حوالة الحق الشخصي

حوالة الحق الشخصي على ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي

محتويات المقال

حوالة الحق الشخصي على ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي

حوالة الحق الشخصي : يعرف الفقه الحديث الالتزام بأنه حالة أو نظام قانوني يلتزم بموجبه شخص محدد بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل او إعطاء شيء ما للطرف المستفيد من هذه الوضعية القانونية.

وهذا الالتزام أيا كان مصدره، يمكن أن يكون محلا للانتقال عن طريق مجموعة من التقنيات القانونية التي ابتدعها العقل البشري لتيسير المعاملات کاستثناء لمبدأ نسبية العقود، ولعل أهم هذه التقنيات هو نظام الحوالة.

وتنقسم الحوالة إلى نوعين: حوالة حق إذا نظرنا إليها من زاوية الدائنية بموجبها ينقل الدائن حقه الشخصي «دينه» على دائن آخر يحل محله في العلاقة القانونية التي تربط بينه وبين مدينه ، وحوالة دين إذا نظرنا إليها من زاوية المديونية بموجبها ينقل المدين الدين المترتب في ذمته لفائدة دائنه لمدين جديد يحل محله في العلاقة القانونية التي تربط بينه وبين دائنه.

الفكر الفقهي اعتبر الرابطة التعاقدية علاقة بين ذمتين ذمة مدينة وذمة دائنة  وليس علاقة بين شخصين، وهو الأمر الذي حذا بمجموعة من التشريعات إلى تبني كلا نوعي الحوالة – حوالة الحق وحوالة الدين – وتنظيمها قانونيا باعتبارها وسيلة آمنة لتيسير المعاملات ا المدنية والتجارية، وعلى رأسها التشريعين الألماني والسويسري، إلى جانب عدة تشريعات عربية كالتشريع المصري، والسوري، واللبناني، والعراقي، والليبي، والجزائري…

أما التشريع المغربي فلم ينظم سوی حوالة الحق مقتفيا بذلك أثر التشريع الفرنسي المتأثر بالنظرة الشخصية للالتزام، وذلك في القسم الثالث من الباب الأول ضمن الفصول من 189 إلى 208 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

وعلى خلاف الفقه الغربي فان فقهنا الإسلامي قد تبني منذ البداية مبدأ انتقال الالتزام بشقيه الإيجابي والسلبي، لأنه جمع بين العنصر الشخصي للالتزام باعتباره رابطة بين شخصين، وبين العنصر المادي للالتزام باعتباره مالا يرد في الذمة يقبل الانتقال والمطالبة والمساءلة وذلك استنادا لقوله صلى الله عليه وسلم «مطل الغني ظلم فإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل»: وبذلك يكون هذا الفقه قد سبق الفقه الغربي في تنظيم الحوالة بمئات السنين ، فأقام لها بذلك نظام قانونيا متكاملا وصاغه فقهاء المذاهب في نصوص أشبه بنصوص القانون يتفق في معظم أحكامه مع تنظيم التشريعات الحديثة لها.

ومن هنا تظهر لنا أهمية هذا النظام خاصة على مستوى تسهيل المعاملات واستقرارها وكذلك في تعزيز مبدأ الثقة بين المتعاقدين الذي يعتبر أهم فكرة تقوم عليها الالتزامات أيا كان مصدرها، وهذه الأهمية دفعت بالمشرع المغربي إلى وضع تنظيم خاص لأحكام الحوالة في قانون الالتزامات والعقود والذي يمكن أن نتلمسه من خلال تكوينه في مبحث أول، ومن خلال أثاره في مبحث ثان.

المبحث الأول: تكوين عقد حوالة الحق الشخصي

يعتبر عقد حوالة الحق الشخصي عقدا مركبا يضم عدة علاقات مختلفة بين أطرافه، ولكي تكون لهذه العلاقات قيمة قانونية معتد بها فانه ينبغي قيام هذا العقد على نحو صحيح، وحتى يتأتى ذلك فقد تطلب المشرع توافر مجموعة من الشروط على متنوى تكوينه وهي تنقسم إلى نوعين: شروط الانعقاد المطلب الأول وشروط النفاذ (المطلب الثاني)

المطلب الأول: شروط الانعقاد

على غرار باقي العقود التي تطلب المشرع لقيامها توافر الأركان العامة للانعقاد المحددة في الفصل الثاني من الالتزامات والعقود المغربي والمتمثلة في الرضا، والأهلية، والمحل والسبب، فان حوالة الحق الشخصي باعتبارها عقدا فهي لا تخرج عن هذا المنطق المسطر في الفصل المذكور، مع مراعاة بعض الخصوصيات التي تطلبها المشرع سواء على مستوى الأطراف المتعاقدة (الفقرة الأولى) أو على مستوى المحل الذي ترد عليه الحوالة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الرضائية

تنعقد حوالة الحق الشخصي برضا طرفيها المحيل والمحال له، إذ تصير تامة بمجرد حصول الإيجاب والقبول بينهما فينتقل بذلك الحق من ذمة المحيل الإيجابية إلى ذمة المحال له، وهو ما نص عليه الفصل 194 من ق.ل.ع.م والذي جاء فيه «الحوالة التعاقدية لدين أو لحق تصير تامة برضا الطرفين ويحل المحال له محل المحيل في حقوقه ابتداء من وقت هذا التراضي»، وبذلك فانه لا حاجة لرضا المحال عليه لانعقاد هذه الحوالة وهو ما يستشف من المفهوم المخالف للفصل 192 من ق.ل.ع.م والذي يشترط لانعقاد حوالة الحق المتنازع فيه من ضرورة رضا الحال عليه بذلك، بمعنى أنه متى كان الدين غير متنازعا فيه فانه لا يشترط رضاه لانعقاد الحوالة.

ولعل السبب في عدم الحاجة إلى رضاء الدين والاكتفاء برضا الطرفين المتعاقدين فقط راجع لكون الحوالة المنظمة في قانون الالتزامات والعقود المغربي لا تخرج عن منطق اقتصاد السويقة، کونه تعاقد يترتب عنه انتقال التزام بسيط من حيث طبيعته وقيمته من ذمة المحيل إلى المحال له وليس من شانه التسبب بضرر للمحال عليه ما دام سیقوم عاجلا أم آجلا بالوفاء سواء لدائنه الأصلي أو لأي شخص آخر دون أن يؤدي ذلك لزيادة في التزامه.

ويلاحظ بأن المشرع المغربي لم يشترط شكلا معينا لانعقاد حوالة الحق الشخصي، باستثناء الحوالة التبرعية التي يجب أن تراعى فيها قواعد الشكل المختصة بالهبة بين الأحياء المحددة في المادة 274 مدونة الحقوق العينية، أي أنها يجب أن تفرغ في محرر رسمي تحت طائلة البطلان.

وعليه، فإن الكتابة لا تشترط الا للإثبات ما لم يتفق الأطراف على إفراغ الحوالة في شكل معين حسب مقتضيات الفصل (402 من ق.ل.ع.م”)، وفي هذه الحالة يتعين على الأطراف مراعاة القواعد العامة في الإثبات المحددة في الفصلين 443 و 447 بالاضافة إلى الفصل 1-7من ق.ل.ع.م متي تمت الحوالة بشكل إلكتروني،

ويبدوا أن المشرع المغربي قد خفف من عبئ الإثبات على الطرفين متى كانت قيمة الحوالة لا تتجاوز 10000 درهم وذلك عندما فرض على المحيل تسلیم سند رسمي يثبت وقوع الحوالة للمحال له إذا طلب هذا الأخير ذلك بموجب الفصل 199 من ق.ل.ع، وهذا التوجه يوضح المرونة التي تعامل بها المشرع في هذا النوع من العقود بغية توفير الحماية لكل من المحيل والمحال له من النزاعات التي قد تنشا عن عقد الحوالة.

وبناء على ما سبق فمتي انعقدت الحوالة بشكل صحيح فإن المحال له يحل محل المحيل في حق الشخصي وذلك ابتداء من تاريخ الاتفاق.

الفقرة الثانية: محل الحوالة

إذا كان الأصل أن كل حق شخصي منظورا إليه من زاوية الدائنية يجوز حوالته للغير فإن هذا الأصل ترد عليه بعض الاستثناءات إذ أن هناك بعض الحقوق الشخصية التي لا تجوز حوالتها، إذن فما هي هذه الحقوق؟

أولا – الحقوق الشخصية التي تجوز حوالتها

إن كل حق شخصي أيا كان محله يقبل الحوالة من دائنه الأصلي إلى الدائن الجديد ما دام هذا الدين قابلا للتحويل ويخوله المطالبة به واستيفائه.

ولأن الحق الشخصي يعد محلا صحيحا للحوالة فإنه يجوز أن يكون دينا نقديا أو أشياء مثلية كما يمكن أن يكون محل الحق الشخصي عينا معينة بالذات متى كان الحق المتصل بها شخصيا كالحق المترتب على الوعد بالبيع أو على بيع معلق على شرط قبل تحقق الشرط، ويمكن أن يكون هذا الحق الشخصي غير معين بذاته وهي كلها ديون قابلة للحوالة.

ثانيا: الحقوق الشخصية التي لا تجوز حوالتها

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 191 من ق.ل.ع.م نجده قد حدد الحقوق الشخصية التي تجوز حوالتها والتي تتمثل فيما يلي:

– الحقوق الشخصية التي لا تقبل الحوالة بمقتضی سند إنشائها أو بمقتضى القانون

فكما نعلم أن الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة لمنشئيها وبمقتضى هذه الالتزامات قد يفرض المدين المحال عليه على الدائن المحيل عدم حوالة الدين الممسوك عليه لدائن أخر بموجب شرط صريح في العقد، كما هو الشأن في الفصل 668 من ل.ع.م الذي يحجر على المكتري التخلي عن حقه الشخصي في الكراء إذا اشترط المكري ذلك في العقد ما لم يكن هذا المنع مقرر بموجب قوانين الكراء الخاصة، ومتى تضمن العقد شرطا من هذا القبيل فإنه يتعين على الطرف الدائن التقيد به، وكل خروج عنه بعد إخلالا من طرفه بالتزام مفروض عليه بوجب بمقتضاء بطلان عقل الحوالة

– الحقوق الشخصية التي تتسم بطابع شخصي محض

منع المشرع كذلك انتقال الحقوق الشخصية التي تتسم بطابع شخصی محض نظرا لاتصالها الوثيق بشخص الدائن ، أو كون شخصيته فيها محل اعتبار، ومن ذلك مثلا الحق المترتب عن الانتفاع المستحق لحبس.

– الحقوق الشخصية غير القابلة للحجز أو التعرض

كذلك يمنع حوالة الحقوق غير القابلة للحجز، وذلك لأن الحجز يعتبر مقدمة للبيع الجبري يستهدف انتقال المال المحجوز عليه من صاحبه إلى غيره.

لذلك فالمشرع عندما منع هذا الحجز فإنه قد استهدف بذلك بقاء الحقوق لصاحبها وعدم انتقالها لغيره، لذلك ما لا يجوز الحجز عليه لا تجوز حوالته حتى لا تكون الحوالة الباب الخلفي لتفويت الحماية التي قصدها المشرع من حظر الحجز

ويلاحظ بان الفصل 191 من ق.ل.ع.م قد أورد استثناء على المبدأ المذكور بمقتضاه أجاز حوالة الحق إذا كان لا يقبل الحجز إلا في حدود جزء محدد منه أو قيمة محددة، وبذلك فإنها تصح في الجزء المتبقي منه، وأبرز مثال على ذلك الحد الأدنى القانوني الذي حدده المشرع لرواتب الموظفين وأجور العمال

إذ ثبت ما سبق أمكن القول بان حوالة الحق الشخصي منظورا إليها من زاوية الدائنية بين الدائن الأصلي والدائن الجديد تقوم صحيحة فيما بينهما، غير أن نفادها في مواجهة المدين المحال عليه والغير يستوجب إتباع إجراءات خاصة, إذن فما هي هذه الإجراءات؟

المطلب الثاني: نفاذ حوالة الحق الشخصي

سبق القول بان حوالة الحق الشخصي هي عقد رضائی تنعقد بتراضي المحيل والمحالة له، غير أن آثار هذه الحوالة تنحصر بينهما فقط دون أن تتعداها للمحال عليه والغير لأنها انعقدت دون الحاجة لرضائهما، وحتى يكون هذا العقد نافذا في مواجهتها لابد من إتباع شكلية معينة حددها – المشرع في الفصل 195 من ق.ل.ع.م والتي تتمثل في تبليغ عقد الحوالة للمدين تبليغا رسميا اي بإعلانه بها (الفقرة الأولى)، أو بقبوله إياها في محرر ثابت التاريخ (الفقرة الثانية)، ما لم يتعلق الأمر بحوالة دين متنازع فيه إذ يتطلب نفاذها موافقة المحال عليه.

الفقرة الأولى: إعلان المحال عليه بالحوالة

الإعلان تصرف قانوني يصدر من المحيل أو من المحال له، بمقتضاه يعلم المحال عليه بوقوع حوالة الحق الشخصي للمحال له وبالتالي الوفاء له، ويشترط في هذا الإعلام وفقا للفصل 195 من ق.ل.ع.م أن يكون رسميا وإلا لما انتقل الحق الشخصي للمحال له بصفة قانونية، وهو ما استقر عليه الاجتهاد القضائي المغربي والذي جاء في أحد قراراته “لا يعتبر الحق منتقلا بصفة قانونية إلى المحال له اتجاه المحال عليه إلا بتبليغ الحوالة لهذا الأخير تبليغا رسميا أو قبوله لها في محرر ثابت التاريخ، فحق الكراء لا ينتقل من المكتري إلى من اشترى منه الأصل التجاري دون تبلیغ هذا التفويت إلى المكري

وتبليغ الحوالة يمكن أن يتم بأي إجراء من شأنه إعلان المدين بها وبما لا يدع مجالا للنزاع، وهو ما أكدته إحدى القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف والتي جاء فيها بأن حوالة الحق يمكن حصوله بكل إجراء يحقق هذا الغرض ويفيد علم المالك بوجود المكتري”، وجاء في قرار آخر أن الفصل 195 من ق.ل.ع.م لم يحدد طريقة معينة للتبليغ ولا أجلا معينا لهذا التبليغ

ويمكن استخلاص تبلیغ حوالة الحق من وقائع النازلة أو الحجج المدلى بها في الملف، ومن هنا يظهر بان مجرد التبليغ الشفوي لا يكفي إذ لابد وأن يكون مكتوبا في محرر رسمي، ويعتبر من قبيل التبليغ الرسمي الإعلان بمقال الدعوى التي يرفعها المحال له على المحال عليه مطالبا إياها بالوفاء له بقيمة الدين المحال به وتنفذ منذ وصولها إلى المحال عليه والغير، ويغني عن الإعلان أيضا إيقاع حجز تحفظي من المحال له على المال المحال عليه.

الفقرة الثانية: قبول المحال عليه بالحوالة

لا يقصد بقبول المدين للحوالة على أنه ركن في انعقادها، وإنما يقصد به على أنه إقرار واعتراف منه بأنه قد أعلن بالحوالة وأقر بها.

والقبول قد يكون معاصرا لانعقاد الحوالة أو تاليا له، ولكن لا يجوز أن يكون سابقا على الانعقاد ولو صرح المدين في سند الدين أنه يقبل مقدما حوالة الدين للغير، لأن المقصود هو علم الدين بتمام الحوالة ولن يتأتي هذا العلم إلا بالقبول اللاحقة، فالرضا المقدم بالحوالة لا يغني عن القبول لنفاذها في حق المحال عليه والغير.

والمشرع المغربي على غرار المشرع الفرنسي قد استلزم أن يكون القبول في محرر ثابت التاريخ حتى تكون الحوالة نافدة في حق الدين والغير، أما اغلب التشريعات العربية الأخرى فيلاحظ بأنها لا تستلزم ثبوت هذا التاريخ إلا لنفاذ الحوالة في مواجهة الغير دون المدين الذي يكفي مجرد قبوله لنفاذ الحوالة في مواجهته، ورغم أن المشرعين المغربي والفرنسي قد عدا المدين من فئة الغير وعاملاهما معاملة واحد إلا أن هذا المقتضي من شأنه تعزيز حماية مصالح المحال له

وخلافا لتبليغ الحوالة للمدين المحال عليه الذي يجب أن يكون في محرر رسمي فان القبول لم يشترط فيه المشرع شكلا خاصا، لذلك يصوغ أن يكون في محرر رسمي أو في محرر عرفي شريطة أن يكون ثابت التاريخ وفقا للمنطوق الفصل 195 من ق.ل.ع.م، وبذلك فانه لا محل للقبول الشفوي.

ورفض المحال عليه قبول الحوالة لا يغني الأطراف عن تبليغها له حتى تصبح نافذة في حقه، فالمشرع المغربي اقر نفاذها في حق المحال عليه وذلك بإتباع أحد الإجراءين المذكورين في الفصل 195.

ولكن إذا كان المحال له شخص معنوی کشركة فقد اوجب المشرع لنفاذ الحوالة في حقها بموجب ذات الفصل أن تبلغ أو تقبل من طرفها في محرر رسمي أو في محرر عرفي مسجل داخل المملكة.

المبحث الثاني: آثار حوالة الحق الشخصي

يعتبر الدائن هو محور العلاقات القانونية في حوالة الحق الشخصي، إذ بمجرد إبرام هذا العتا بين الدائن الأصلي والدائن الجديد تنشأ بينهما علاقات قانونية متميزة موضوعها دين في ذمة شخص ثالث ، أما المدين المحال عليه لا يحدث حياله عقد الحوالة أي أثر إلا عند إعلانه بهذا العقد أو قبوله إياه وكذلك نفس الشيء بالنسبة للغير، واستنادا لهذه العلاقات سأقسم هذا المبحث إلى مطلبين، أخصص المطلب الأول لعلاقة المحيل بكل من المحال له والمحال عليه، بينما أخصص المطلب الثاني لعلاقة المحال له بكل من المحال عليه والغير.

المطلب الأول: علاقة المحيل بكل من المحال له والمحال عليه

وحتى تبرز لنا ملامح هذه العلاقة بشكل جلي سأتطرق لعلاقة المحيل بالمحال له في فقرة أولى، ثم لعلاقة المحيل بالمحال له في فقرة ثانية.

الفقرة الأولى: علاقة المحيل بالمحال له

يترتب عن العلاقة بين المحيل والمحال له أثرين هامين يتمثلان في انتقال الحق المحال به إلى المحال له (أولا) والتزام المحيل بالضمان (ثانيا).

اولا – انتقال الحق الشخصي المحال به إلى المحال له

بمجرد ما تنعقد حوالة الحق الشخصي بين المحيل والمحال له تنتقل صفة الدائنية لهذا الأخير بانتقال نفس الحق الشخصي الحال به له، ويحل محله في الرابطة القانونية القائمة، وينتقل هذا الدين بقيمته وصفاته ودفوعه كما تنتقل معه كذلك توابعه وتكاليفه والتزاماته.

ثانيا – انتقال الحق الشخصي ذاته بقيمته وصفاته ودفوعه

 نقل الحوالة للمحال له نفس الحق الشخصي المحال به من المحيل بكل قيمته الاسمية بمجرد التراضي وقبل أن تعلن أو تقبل من طرف المحال عليه، ولو كان الحال له قد دفع للمحيل عوضا أقل من الحوالة بل وحتى ولو لم يدفع أي عوض، إذ أن الحق الشخصي يعتبر بمثابة مال منقول ينتقل بمجرد التعاقد بصفاته ودفوعه ، فإذا كان مدنيا او تجاریا انتقل بصفته المدنية أو التجارية ، وإذا كان معلقا على شرط أو مضافا إلى أجل او قابلا للتنفيذ بموجب حكم أو سند رسمي انتقل للمحال له بتلك الصفة كذلك

ثالثا – انتقال الحق الشخصي بتوابعه وتكاليفه والتزاماته

يتطلب انتقال الحق الشخصي ذاته للمحال له انتقال توابعه وتكاليفه والتزاماته. فبخصوص توابع الحق الشخصي فهي تشمل ضماناته ودعاویه، بالإضافة إلى الفوائد التي حلت ولم تدفع

وتشمل الضمانات كلا من الامتيازات والكفالات والرهون الرسمية والحيازية، ويلاحظ أن المشرع المغربي قد انفرد بحكم خاص في هذا المجال مخالفا في ذلك أغلب التشريعات العربية والفرنسية، إذ اشترط لانتقال ضمانات الحق الشخصي الاتفاق بين المتعاقدين على ذلك صراحة فإذا لم يرد مثل هذا الاتفاق الصريح فإن الحق الشخصي ينتقل دون ضماناته، ويتعلق الأمر على الخصوص بكل من الرهون الحيازية على المنقولات والرهون الرسمية والكفالات وهي ضمانات محددة على سبيل الحصر، مما يعني أن باقي الضمانات الأخرى تنتقل دون الحاجة إلى مثل هذا الاتفاق.

وتشمل توابع الحق الشخصي دعاوي البطلان والابطال التي كانت للمحيل، وأيضا دعاوی الفسخ باعتبارها تسعى لتأكيد الحق فتنتقل معه لصالح المحال له.

أما فيما يتعلق بالفوائد فهي تنتقل كذلك مع الدين باعتبارها تابعة له سواء تلك التي لم تكن حالة قبل الحوالة أو التي حلت ولم تدفع، ولكن هذا الحكم ليس من النظام العام إذ يجوز استبعاد انتقالها باتفاق الأطراف أو إذا قضت العادة بذلك حسب الفصل 200 من ق.ل.ع.م، لكن هذا الحكم لا يطبق على المسلمين لأن اشتراط الفائدة باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه استنادا للفصل 870 من ق.ل.ع.م وهو حكم ينفرد به التشريع المغربي عن القوانين العربية الأخرى والقانون الفرنسي وإن كان الواقع يثبت غير ذلك.

أما بخصوص تكاليف والتزامات الحق الشخصي فهي تنتقل بدورها للمحال له غير أن هذه القاعدة لا تعتبر من النظام العام كذلك إذ يجوز الاتفاق على ما يخالفها بموجب الفصل 202 من ق.ل.ع.م، وعندئذ ينتقل الدين مطهرا من كل تكليف او التزام.

الفقرة الثانية : التزام المحيل بالضمان

يشكل التزام المحيل بالضمان من أهم الضمانات التي خولها المشرع لحماية حقوق المحال له، وقد تم تقرير هذا الضمان بمقتضى الفصلين 203 و 204 من ق.ل.ع.م.

وهكذا فان المحيل في حالة الحوالة بعوض يكون ملزما بالضمان ولو لم يكن ثمة اتفاق خاص بينه وبين المحال له على ذلك، وهو يضمن له كونه دائنا أو صاحب حق، وجود الدين، بالإضافة إلى حقه في التصرف فيه، ويعد هذا الضمان ضمانا قانونيا طبقا للفصل 203 من ق.ل.ع.م.

وهذا الضمان لا يقتصر على أصل الدين وحسب بل يمتد ليشمل توابعه كالامتيازات والرهون إذا كانت مرتبطة بالدين وقت الحوالة بحكم القانون، ما لم يكن الطرفان قد اتفقا على استبعادها صراحة ، فالحيل يضمن وجود هذه التوابع وقت الحوالة ولكنه لا يضمن استمرارها بحيث إذا كانت موجودة عند إجراء الحوالة ولكنها زالت بعد ذلك يسبب لا يد للمحيل فيه فانه لا ضمان عليه.

هذا إذا كانت الحوالة بعوض أما إذا كانت بدون عوض فإن المحيل لا يضمن حتی وجود الدين، وذلك لأن المحيل لم يستولي على شيء حتى يرده في حالة الضمان المتفق عليها، وذلك طبعا ما لم يقع من جانبه تدليس حيث يكون مسؤولا عن الضرر الذي يلحق بالمحال له.

ويعد المحيل ضامنا للمحال له يسار المحال عليه بموجب القانون أيضا ولو لم يتم الاتفاق على ذلك إذا كان معسرا وقت انعقاد الحوالة وكان المحيل يعلم بذلك إلا أنه أخفي ذلك غشا و تدليسا على المحال له، فيكون مصدر ضمانه هنا هو الغش لا عقد الحوالة.

والضمان القانوني الذي يلتزم به المحيل يتمثل في إرجاع كل ما استوفاه منه عوضا عن الدين المحال به مع سائر المصروفات التي عرفها المحال له سواء في إبرام الحوالة أو في مصروفات الدعوى ، كما يحق له بصفة استثنائية مطالبة المحيل بالتعويض عن الأضرار التي اصابته بسبب تدليس هذا الأخير له، والمطالبة بهذا التعويض تكون سواء كانت الحوالة بعوض أو بدون عوض استنادا للفصل 204 من ق.ل.ع.م.

الفقرة الثالثة: علاقة المحيل بالمحال عليه

قبل تبليغ المحال عليه بالحوالة تبليغا رسميا أو قبوله إياها في محرر ثابت التاريخ لا ترتب الحوالة في مواجهته أي أثر، لذلك ينبغي التمييز في الآثار التي ترتبها هذه العلاقة بين مرحلتين مرحلة ما قبل إعلان المحال عليه بالحوالة أو قبولها (أولا) ومرحلة ما بعد إعلانه بالحوالة قبولها (ثانيا).

أولا – مرحلة ما قبل إعلان المحال عليه بالحوالة أو قبولها

قبل نفاذ الحوالة في حق المحال عليه تبقی علاقة الدائنية قائمة بينه وبين المحيل أساسها الاتقان المتضمن للحق الشخصي المحال به، بحيث يظل المحيل هو دائنه أما المحال له فيظل أجنبيا لا تربط به أية علاقة

فيجوز للمحيل في هذه الحالة أن يقتضي الدين من الدين وأن يجبره على ذلك ، ولا يستطيل هذا الأخير رفض الوفاء له متذرعا بالحوالة إلا إذا كان قد قبلها فتصبح نافذة في حقه ، كما يحق للمحيل باعتباره صاحب الحق الشخصي المحال به قبل نفاذ الحوالة أن يقضي له هذا الدين بأي سبب من أسباب الانقضاء طبقا للفصل 192 ق.ل.ع.م، ولا يكون للمحال له في هذه الحالة إلا الرجوع عليه بالضمان إذا كان هناك محل للرجوع او كان له ما يبرره.

ويستطيع المحيل كذلك أن يحول حقه الشخصي مرة أخرى إلى محال له ثان على سبيل البيع او الهبة أو الرهن ، ويجوز كذلك لدائني الحيل الحجز على الدين المحال به، وكل ذلك يبقى قائما قبل نفاذ الحوالة في حق المحال عليه بقبولها في محرر ثابت التاريخ أو بإعلانه بها بشكل رسمي، وما لم يقع تواطؤ بين المحيل والمحال عليه إضرارا بحقوق المحال له

ثانيا – مرحلة ما بعد إعلان المدين المحال عليه بالحوالة أو قبولها

بعد نفاذ الحوالة في حق المحال عليه بتبليغه رسميا بها أو بقبوله لها يصبح المحال له هو الدائن الوحيد له أما المحيل فيصبح أجنبيا عنه، ولا يجوز له بالتالي مطالبته بالوفاء له، وإن فعل ذلك واوفي له دين الحوالة فإن وفاءه لا يبرئ ذمته، بل يبقى ملتزما بالوفاء قبل المحال له مرة أخرى وليس له سوى الرجوع على الحيل بما أدي له.

اما دائني المحيل فلا يجوز لهم كذلك إيقاع الحجز على الدين محل الحوالة الذي تحت يد المحال عليه لأن المحال له يصبح مالكا له ما لم يوجد ما يقضي بخلاف ذلك

الفقرة الثالثة :علاقة المحال له بالمحال عليه

بالرغم من محدودية دائنية المحال له للمحال عليه قبل نفاذ الحوالة، حيث يظل المحيل هو دائنه الأصلي يحق له وحده مطالبته بالوفاء مما يسمح له بتجاهل أمر الحال له، إلا أننا نجد الفصل 359 من ق.ل.ع.م وان اقتصر هذا الفصل على ذكر حالة قبول المدين للحوالة دون حالة الإعلان، وينص الفصل المذكور على أن “المدين الذي قبل بدون تحفظ الحوالة التي اجراها الدائن لأحد من الغير ليس له أن يتمسك في مواجهة المحال له بالمقاصة التي كان يمكنه قبل وقوع القبول منه أن يتمسك بها في مواجهة الدائن الأصلي. وليس له إلا الرجوع بدينه على المحيل وعليه فان المحال عليه الذي يقبل الحوالة بدون تحفظ لا يجوز له التمسك بالدفع بالمقاصة في مواجهة المحال له أمل إذا أعلن بها فيجوز له التمسك بها.

الفقرة الرابعة: علاقة المحال له بالغير

يقصد بالغير كل شخص اكتسب حقا على الدين المحال به ومن شان نفاذ الحوالة أن تضر بمصالحه، بمعني سائر المحال لهم في حالة الحوالة على أكثر من دائن، وكذلك دائني المحيل الذين يلجأون إلى إجراء حجز تحفظي أو يدخلون كأطراف في المسطرة الجماعية.

وتنتج الحوالة آثارها في مواجهة الغير من تاريخ تبليغها للمحال عليه تبليغا رسميا أو بقبولا لها في محرر ثابت التاريخ.

ومن آثار الحوالة في مواجهة باقي المحال لهم أنه قد يقوم المحيل بحوالة دينية على محال له وقبل قيام هذا الأخير بإجراءات التبليغ أو القبول يقوم المحيل بحوالة نفس الدين على محال له ثان، وهنا يطرح الإشكال أيهما له الأولوية لاستنفاء يحل المحال له محل المحيل في الدين المحال له بالحالة التي يكون عليها وقت إعلان الحوالة أو قبولها، وتكون الحوالة منتجة لآثارها في حدود المبلغ الثابت بذمة المحال عليه من تاريخ نفاذ الحوالة بحقه سواء بالنسبة للمحيل او المحال له او الغير.

وبما أن المحال له يصبح هو مالك الدين محل الحوالة فإن له حق التصرف فيه بكافة التصرفات المشروعة، كأن يبرئ المحال عليه منه أو أن يحيله على محال له ثان أو أن يقضيه معه بأي سبب من أسباب الانقضاء.

ومن حق المحال عليه بالتمسك بالدفوع قبل المحال له, طالما أن الحق الشخصي محل الحوالة ينتقل للمحال له بصفاته وضماناته، فانه بالمقابل ينتقل بما يشمله من دفوع، وهي إما دفوع ناشئة عن العلاقة الأصلية بين المحيل والمحال عليه تخول لهذا الأخير التمسك بها في مواجهة المحال له كما كان يحق له التمسك بها في مواجهة المحيل، وإما دفوع ناشئة عن عقد الحوالة ذاته.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!