حوالة الحق الشخصي

حوالة الحق الشخصي – تعريفها و تحديد شروطها

حوالة الحق الشخصي

حوالة الحق الشخصي : إن حب التملك عند الإنسان غريزة فطرية، ذلك أن المال الصالح يعتبر قوام الحياة و حركيتها، و من ثمة فهو يظل حريصا على حسن تدبيره و تثميره، و تلك غاية تدفع الناس إلى العمل و التعاون في المجال الاقتصادي، و التجاري، و المالي، الأمر الذي يؤدي إلى إشغال ذمم بعض الناس بالتزامات متعددة واجبة الأداء إلى بعضهم الآخر، الشيء الذي يجعل فيهم الدائن و المدين

والذمة المشغولة بهذا الالتزام تكون ملزمة بتنفيذه، وتنفيذه يتم بأداء موضوعه من طرف الملتزم به، و إذا لم يؤده اختيارا أجبر على ذلك عن طريق السلطة العامة تنفيذا للأحكام القضائية

وقد يقتضي تنفيذ الالتزام في مجال التعامل بالديون، أن يتم الوفاء به من طرف شخص أخر غير المدين، و قد يكون هذا الوفاء بناء على أمر المدين، و قد يكون بغير أمره، مما يعني أن الحق قد ينتقل من ذمة إلى ذمة أخرى، و ذلك تسهيلا لحركية التعامل بالحقوق بين الدائنين والمدينين في كل من الميدان المدني والتجاري على حد السواء

وقد اختلفت السبل و الوسائل في التعامل بهذه الديون، و ذلك مثل الحوالة، و التجديد، و المقاصة، و الإنابة بقسميها التامة و الناقصة، و الوكالة، و ما شابه ذلك، و بما أن الدين هو في حقيقته و حكمه الشرعي، و القانوني، هو علاقة مالية بين الدائن و المدين، فقد أصبح ينظر إلى موضوعه – كقيمة مالية – لا إلى أطرافه، ولن يكون لهذه القيمة المالية أي اثر قانوني إلا إذا تمكن الدائن قبل حلول الأجل و الاستحقاق من التصرف بهذه الديون كما يتصرف بأمواله الأخرى، و هذا التصرف في الدين قد يكون بيعا إذا تمت الحوالة بعوض ، و قد يكون هبة إذا قصد بالحوالة التبرع فتخضع حينئذ الأحكام الهبة

الالتزام في الفقه الإسلامي، يثبت بالذمم و ليس بالأشخاص، و بالتالي فإن معيار المطالبة بالالتزام هو ذمة المدين، و ليس شخصه، فالمتوفي يطالب في حدود تركته، أو ما كان مملوكا في ذمته، ولا يطالب الورثة في ذمتهم بشيء، لذلك كان انتقال الالتزام في الفقه الإسلامي تصرفا قانونيا صحيحا لا يؤثر على حقوق أطرافه، و إنما يبقيها قائمة لأن محل الانتقال هو الالتزام ذاته، و ليس ما يجريه أطرافه من تغيير في تحمل تبعته، و اعتمادا على هذه المبررات نظم الفقه الإسلامي طرق إنتقال الإلتزام، ومنها الحوالة سبيلا للتخفيف من التعنت الصادر عن الدائن أو المدين، فهي بذلك وسيلة يسر لإيفاء و استیفاء الحقوق، و إن قامت بها فكرة المضاربة فهي تقوم على أساس التساوي بين الحقين محل الحوالة، لأنها إرفاق محض لا تقبل جعلاها لأحد أطرافها.

والمشرع المغربي كبعض المشرعين ومنهم المشرع الفرنسي قبل سنة 2016، أطر كل ما يخص حوالة الحق في الفصول من 189 إلى 216 من قانون الالتزامات والعقود حيث عرض للإنتقال بوجه عام، ثم لحوالة حقوق في تركة وقد كان المشرع منسجما في ذلك مع نظيره الفرنسي الذي تعرض حديثا لذات الموضوع في باب يحمل العنوان الآتي في المواد من 1321 إلى 1326 بخصوص حوالة الحق، إلا أن المشرع المغربي لم ينظم حوالة الدين على غرار ما فعل المشرع الفرنسي في المواد من 1327 الى 1328 -1 التي نظمت حوالة الدين موجب قانون فاتح أكتوبر 2016 أمر رقم 131-2016 بتاريخ 10 فبراير 2016

و يعتبر مبدا سلطان الإرادة من الوجهة القانونية الأساس القانوني الذي تبنى عليه – مبدئيا – كل التصرفات القانونية، كيفما كانت طبيعتها، وما في ذلك الحوالة

والتصرفات القانونية عموما تشمل العقود والأعمال القانونية الانفرادية على ما يستفاد من الفصل الأول من قانون الالتزامات والعقود المتعلق بمصادر الالترام وقد جاء فيها ” تنشأ الالتزامات عن الاتفاقات والتصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة وعن اشباه العقود وعن الجرائم وعن أشباه الجرائم”

وتأسيس العقد على الإرادة الحرة للأفراد هو الذي دفع بالمشرع إلى سن الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود كأثر ملزم له

والحوالة عقد تخضع من حيث أثارها للفصل 230 أعلاه السابق ذكره ولدراسة ذلك، ستقسم هذه الدراسة إلى مبحثين تتناول كل موضوع في مبحث.

المبحث الأول : حوالة الحق الشخصي وقاعدة العقد شريعة المتعاقدين

 ينص الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود المغربي على أنه : (الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون)

وتمثل هذه القاعدة مبدأ عاما من المبادئ العامة للقانون تأخذ بها قواعد الدين إلى جانب أحكام القانون الوضعي

مما يستدعي قبل بیان مبدأ وجوب تنفيذ الحوالة بحسن النية إعطاء قراءة في المبدأ المضمن بالفصل 230 من قانون الالتزامات و العقود .

المطلب الأول : قراءة في المبدأ المضمن بالفصل 230 من ق.ل.ع

عبر الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود على أن العقد يمثل قانونا خاصا بالتعاقدين بحيث لا يمكن الغاؤه أو تعديله إلا عن طريق التراضي بين المتعاقدين اللذين أبرماه ومن جهة أخرى تمنع عن كلاهما الخروج عن الرابطة العقدية والتضييق من حدود التعهد

فلا نسمح لمن ابرم العقد الصحيح أن ينقل إلى أحد من الأغيار صفته العقدية أو أن يتحرر منها فان هو فعل فقد أصاب العقد في قوته وجرده من سلطانه

ومن حيث الأصل، فإن عقد الحوالة المنظم بالفصول من 189 إلى 208 من قانون الالتزامات والعقود يتأسس على التراضي بين محيل ومحال له، طبقا للقواعد العامة وطبقا للفصل 189 أعلاه وقد جاء فيه:

“”يجوز انتقال الحقوق والديون من الدائن الأصلي إلى شخص اخر، إما بمقتضى القانون وإما بمقتضی اتفاق المتعاقدين “”

وحوالة الحق تنتقل بمقتضى القانون كما هو الحال بالنسبة للإرث الناتج عن الوفاة أو بمقتضى الاتفاق كما هو الحال بالنسبة للحوالة بين الأحياء

ويعد التراضي أهم ركن في العقد عموما وفي حوالة الحق على وجه الخصوص، وهو ما عبر عنه الفصل 19 من قانون الالتزامات والعقود، وقد صيغ على الوجه الاتي: “الحوالة التعاقدية لدين أو لحق أو لدعوى تصير تامة برضى الطرفين، ويحل المحال له محل المحيل في حقوقه ابتداء من وقت هذا التراضي””

وهكذا فمحل الحوالة طبقا للنص أعلاه يحتاج إلى تراض بين المحيل والمحال له، وهما الدائن الأصلي والدائن الجديد. وعليه: ((فإذا رضی الدائن الأصلي أن يحول حقه الذي في ذمة مدينه إلى شخص اخر، وقبل هذا الشخص الاخر، فقد انعقدت الحوالة، وصار الدائن الأصلي محيلا والدائن الجديد محالا له، وكل ذلك دون حاجة إلى رضا المدين الذي في ذمته الحق، بل هو يصبح هذا بانعقاد الحوالة محلا عليه))

فالدين ليس مطلقا طرفا في الحوالة، ولا تعنيه في شيء قبل تبليغه بها او قبوله إياها في محرر ثابت التاريخ ((والسبب في عدم الحاجة إلى رضاء المدين أن انتقال الحق من دائن إلى اخر ليس من شأنه الإضرار بالدين إضرارا يستوجب تقییم رضائه لانعقاد حوالة الحق . ففي أكثر الأحيان يستوي لدى المدين أن يطالبه شخص أو آخر بالدين اللي في ذمته… ))

ولان الحوالة عقد ينعقد عن طريق التراضي، فإن المشرع لم يشترط فيه شكلا خاصا من حيث المبدأ، ما لم يتعلق الحق محل الحوالة بتصرف شکلي، كعقد التأمين مثلا

والتراضي في مفهومه العام ينحل إلى ايجاب صادر عن طرف قد يكون الخيل او اغلى له وقبول مطابق له صادر من الطرف الاخر

ولأن الحوالة عقد رضائي فيمكن إثباته – مبدئيا – بكافة وسائل الإثبات الممكنة، بما في ذلك الشهادة والقرائن

ولا تحتاج الحوالة إلى التراضي بين طرفيها فقط، وإنما تحتاج أيضا إلى محل وسبب إعمالا للقواعد العامة مع الأخذ بعين الاعتبار بالاستثناءات المنصوص عليها في الفصلين 191 و192 من قانون الالتزامات والعقود

ونكتفي في هذا الصدد بهذه الاشارات البسيطة لأن في القواعد العامة ما يغني عن كل إطناب

المطلب الثاني : وجوب تنفيذ الحوالة بحسن نية

ينص كل من الفصل 1104 من القانون المدني الفرنسي والفصل 231 من قانون الالتزامات والعقود على أن مقتضيات العقد يجب أن تنفذ بحسن نية فحسب الفصل 231 أعلاه: ((كل تعهد يجب تنفيذه محسن نية، وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب بل ايضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون، أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته))

وكما يطبق هذا المبدا على سائر العقود فهو يطبق أيضا بالنسبة لعقد الحوالة

صحيح أن المشرع لم ينص على القاعدة في باب الحوالة، غير أن الأمر يتعلق بمبدا عام لا يحتاج إلى التنصيص علبه وإن كان المشرع قد أشار إلى ذلك في الفصل 231 أعلاه

ويرتبط الفصل 231 من قانون الالتزامات والعقود بتنفيذ العقد عموما وعقد الحوالة على وجه الخصوص،

وسواء قصد بتنفيذ العقد تحديد الالتزامات التعاقدية التي ينشؤها، أم قصد به أداء الالتزامات التعاقدية التي يرتبها، أي سواء تعلق الأمر بالتنفيذ المباشر للعقد أم بالتنفيذ غير المباشر له، فإنه يلزم دائما وأبدا أن يتم ذلك بطريقة تتفق مع ما يوجبه مبدا حسن النية وشرف التعامل ونزاهة القصد، وفي ذلك تقتضي الفقرة الأولى من المادة 148 من القانون المدني المصري بأنه :1 – يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية))،

ومن باب تنفيذ حوالة الحق بسوء نية أن يحول الدائن نفس الدين لأكثر من شخص في آن واحد بتواطيء أو بغير توالي مع المدين بالحق أو أن يحول حقا سقط بالتقدم أو أن يحول حقا لم يعد له وجود لأنه انقضى السبب من أسباب الانقضاء، وهو بعلم بكل ذلك

والإخلال بالالتزام التعاقدي على النحو السابق سواء تعلق الأمر بالحوالة أو بغيرها من العقود الأخرى يرتب مسؤولية تعاقدية يتحملها المحيل الذي حول حقه إضرارا بالتعاقد الأخر، أما الإضرار بالغير عن طريق عقد الحوالة، فإنما يرتب مسؤولية تقصيرية بحكمها الفصلان 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود

ورغم أن المسؤولية العقدية – وبخلاف المسؤولية التقصيرية للمحيل- لا تتصل بالنظام العام، فهي مقبلة بمقتضيات الفصل 232 من قانون الالتزامات والعقود، وقد صيغت كما يلي: “لا يجوز أن يشترط مقدما عدم مسؤولية الشخص عن خطئه الجسيم وتدليسه”

وتكييف الخطأ بالجسيم أو بالتدليس أو بالغش من مسائل الواقع التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع دون أية رقابة من طرف محكمة النقض إلا بخصوص التعليل الذي يجب أن يكون مقبولا.

ومن حالات تنفيذ عقد الحوالة بسوء نية حسب الفصل 191 من قانون الالتزامات والعقود حوالة الحق المتنازع فيه دون موافقة من الدين الحل عليه ومن ذلك ما يستفاد من الفصل 198 من نفس القانون الذي ينص على أنه ” إذا دفع المدين الدين للمحيل أو أنهاه بالاتفاق معه بأي طريق اخر قبل أن تبلغ له الحوالة من المحيل او من المحال له، برئت ذمته مالم يقع منه تدلیس أو خطأ جسيم”

ورغم أن النص يخص سوء نية المدين تحديدا فقد يشترك معه في ذلك كل من المحيل والمحال له، حسب الأحوال وحسب كل نزاع على حدة, وحسب مقتضيات الفصل 477 من قانون الالتزامات والعقود، فإن “حسن النية يفترض دائما ما دام العكس لم يثبت”  ويثبت سوء النية بكافة الوسائل الممكنة بما في ذلك شهادة الشهود والقرائن، لأن الأمر مجرد واقع.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!