خصائص علم العقاب

خصائص علم العقاب

خصائص علم العقاب

ترمي خصائص علم العقاب إلى وضع الأسس الكفيلة للتصدي للظاهرة الإجرامية ومواجهتها على نحو يحقق الأمن والاستقرار للمجتمع في محاولة للتقليل من معدلاتها والحد من آثارها.

فإذا كان علم الإجرام – على نحو ما رأينا في الفصل الأول – يرمي  إلى الوقوف على أسباب الظاهرة الإجرامية ودراستها وتفسيرها وتفسير العوامل المسببة أو المؤثرة فيها، فإن علم العقاب يهدف إلى إيجاد السبل الكفيلة لمواجهة الظاهرة الإجرامية وذلك بتوفير الآليات الناجعة القانونية والمؤسساتية لمكافحة الجريمة

احتل علم العقاب مكانة بارزة في الفكر القانوني وتناولته مجموعة من النظريات والدراسات تطورت بتطور الجريمة نفسها وما يترتب عنها من آثار تهدد استقرار المجتمع وأمنه

فالعقاب كجزاء يترتب عن الجريمة وجد مع ظهور المجتمعات الإنسانية الأولى، وتبلور مع مرور السنين والأجيال وأخذ أشكالا في إطار سياسية عقابية تستهدف منع الجريمة في المجتمع والحد منها.

يلاحظ أن تعدد السياسات العقابية راجع إلى اختلاف الفلسفة التي تقوم عليها المذاهب الفكرية، هذا الاختلاف الذي ساهم في نهضة خصائص علم العقاب وتطور موضوعاته

فالعقوبة تطورت صورها بشكل متلاحق، فبعد أن كانت قدرا وأكدت فشلها في تحقيق غرض المجتمع من العقاب وهو منع الجريمة أخذت أبعادا أخرى في شكل تدابير تقوم على نظام قانونی مختلف بل الضرورة أضحت ملحة في إيجاد وسائل بديلة للعقوبات السالبة للحرية

المطلب الأول : خصائص علم العقاب

 تأخذ خصائص علم العقاب أبعادها من طبيعة المنظومة القانونية والمعرفية للعلم و التي يمكن الوقوف عليها من خلال تحديد ماهيته وطبيعته ومصادره، وموقعه داخل العلوم التي يدور في حقلها، وعلاقته بها.

الفقرة الأولى : ماهية علم العقاب وطبيعته

سنحاول من خلال هذه الفقرة إبراز مختلف التعاريف التي أعطيت العلم العقاب مع تحديد تحديد طبيعته

أولا – تعريف علم العقاب

يهتم علم العقاب بدراسة العقوبات المحددة في القانون الجنائي لمعاقبة  المجرمين, ذلك أن القانون الجنائي يحدد الأفعال والتروك التي تشكل الجرائم والعقوبات والجزاءات المقررة لها، لأن القاعدة القانونية تكون أساس الدراسة ومحلها، في حين ينصب علم العقاب على دراسة هذه القاعدة من وجهة نظر أخرى من خلال الوقوف على تنظيمها وبنيتها الداخلية بهدف تقييم وظائفها.

فعلم العقاب عند التقليديين هو العلم الذي يدرس القاعدة القانونية العقابية من حيث أسسها وتتبع أثرها، كما يدرس الأنظمة العقابية و السجون وأدوارها، وواجب العاملين بها.

عموما، لقد لقي هذا التعريف تطورا مضطردا، تطور مع مفهوم العقوبة نفسها، الذي اتسع ليشمل تدابير أخرى تحاول التلطيف من منطق القسوة في إيقاع العقاب إلى محاولة إصلاح المجرم بتدابير أخف ضررا تنسجم مع الجريمة المرتكبة، وهو ما تفاعل معه الفقه الذي ذهب إلى تعريف علم العقاب بأنه : “العلم الذي يعكف على دراسة أصل وتطور مختلف الأجزية وتدابير الدفاع الاجتماعي التي يستعين بها المجتمع للعقاب على الجريمة وطرائق تنفيذها “.

في ضوء ذلك، يمكن تعريف علم العقاب بأنه العلم الذي يختص بدراسة بنية الجريمة وإيجاد سبل مكافحتها من جهة اختيار الجزاء المناسب عن طريق إيجاد العقوبات الزجرية أو التدابير الوقائية أو الوسائل البديلة وتنظيم مؤسسات تطبيقها ومراقبة تنفيذها.

انسجاما مع هذا التعريف الأخير، يتبين أن علم العقاب ينظر إلى الظاهرة الإجرامية من زاويتين:

الأولى : من زاوية معالجتها بإيقاع الجزاء المناسب

الثانية : من زاوية طرق وأجهزة تنفيذها 

عموما تظهر أهمية علم العقاب في إيجاد الدراسات التي تسعف المشرع الجنائي في إيجاد العقوبات والتدابير المناسبة والاقتراحات المساعدة في تطوير هذه الجزاءات بتعديلها أو إلغائها كما أو كيفا.

كما يلعب علم العقاب دورا في كيفية تطبيق هذه الجزاءات وطرق معاملة المجرم من خلال إسعاف المشرع في وضع القواعد الكفيلة بتنفيذ العقوبات والتدابير بمختلف أنواعها على النحو الذي تتحقق به أهداف السياسة العقابية في منع الجريمة وطبيعة علم العقاب

ثانيا : طبيعة علم العقاب

تماشيا مع التعريف الذي أوردناه سابقا هل يعتبر علم العقاب علما كما هو الشأن بالنسبة لباقي العلوم؟

معلوم أن العلم عبارة عن مجموعة من القوانين تبحث في علاقة السببية بين ظاهرتين أو أكثر بغية الوصول إلى نتيجة منطقية باعتماد طرق علمية يضبط بواسطتها واقع الظاهرة، ثم يعاد تركيب هذه الوقائع وصياغتها في النهاية في صورة قاعدة تحكم الظاهرة موضوع البحث وتكشف لغزها.

فلتباع المنهج العلمي هو في الواقع معيار الفصل بين الدراسات العلمية وغيرها من الدراسات التي ليست كذلك.

ولكي يتسم علم العقاب بالعلمية يجب أن يتسم بالموضوعية عن طريق الوصول إلى نتائج يتم استخلاصها من الملاحظة الدقيقة وقواعد الاستقراء، وهو ما يعرف بالمنهج التجريبي الذي ظهر في العلوم الطبيعية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ليتم استعمال تدريجيا في مجال الظواهر الاجتماعية المختلفة

بالرجوع إلى علم العقاب نجده يهتم بالعقوبة والتدابير والعلاقة الرابطة بينها، وبين الغاية من إيجادها كما أنه يبحث كذلك ببيان العلاقة تنفيذ العقوبة والغرض منها باعتماده الملاحظة والتجربة والاستقراء عن طريق التتبع والتقييم، غير أنه لا يعطي قوانین عامة ويقينية كما هو الشأن للعلوم الطبيعية لأنه ينتمي لحظيرة العلوم الإنسانية التي تبقى النسبية سمتها الأساسية

وهناك جانب من الفقه يرى أنه إلى جانب علم العقاب هناك ما يسمى بفن العقاب واعتبره جزءا منه ولازما له، معللا ذلك بأنه إذا كانت القواعد التي يتضمنها علم العقاب تعتبر قواعد عامة ومجردة كما أن تنفيذها موكول إلى أشخاص ينبغي أن يكونوا على علم بوسائل وكيفيات التنفيذ الخاصة بكل مجرم على حدة حتى يمكن تطبيق قواعد علم العقاب تطبيقا سليما على كل حالة على حدة ويمكن إبراز هذا المعنى بطريقة أخرى هي أن فن العقاب أمرا لازما لتطبيق علم العقاب، وبالتالي فإن هذا الفن يعتبر سلاح القائمين على تطبيق العقوبات بحيث يتمكنوا بواسطته من تحديد المعاملة الملائمة لكل محكوم عليه

خلاصة القول أن علم العقاب يختص بدارسة المبادئ التي تقوم عليها الظاهرة الإجرامية ووضع صور الجزاءات المناسبة للجرائم المرتكبة و تحديد تنفيذها و تطبيقها وطرق تنفيذها، وهو بذلك فرع من فروع السياسة الجنائية.

الفقرة الثانية : منهج البحث في علم العقاب

إن اعتماد المنهج العلمي في علم العقاب ضرورة لا محيد عنها سيما و أنه يهدف إلى وضع خلاصات تهم وضع جزاءات محددة مع التنبؤ زراعتها في الحد من الجريمة أو تخفيض معدلاتها إلى أكبر قدر ممكن.

لذلك لا يسعی علم العقاب إلى جمع المعلومات عن الظاهرة العقابية أو رصد مظاهرها في تكييفها مع طبيعة الجرائم، وإنما يروم بلورة معرفة قانونية عن طريق بذل مجهود عقلي لإدراك العلاقة بين العقوبة والجريمة سيرها والتنبؤ بمدى تاثيرها في كبح جماح الأفعال المنحرفة

فعلم العقاب يحاول الإحاطة بالظاهرة الإجرامية في جوانبها المتعلقة تحديد الجزاءات المناسبة ووسائل تطبيقها وتنفيذها عن طريق تحلیل واقع الجريمة باعتباره مدرك وملموس وتفكيكه إلى عناصر، ثم وضع سياسة عقابية تتناسب مع واقع الظاهرة الإجرامية في صورة قاعدة أو قانون يحكم العلاقة بين سياسة التجريم والعقاب.

يقوم علم العقاب من أجل الوصول إلى أهدافه وغاياته على دراسة اثر الوسائل العقابية المقدرة وكيفيات تنفيذها على تسييج الظاهرة الإجرامية ومكافحتها من جهة، و على السلوك اللاحق للمحكوم عليه الذي كان محلا التطبيقات هذه الوسائل من جهة أخرى، فهو يعتمد على ملاحظة الجزاء وكيفية تطبيقه ومحاولة استقراء النتائج المتوصل إليها بالملاحظة والصعود من جزئيات النتائج إلى استخلاص قانون علمي عام

نخلص إلى أن الوظائف المنوطة بعلم العقاب تفرض عليه إتباع المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجربة من خلال رصد الظاهرة موضوع البحث وتحليل مدى مؤشر نجاح جزء معين في تحقيق الهدف المرجو من العقاب، معتمدا في ذلك على أسلوب الإحصاء ودراسة والملاحظة والمقابلة والاستبيان وتجميع كل المعطيات والبيانات ودراستها بغية الوصول إلى حقائق علمية يتم صياغتها في شكل قوانين يعتمد عليها المشرع في وضع سياسته العقابية.

الفقرة الثالثة : علاقة علم العقاب بعلم الإجرام والقانون الجنائي

انطلاقا من الأدوار المنوطة بعلم العقاب في التحضير لوضع السياسة العقابية وتحجيم الظاهرة الإجرامية، فانه يلتقي مع علم الإجرام الذي يهتم بهذه الأخيرة من حيث تفسيرها وسبر عللها، ومع القانون الجنائي الذي يرمي إلى تحديد الجرائم باعتبارها أفعال ضارة بالمجتمع والعقوبات المقررة لها.

أولا : علاقة علم العقاب بعلم الإجرام:

 يلتقي علم الإجرام وعلم العقاب في أن كليهما ينصبان على الظاهرة الإجرامية من تفسيرها والوقوف عند عللها وتحديد الجزاءات المناسبة للحد من خطورتها، وبالتالي فإنهما يلتقيان ويتقاسمان الهدف المتمثل في العمل على منع الجريمة أو تخفيض من معدلاتها إلى أقصى ما يمكن

فإذا كان علم الإجرام يعكف على تفسير الظاهرة الإجرامية و الوقوف على مختلف الأسباب المؤدية إلى سلوك طريق الجريمة وذلك ببلورة هذه الأسباب في صورة قوانين تسعف علم العقاب في وضع نظرياته بخصوص فلسفة العقاب التي تهدف ليس فقط إلى تحقيق الردع العام والخاص، بل أيضا إصلاح المجرم والعمل على عدم عودته إلى الجريمة مرة أخرى.

وبذلك يتبين أن علم العقاب مكملا لعلم الإجرام من حيث وضع السبل الكفيلة الرامية إلى القضاء على أسباب الإجرام وإعادة إدماج المجرم في بيئته الطبيعية وبذلك فهو يرمي إلى بناء الفرد والمجتمع في آن واحد.

كما أن العقاب يعد تطبيقا عمليا لعلم الإجرام حيث يجد فيه هذا الأخير وسيلة للتحقق من نتائج أبحاثه و فروضه العلمية و نظرياته,

بالرغم من هذه العلاقة الوطيدة بين علم اإجرام و علم العقاب فثمة فوارق تميز بينهما

 فمن حيث التراتبية الزمنية نجد أبحاث علم الإجرام تنصب على الظاهرة الإجرامية من حيث معرفة الأسباب الجماعية والاجتماعية الكامنة وراءها للوقاية من الجريمة قبل وقوعها، في حين تنصرف أبحاث علم العقاب إلى الجزاءات المترتبة عن الجريمة بعد وقوعها ومدى تناسبها ناهيك عن تأهيل المجرم وإعادة إدماجه في مجتمعه

كما أن علم الإجرام وإن كان يأخذ بالمعطيات الاجتماعية و الإقتصادية والنفسية والأخلاقية في تفسير الظاهرة الإجرامية وأسبابها ويأخذها في الحسبان عند صياغته للعلاج من الإجرام، عکس علم العقاب الذي يأخذ بعين الاعتبار كل تلك العوامل التي ترخي بظلالها في ايجاد الحلول للمشكلة العقابية في علاج المجرم بطريقة واقعية.

ثانيا : علاقة علم العقاب بالقانون الجنائي

القانون الجنائي هو القانون الموضوعي الذي يحدد الجرائم الضارة بالمجتمع ويقرر العقوبات والتدابير الوقائية الملائمة لها، وهو بذلك علم موضوعي قانوني يهتم بدراسة الجريمة والمجرم والعقوبة من وجهة نظر قانونية صرفة.

تظهر العلاقة بين القانون الجنائي وعلم العقاب في الشق المتعلق بالجزاء سيما وأن خصائص علم العقاب تساعد وتوجه المشرع إلى إيجاد العقوبات والتدابير الملائمة بحسب نوعية الجرائم ناهيك عن اقتراحاته في إيجاد آليات تطبيقها وتنفيذها وسبل تطويرها أو تعديلها.

بهذا المعنى يعتبر علم العقاب ملهما للمشرع ومصدرا موضوعيا لوضع الجزاءات في القانون الجنائي بما يتناسب مع الأفعال الجرمية من حيث نوعيتها وخطورتها.

كما يلتقي علم العقاب بقانون الإجراءات الجنائية “قانون المسطرة الجنائية” في كون هذا الأخير هو الذي يحدد أساليب وكيفيات إنزال وتنفيذ الجزاءات سواء كانت تدابير أو عقوبات متى صارت نهائية، وعلم العقاب هو الذي يبين كيفية تنفيذ الجزاء المحدد بمنطوق الحكم على المحكوم عليه ويرشد المشرع في تبينها.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!