناس بالفتور.

         وبالرجوع إلى مقتضات مدونة الحقوق العينية نجد المشرع عالج الهبة ضمن الفصل الثاني من الباب الثاني من الكتاب الثاني من هذه المدونة وخصها بالمواد من 273 إلى 289. وهكذا نجد المشرع تعرض إلى تعريف الهبة في الفصل 273 بأنها” تمليك عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض” وبالتالي فالهبة في مدلول هذا القانون تتعلق بالعقار وبالحقوق العينية، ولا تتعلق بالمنقول، وهي يقصد بها وجه الموهوب له في حياة الواهب.

            وعموما فالهبة كسائر العقود لابد فيها من إيجاب الواهب وقبول الموهوب له، لأن المال لا يدخل في ذمة شخص اخر إلا برضاه ما عدا التملك عن طريق الإرث، وهذا العقد يجب أن تتوفر فيه شروط صحة العقود المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود ولا سيما الأهلية وخلو الإرادة من العيوب كالإكراه أو التدليس. إلا أنه يمكن القول بان التراضي لا يكفي لصحة عقد الهبة إذ يجب أن ينصب هذا العقد في قالب معين على اعتبار أن المشرع اعتبر عقد الهبة من العقود الشكلية ( الفقرة الأولى)، كما أنه مع ذلك وقبل كل شيء يبقى عقدا متوقفا على حصول الحوز قبل حصول المانع حتى يعتد به ويرتب أثاره (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: خصوصية الشكلية في عقد الهبة

               الأصل في العقود هي الرضائية، بمعنى أن العقد يبرم بمجرد أن يتبادل المتعاقدان التعبير عن إرادتهما دون حاجة لأي إجراء أخر، واستثناء من ذلك قد يتطلب القانون إفراغ التراضي في شكل محدد وهو ما يصطلح على تسميته بالعقود الشكلية، وعقد الهبة من بين العقود التي يتطلب فيها الشكلية بقوة القانون وتكمن هذه الشكلية في الرسمية. والصيغة أو الشكلية في الهبة شرط صحة وانعقاد، وهكذا نصت المادة 274 من مدونة الحقوق العينية على أنه تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول ويجب تحت طائلة البطلان أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي.

  والجدير بالذكر أن توثيق التصرفات العقارية قبل صدور مدونة الحقوق العينية، كانت تخضع في تنظيمها لقانون الالتزامات والعقود بمقتضى الفصل [2]489 .في حين تبقى التصرفات التبرعية بصفة عامة، وعقد الهبة على وجه الخصوص خاضع لقواعد الفقه المالكي الذي يشترط لتحقيق صحة عقد الهبة الإشهاد عليها[3]،

لذلك يعتبر الإشهاد في الفقه المالكي شرطا في صحة التبرعات والتي تدخل في حكمها الهبة، هذه الأخيرة التي ينبغي أن ترد في محرر رسمي، إلا أنه نظرا لعدم وجود تنظيم تشريعي خاص بها في ذلك الوقت، فإنه وقع تجاوز في تحريرها ولو بعقد عرفي، الأمر الذي كان يثير العديد من التضارب الفقهي والقضائي، فبعض المحاكم قضت بإقرار الهبة الموثقة بعقد عرفي والبعض الأخر قضى ببطلانها.

في هذا الإطار نجد قرار للمجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) تحت عدد 50 الصادر بتاريخ 04-02-2009 يعتبر أن الهبة الموثقة في عقد عرفي المصحح الإمضاء والمسجل بالمحافظة العقارية في حياة الطرفين صحيحة، ومن حيثيات هذا القرار ما يلي: ” لئن كان الإشهاد شرط في التبرعات فإنه جرى العمل على جواز قبول العقد العرفي في صحة التبرعات إذا كان مصحح الإمضاء على اعتبار انه يقوم مقام الإشهاد، والمحكمة لما اعتبرته كذلك ورتبت عليه رفض الطلب الرامي إلى إبطاله تكون قد طبقت العمل القضائي وتكون الوسيلة بدون أساس”. [4]

وأمام هذا الوضع التشريعي غير السليم، ارتفعت أصوات بعض المتدخلين، لوضع حد لإزدواجية التعاقدية في مجال العقود التبرعية والتي يدخل في نطاقها توثيق عقد الهبة هذا الوضع يمكن تجسيده في صورتين لوجهي عملة واحدة والتي يمكن تصورها في المحرر الرسمي والمحرر العرفي. وهذا ما استجاب له المشرع بالفعل عندما صدر مدونة الحقوق العينية حيث جعل الكتابة في الهبات شرط صحة وانعقاد، واشترط في الكتابة أن يأتي محرر الهبة على شكل محرر رسمي تحت طائلة البطلان.

       وهكذا إذا اتفق العاقدان الواهب والموهوب له على إبرام عقد الهبة شفويا أو في محرر عرفي، تعتبر الهبة باطلة وكأنها لم تكن، والنتيجة إذا ما تقدم أطراف العقد او أحدهما سواء لتسجيل عقد الهبة الخالي من الرسمية لدى إدارة الضرائب أو تقييده في السجلات العقارية أو لفتح مطلب استنادا له متى كان العقار الموهوب غير محفظ، وجب على مفتش الضرائب أو المحافظ المختص رفض ترتيب أي أثر على هذا العقد، كما انه في حالة هلاك الموهوب له، يحق للورثة استرجاع حيازة العقار من هذا الأخير إذا كان مدخله للعقار عقد هبة باطل. ويستفاذ من هذه الوضعية أن المشرع يسعى إلى استبعاد المحررات العرفية من مجال الهبات وحصرها في المحررات الرسمية[5] وذلك لتفادي النزاعات التي كانت تثيرها عقود الهبة العرفية التي غالبا ما يكتنفها اللبس و الإبهام.

      وإذا كان المشرع قد رتب صراحة البطلان عن عدم احترام شكلية الرسمية في عقد الهبة، فإن  هناك من يقول بان المشرع قد وقع في تناقض مع المادة 4 من نفس القانون التي لم تحصر تحرير التصرفات الناقلة للملكية العقارية في المحررات الرسمية، وإنما أجاز كذلك إنجازها من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، إلا أنه يمكن القول بأن هذا لا يطرح أي إشكال لأنه النص اللاحق يطبق على النص السابق فالمادة 4 والمادة 274 متضمنتين في قانون واحد وهو مدونة الحقوق العينية إلا أن المادة الأخيرة (274) لاحقة على المادة 4 وجاء بنص خاص وبالتالي فهي أولى بالتطبيق.

فإذا كان هذا لا يطرح أي إشكال، فإن هناك من يرى بأن الإشكال يطرح عندما تنص نصوص أخرى خارج مدونة الحقوق العينية على مقتضيات مخالفة لهذه الأخيرة، ويتعلق الأمر على سبيل المثال مقتضيات المادة 12 من القانون 18.00 المعدل بالقانون 106.12 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية. حيث جاءت هذه المادة في صورة عامة لتوثيق جميع التصرفات الواردة على عقار خاضع لنظام الملكية المشتركة إما في محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ، مما يوحي لنا إمكانية اتخاذ عقد الهبة طابعا مزدوجا سواء من حيث طبيعة الشكلية التي يخضع لها هذا العقد أو من حيث طبيعة الشكلية التي يخضع لها هذا العقد أو من حيث الجهات المخولة لها الصلاحية في توثيق هذا النوع من العقود[6]. جوابا على هذا الإشكال يمكن القول بأن المادة 274 من مدونة الحقوق العينية هي الأولى بالتطبيق على المادة 12 من قانون الملكية المشتركة ولو أن هذا القانون خاص، لأن المادة 274 جاءت بشكل صريح وبشكل خاص بعقد الهبة وبالتالي يعتبر هذا النص أي المادة 274 من مدونة الحقوق العينية نص خاص وهو الواجب التطبيق.

الفقرة الثانية: خصوصية الحوز في عقد الهبة

         يمكن القول بأنه إذا انعقد عقد الهبة بالإيجاب والقبول وتوفرت فيه الشكلية المتطلبة قانونا أي حرر بموجب محرر رسمي فإنه مع ذلك يبقى متوقفا إلى أن يحصل الحوز الذي ينبغي أن يتم قبل حصول المانع حتى يعتد به وتترتب عنه كل الأثار الشرعية والقانونية للعقد. والمانع يحصل إما بالوفاة او الإفلاس أو الجنون، فموت الواهب قبل حوز الهبة من طرف الموهوب له يبطلها.

        فنفاذ التبرع بصفة عامة يحصل بالحوز، وبهذا الأخير ينفذ التبرع  وكثيرا ما يعبر الفقهاء عن ذلك بمصطلح النفوذ حينما يتم الحديث عن القبض كشرط في نفوذ وتمام التبرع، ليتبين أن هذا الأخير يتميز بخصوصية عن باقي العقود تتمثل في كون مصير العقد يبقى مرتبطا في نفاذه على حصول الحوز أم لا باعتبار أن هذا الأخير هو الواقعة المادية التي تحسم ذلك المصير، وعملية الحسم هذه لا تخلو من إحدى الفرضيتين الأولى تتجلى في حصول الحوز وفق الشروط المتطلبة شرعا فيتم نفاذ عقد الهبة والثانية هي حصول المانع قبل الحوز فيؤدي ذلك إلى بطلان الهبة وكأنه لم يكن لا شك أن وصف الحوز بشرط تمام هو تحديد للطبيعة الحقيقية له وفق منظور الفقه المالكي. فهذا الفقه يعتبر الحوز في التبرع شرط تمام الهبة، عندما قالوا” ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة”[7] في حين يرى المذهب الحنفي أن الحوز شرط صحة.

        فالتمييز بين اعتبار الحوز شرط تمام أم شرط صحة يدرك بواسطته مدى سعة رقعة الاختلاف بين المنظورين. فإذا كان الحوز مجرد شرط تمام في عقد الهبة فإن هذا الأخير ينعقد بتوفر أركانه وشروطه وذلك بمعزل عن الحوز الذي لا يضيف شيئا ولا ينقص من عملية الانعقاد، وإنما يكون الحوز شرط تمام بالنسبة للعقد وفق فعل أو واقعة تتمثل في تمكين الموهوب له من الشيء الموهوب وبسطه يديه عليه لتتم الهبة، شرط أن يحصل ذلك في الوقت المتطلب شرعا أي قبل حصول المانع.

      ويمكن القول بأن موضوع الحوز في الهبة أثار نقاش فقهي وقضائي، إذ هناك اتجاه يشترط الحوز الشرعي لا سيما بالنسبة للعقارات المحفظة على أساس أن عقود التبرع ومن في حكمها لا تخضع لقانون التحفيظ العقاري وإنما بصفة حصرية للفقه الإسلامي[8] ، في حين يرى جانب من الفقه أن الحيازة القانونية تغني عن الحيازة الفعلية[9]. لم يتم الحسم في هذا النقاش بصورة نهائية إلا بعد صدور مدونة الحقوق العينية. هذه الاخيرة التي نصت في الفقرة الثالثة و الرابعة من المادة 274 على انه “….يغني التقييد بالسجلات العقارية  عن الحيازة الفعلية للملك الموهوب وعن إخلائه من ذرف الواهب إذا كان محفظا أو في طور التحفيظ. فإذا كان غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيازته الفعلية وعن إخلائه.”

      بهذه المقتضيات نظمت المدونة حكم حوز الهبة بالنسبة للعقار المحفظ وفي طور التحفيظ، وفتحت الباب للعقار غير المحفظ من أجل أخذ نفس الحكم بمجرد تقديم مطلب تحفيظ. وهكذا إذا انصبت الهبة على عقار محفظ فإن تقييد عقد الهبة في السجل العقاري يغني عن الحيازة الفعلية أو المادية للملك الموهوب.

وفي هذا الصدد نشير أن المجلس الأعلى سبق له أن اعتبر ان عقد الهبة لا يكون له وجود بالنسبة للعقار المحفظ إلا بتسجيله في الرسم العقاري، في قرار له عدد 2614 الصادر بتاريخ 2006-7-9 في الملف المدني عدد 2006-3-1-3144 جاء في قاعدته:” لئن كانت الهبة في العقار العادي أو في طور التحفيظ عملا بالفقه الإسلامي لا تنشأ إلا بعقد عدلي يشهد فيه العدلان على ان الواهب بهبة العقار إلى الموهوب له ومعاينتها لحوز هذا الأخير للعقار الموهوب له، فإن الهبة في العقار المحفظ عملا بالفصلين 66 و 67 من ظهير التحفيظ العقاري فضلا على انها تؤسس إلا بعقد رسمي مستوف لكافة الشروط فإنه لا يكون لها وجود قانوني إلا بتسجيلها في الرسم العقاري”  

      وكذلك الأمر بالنسبة للعقار الذي في طور التحفيظ، ففي حالة نشوء حق خاضع للإشهار على عقار في طور التحفيظ خول الفصل 84 من ظ.ت.ع لصاحب هذا الحق من أجل التمسك به في مواجهة الغير، إمكانية إيداع الوثائق اللازمة لذلك بالمحافظة العقارية، ليقيد هذا الإيداع بسجل التعرضات. كما نص الفصل 83 من نفس الظهير، على إمكانية إنشاء أو تغيير أو الإقرار بحق أثناء مسطرة التحفيظ، وعلى قيام صاحب هذا الحق بإيداع الوثائق المثبتة لذلك بالمحافظة العقارية. وبالتالي يمكن القول بأن هذا الإيداع كتقييد إذا تعلق بهبة، يغني عن الحوز الفعلي إخلاء العقار الموهوب من طرف الواهب وفق ما أقرته المادة 274 من مدونة الحقوق العينية.

      أما إذا كان العقار غير محفظ فإنه يخضع لقواعد الفقه المالكي فيما يتعلق بالحوز في الهبة أي يتطلب الحوز الفعلي، إلا أن مدونة الحقوق العينية نصت على حالة أو كيفية، يستغني فيها عن الحوز الفعلي، وذلك بتقديم مطلب تحفيظ العقار الموهوب.

       وهكذا فإن حيازة الشيء الموهوب قائمة بمجرد تقييد العقد في السجلات العقارية إذا تعلق الأمر بعقار محفظ أو في طور التحفيظ، ويغني هذا التقييد عن الحيازة الفعلية. أما إذا كان العقار غير محفظ فيكفي فتح مطلب تحفيظ بشأنه في اسم الموهوب له، ومتابعة باقي إجراءات التحفيظ العقاري، أو تسجيل عقد الهبة في السجل الخاص المودع لدى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التابع لها العقار

المراجع

أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمان القيراواني: متن الرسالة في الفقه المالكي

حسناء سوسان: توثيق الهبة في ضوء مدونة الحقوق العينية وقانون الملكية المشتركة للعقارات المبنية

حسناء سوسان: توثيق الهبة في ضوء مدونة الحقوق العينية وقانون الملكية المشتركة للعقارات المبنية، بحث لنيل شهادة الإجازة في القانون الخاص، السنة الجامعية 2014-2015

العربي محمد مياد: تأملات في مدونة الحقوق العينية، الجزء الثاني: (الشفعة-الهبة والصدقة-العمرى)

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:







Leave a Comment

error: Content is protected !!