حماية قانونية للمقيد حسن النية

حماية قانونية للمقيد حسن النية في ظل القانون العقاري 07-14 و08-39

حماية قانونية للمقيد حسن النية في ظل القانون العقاري 07-14 و08-39

حماية قانونية للمقيد حسن النية :لا شك ان ظام التحفيظ العقاري يمثل إحدى الضمانات المهمة لاستقرار الملكية العقارية و خلق الطمأنينة لأصحاب الحقوق العينية، وهوفي نفس الوقت أداة تساعد القضاء عند البت المنازعات المتعلقة بالمجال العقاري.

ولتحقيق هذا الاستقرار أقر المشرع قاعدة القوة الثبوتية التقييدات كوسيلة حماية قانونية للمقيد وعليه تعتبر هذه القاعدة محورا تدور حوله التشريعات المنظمة للعقار المحفظ سواء منها القانون الخاص بتحفيظ العقارات أو القانون الذي نظم التصرفات التي ترد على العقار بشكل عام أي مدونة الحقوق العينية باعتبارها نصا عاما يشمل العقار بنوعيه المحفظ وغير المحفظ.

فإذا كانت قاعدة تطهير العقار المحفظ من الحقوق العينية السابقة على تحفيظه قاعدة مطلقة بالنسبة لأطراف مسطرة التحفيظ أو غيرهم، فإن الأمر يختلف بالنسبة للتقييدات اللاحقة الطارئة على الحقوق المحفظة، فهي قرينة بسيطة وحجية نسبية بين الأطراف، متى ثبت عدم صحة التصرف وقرر القضاء إبطاله كان ذلك موجبا للتشطيب عليه.

لكن حجية القيد بالنسبة للغير تختلف بين ما إذا كان هذا الغير قد قيد عن حسن نية أو عن سوئها لذلك تطرح الإشكاليات التالية : ما هي الضمانات القانونية التي يعتمد عليها حسن النية لإجراء تقييداته؟ وهل النصوص القانونية كانت متوافقة ومنسجمة في حماية قانونية للمقيد و تمتيع تقييدات حسن النية بالحجية المطلقة؟ وهل مواقف القضاء مستقرة واجتهاداته واحدة تجاه هذه المسالة ؟

المطلب الأول: الضمانات القانونية والقضائية المخولة للمقيد حسن النية

يكتسي القيد بالنسبة للغير حسن النية قوة ثبوتية، بمعنى أن قيود السجل العقارى التي ارتكز عليها مثل هذا الغير تعتبر قيودا صحيحة بحيث لا يتأثر حقه بما يمكن أن يطرا علی من بطلان أو إبطال أو تغيير، وهذا ما نص عليه المشرع وكرسه القضاء لكن هل هذه الحجية للتقييدات حجية مطلقة؟ هذا ما سنتناوله في الفقرتين التاليتين:

الفقرة الأولى : القوة الثبوتية لتقييد الغير حسن النية من خلال القانون العقاري

نص المشرع في الفصل 66 من ظهير 12 غشت 1913 كما عدل وتمم بالقانون 07-14 كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتقييده وابتداء من يوم التقييد في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية. لا يمكن في اي حال التمسك بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير ذي النية الحسنة».

وفي نفس الإطار نصت الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون 08-39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية «أن ما يقع على التقييدات من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المقيد عن حسن نية، كما لا يمكن أن يلحق به اي ضرر، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسب تدليس أو زور أو استعماله شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله أو تغييره أو التشطيب عليه». من خلال هذين النصين، يتبين أن المشرع قد أخذ بمبدأ الاثر الانشائي للتقييد بالرسم العقاري، بحيث استلزم إشهار جميع التصرفات القانونية الواردة على العقارات المحفظة بالسجلات لدى المحافظة العقارية حتى تكتسب تلك الحقوق حجيتها وترتب آثارها القانونية خاصة تجاه الغير حسن النية،

حيث إن حجية القيد بالنسبة له تتجلى في صورتين : صورة إيجابية وصورة سلبية، فالصورة الإيجابية تعني أن كل ما هو مسجل في السجل العقاري يعتبر قائما وصحيحا بالنسبة للغير الذي اكتسب حقه بالاستناد لهذه القيود، اما الصورة السلبية فتعني أن كل ما ليس مقيدا في السجل العقاري يعتبر غير موجود بالنسبة للغير الذي اكتسب حقه بالاستناد البيانات هذا السجل التي لا تنص على التكليف أو الحق الذي يراد إلزامه به. إذن فالغير الذي وثق بما هو مضمن بالسجلات العقارية والشواهد المستخلصة منها، قد وثق بظاهر الأمور وبما هو مقيد بالرسم العقاري وتعامل مع المتعاقد معه كأنه هو المالك الحقيقي وتعاقد على ذلك الساس, هذا الغير ضمن له امشرع حماية مطلقة و بالتالي مكن أن يبطل أو يشطب على ذلك التقييد التابع لإنشاء الرسم العقاري.

لكن حتى يستفيد الغير حسن النية الحماية القانونية لابد من شروط يجب توافرها إضافة إلى شرط حسن النية، يمكن ايجازها في التالي :

– أن يكون التقييد باسم شخص ثالث لا علاقة له بأصل ذلك الحق المقيد بين طرفيه، بمعنى أن لا يكون وارثا لأن الوارث لا يتلقى الحق المقيد اعتمادا على التسجيل وانما باعتباره صاحب حق شرعي.

– ان يكون سند التقييد لهذا الغير صحيحا شکلا-اي مكتوبا وفق ما نص عليه القانون وموضوعا بالا يكون مبنيا على تدليس أو تزویر،

– يجب أن لا يكون التصرف واردا على أملاك الدولة العامة أو حقوق الحبس لأنها مقررة للمنفعة العامة.

فاذا توفرت هذه الشروط وجب استفادة الغير حسن النية من الحماية من البطلان والتشطيب، لكن هذا المبدا رغم أن كلا من قانون التحفيظ ومدونة الحقوق العينية نصا عليه صراحة إلا أن صياغتهما لأحكامه جاءت غير متطابقة فيما يخص تحديد نطاق هذه الحماية من خلال موقفهما من حجية التقييدات المضمنة بالسجل العقاري، فبينما نص الفصل 66 من قانون 07-14 على أن للتقييدات حجية مطلقة تجاه الغير حسن النية من حيث الأصل، وهو ما قد يدفع إلى القول بعدم تصور إمكانية التشطيب على هذه التقييدات، نجد المادة الثانية من قانون 08-39 خففت من هذه الحجية المطلقة فاعتبرت التقييدات المضمنة بالسجلات العقارية لها حجية نسبية خلال أربع سنوات من تاريخ التقييد، وحجية مطلقة بعد مرور أربع سنوات من هذا التاريخ. فهل هذا يعني عدم وجود توافق بين قانون التحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية، وبالتالي يحق لكل ذي مصلحة التمسك فقط بتطبيق الفصل 66 من ق ت ع ام

أن المادة الثانية من م ح ع جاءت مكملة للفصل (66) من القانون أعلاه، وبالتالي يتعين الانصياع لمقتضياتها والامتثال للقانون العقاري ككل لا يتجزأ.

من المؤكد أن المشرع مدعو لإصلاح النصوص بما يخلق الانسجام والتوافق فيما بينها لكن ريثما يفعل ذلك، من الأفضل أن يطبق القضاء الفصل (66) من ق ت ع عع أساس أن تقييدات الغير حسن النية لها حجية مطلقة كقاعدة – لما تحققه هذه الأخيرة من اسقرار المعاملات وخدمة الاستثمار الذي يعد العقار مدخله الضروري – وكاستثناء تطبق المادة 2 من م ح ع في حالة ثبوت سوء نيته خاصة وان حسن نية المقيد دائما مفترض باعتبارها الأصل، فهو مدعى عليه يعفي من الإثبات وعلى الذي يدعي خلاف ذلك أن يثبت ما يدعيه.

الفقرة الثانية : تضارب الاجتهادات القضائية بخصوص حجية تقييد الغير حسن النية

بالرجوع الى القانون العقاري سواء الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري أو المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية لا نجد اي تحديد لمفهوم الغير حسن النية وهوما ساهم في اختلاف الفقه والقضاء حول تحديد هذا المفهوم،

فقد عرف جانب فقهي الغير حسن النية بأنه «هو الذي يجهل العيوب أو الشوائب التي تعيب أوتشوب سند أو رسم من كان تلقى الحق منه يوم تلقي هذا الحق وتسجيله على اسمه في السجل العقاري».

هذا الفقه يرى أن مجرد علم الغير بوجود حق سابق له غير مقيد، أو علمه بالعيوب التي تتعلق بسند الشخص المتعامل معه يجعله سيء النية، ومن ثم فإن تقييده يبقى قابلا للطعن فيه. هذا التوجه أقر به القضاء في العديد من قراراته منها قرار صادر عن محكمة النقض جاء فيه أن «مجرد علم الغير بالعيوب والشوائب التي تشوب سند أو رسم من تلقى الحق عنه يعتبر في حكم سيء النية و بالتالي فإنه يعامل بنقيض قصده، ويحرم من كل حق آل إليه، ولا يمكن التذرع بحجة التسجيل، وفي الاتجاه المعاكس نجد جانب فقهي، الذي يعرف الغير حسن النية بأنه «الذي لا يربطه أي اتفاق تدليسي، أو تواطؤ مع المالك المقيد من أجل إلحاق الضرر بالشخص الذي يطالب بتقييد حقا، ومتى اثبت هذا التواطؤ عن طريق تدخل ارادة الطرفين معا ، فإن الغير المقيد، يكون سيء النية يواجه باثار التشطيب على حقه من السجلات العقارية».

فلتحقق سوء النية لا يكتفي بمجرد العلم البسيط بالتصرف السابق بل لابد من أحلى هدم هذه القرينة- من ثبوت العلم الأكيد المصحوب بالتواطؤ بين المشتري الثاني والبائع للإضرار بالمشتري الأول. وفي نفس السياق صدرت قرارات قضائية تعتبر أن مجرد علم المشتري الثاني بالشراء الأول لا يكفي لاستخلاص سوء النية، بل استلزمت توفر عنصر التواطؤ والتدليس كي يتم التشطيب على عقد البيع من الرسم العقاري على أساس أن العقار المتنازع بشأنه تم تفويته لفائدة شخص آخر، وهو نفس ما أقرت به محكمة الاستئناف بالرباط” حيث اعتبرت أن القوة المطلقة للتسجيل في السجل العقاري لا يمكن اثارتها من طرف الغير سيء النية، واظهار الضرر المشوب بعيب التدليس يؤدي الى ابطال التسجيل المتخذ في البيع الثاني الصالح متصرف اليه سابق حسن النية لم يستطع نتيجة الظروف أن يسجل حقه.

نظرا لصعوبة استخلاص حسن نية الغير المقيد، حاول القضاء إثبات سوء نيته باعتماد طريقتين مادية وقانونية، فبالنسبة للاثبات المادي اعتمد شهادة الشهود للاستدلال على حصول التواطؤ بين المشتري الثاني والبائع للاضرار بمصالح المشتري الأول كما اعتمد القرائن القضائية خاصة القرابة التي تربط بين شخصين متواطئين، ففي قرارات عدة اعتبر القضاء وجود علاقة الزوجية قرينة على وجود تواطؤمن أجل حرمان المشتري الأول من حقه، وقضى بالتشطيب على البيع الثاني من الرسم العقاري على الناس أن الزوجة المقيدة تعتبر غيرا سيء النية

وفي قرارات اخرى استبعدت قرينة القرابة على أساس أن الزوج لا يفترض فيه حتما ان يعرف البيع القائم بين الزوجة والمشتري الأول، إذ الأصل أن حسن النية يفترض دائما الى ان يثبت العكس،

إلى جانب الاثبات المادي، اعتمد القضاء الاثبات القانوني كالتقييد الاحتياطي بالرسوم العقارية الذي اعتبره قرينة لنفي حسن النية ذلك أن كل شخص عمد الى التصرف بالشراء أو غيره في عقار محفظ وكان ذلك العقار وقت التصرف مثقل بتحمل تقييد احتياطي، فإنه لا يمكنه أن يتمسك بحجية التقييد في حالة ما إذا تقدم صاحب التقييد الاحتياطي بتقييد حقه

ومن المعايير التي يستند عليها القضاء كذلك لمعرفة سوء النية، نجد التصرفات التي يجريها المدين في الفترة السابقة لصدور الحكم القضائي بفتح مسطرة المعالجة أو مسطرة التسوية القضائية للمقاولة أو ما يسمى بفترة الريبة المنصوص عليها في المادة 679 من مدونة التجارة والتي يتوقف فيها المدين عن الدفع، ففي هذه الفترة يكون هناك شك حول التصرفات الصادرة عن المدين، فإذا كان المفوت له على علم بالوضعية القانونية التي عليها المفوت وهي خضوعه لفتح مسطرة صعوبة المقاولة بعد توقفه عن الدفع فإنه في هذه الحالة يمكن القول بسوء نيته بل حتى تواطؤه مع المدين، ومن تم يمكن الإحتجاج ضده بذلك ، والتشطيب على جميع الحقوق التي انتقلت إليه من هذا الأخير خلال تلك الفترة والتي تم تقييدها بالرسوم العقارية

من خلال القرارات القضائية المذكورة سابقا وغيرها يتبين أن القضاء المغربي تارة يسير في اتجاه حماية تقييدات حسني النية وتارة أخرى يتيح إمكانية الإبطال أو التشطيب على تلك التقييدات في حالة توفر قرائن يستدل بها على سوء نية صاحب الحق المقيد، والسبب في هذا التضارب في القرارات راجع إلى كون حسن النية فكرة غير محددة يشوبها غموض، كما أن هذا المفهوم قد يختلف من حالة إلى أخرى لأنه ذو طبيعة ذاتية في أصله لكونه عنصر نفسي داخلي، إذ لا يمكن تقدير حسن النية إلا بالرجوع إلى ذات الشخص وبصدد واقعة معينة ،

لذلك فإن إستخلاص سوء النية مسألة تندرج ضمن السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع. فهل توسع القضاء بسلطته التقديرية في إعطاء تقييدات حسني النية القوة الثبوتية اللازمة وسعى إلى حماية هؤلاء المقيدين أم عكس لك؟ وهل توفق في معايره المعتمدة لتحديد سوء نية الغير المقيد الذي لا يستحق الحماية؟

ما دام أن مفعول التقييد الاحتياطي منتجا لاثاره القانونية بل حتى لو لم يطلع عمليا على هذا القيد، لأن المشرع افترض علم الغير بالوضعية الحقيقية للعقار بعد احداث القيد. لكن القضاء في قرارات اخرى لم يعتبر التقييد الاحتياطي قرينة مطلقة على اثبات سوء النية وانما نسبية فقط لانه مرتبط بمدد محددة إذا لم يتم داخلها تحويل التقييد الاحتياطي الى تقييد نهائي فان سوء نية الغير تنتفي ويكتسب تقييده حجية مطلقة.

إلى جانب التقييد الإحتياطي نجد القضاء يعتبر أيضا وجود حجز عقاري بالرسم العقاري معيارا لسوء نية صاحب الحق المقيد، فوجود حجز تحفظي أو تنفيذي بالرسم العقاري يمنع كل تقييد لاحق لتاريخ تقييد الحجز، فقد جاء في قرارها المحكمة النقض «.. إن التفويت تبرعا أو بعوض مع وجود الحجز يكون باطلا وعديم الأثر.. وبذلك تعتبر الموهوب لها سيئة النية ولا يمكنها الإستفادة من حجية التسجيل بالإستناد إلى أن التصرف قد تم تسجيله وأنه لا يمكن ابطاله، ذلك أن قاعدة ثبات التصرف وعدم إبطاله مقررة لصالح حسن النية فقط وهو ما يستفاد من المفهوم المخالف للفقرة الثانية من الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري»..

لكن في قرارات أخرى اعتبر تصرف المالك الأصلي الذي هو المدين لفائدة الغير دون أن يكون هذا الأخير يعلم بالحجز غير المقيد بالرسم العقاري وبادر إلى تقييد حقه صحيحا ما دام أنه لم يثبت علمه بالحجز فهو حسن النية.

أعتقد أن الإجابة بالنفي تكون أقرب إلى الصواب، فالأجدر أن يعتمد القضاء على وسائل قطعية في اثبات سوء نية الغير، وتحديدها في التدليس أو التزوير المرتكب من قبل الغير المقيد توافقا ما نصت عليه مدونة الحقوق العينية في مادتها الثانية كاستثناءات واردة على الحجية المطلقة لتقييدات حسني النية.

المطلب الثاني: الإستثناءات التي تحد من الحجية المطلقة لتقييدات حسن النية

اذا كان تقييد الغير حسن النية يكتسب قوة ثبوتية غير قابل لإبطاله أو تغييره أو التشطيب عليه فإن هذا المبدأ ترد عليه إستثناءات منها ما يتعلق بحالة ثبوت التدليس أو التزوير أو استعماله حيث لا مجال في هذه الحالات لاحتجاج الغير بالحجية المطلقة لتقييده، ومن هذه الاستثناءات أيضا عدم مضي أجل محدد في أربع سنوات من تاريخ التقييد لرفع دعوى الإبطال أو التشطيب على التقييدات في حالة ثبوت التدليس أو التزوير.

الفقرة الأولى: التدليس والتزوير ينفيان حسن النية

أولا – التدليس

لقد نص عليه المشرع المغربي كعيب من عيوب الإرادة التعاقدية في الفصل 52 من ق ل ع دون أن يحدد له تعريفا، غير أن الفقه عرف التدليس بأنه إستعمال خديعة توقع الشخص في غلط يدفعه للتعاقد.

فالتدليس لا يقوم إلا بإستعمال وسائل إحتيالية من طرف المدلس ساهمت في إجراء تقييد على العقار من طرف الغير حسن النية مما تسبب في ضرر لصاحب حق غير مقيد بالرجوع إلى المادة الثانية من م ح ع نجد أن المشرع لم يوضح بشكل كاف حالة التدليس كإستثناء من الحجية المطلقة للتقييدات، هل هو تدليس المالك الأول للعقار أم تدليس صاحب الحق المقيد الذي يفترض فيه حسن النية؟

فإذا كان صاحب الحق المقيد حسن النية لم يثبت في حقه أي تدلیس بل تفاجأ بإبطال تقييد حقه والتشطيب عليه بالرسم العقاري بدعوى تدليس البائع على صاحب الحق، فهنا مبادئ الإنصاف والعدالة تقتضي عدم تحميله تبعات خطأ لم يرتكبه، فالأولى أن يتمتع تقييد طالما أن القانون مكن صاحب الحق : المقيد من إقامة دعوى شخصية قصد المطالبة بالتعويض، وتفاديا لإختلاف الإجتهادات القضائية في هذه المسألة يتعين تتميم المادة الثانية من م ح ع بما يفيد إعطاء مفهوم للتدليس حماية للمقيد حسن النية وحفاظا على استقرار المعاملات العقارية

ثانيا – التزوير

إلى جانب التدليس نصت المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية على التزوير واستعماله والمشرع عرف جريمة التزوير في الأوراق في الفصل 351 من القانون الجنائي بما يلي: «تزویر الأوراق هو تغيير الحقيقة فيها بسوء نية تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع في محرر بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون»، أما استعمال الورقة المزورة فهي جريمة مستقلة بذاتها عن التزوير وكلتا الجريمتين – التزوير وثبوت إستعمال الورقة المزورة- تكون نتيجتهما إبطال تقييد الغير حسن النية والتشطيب عليه من الرسم العقاري.

فحسب المادة أعلاه، لا يمكن التمسك بمبدأ حسن النية في التقييدات إذا ثبت أن السند المؤسس للتقييد أو أصل المعاملة كان موضوع تزوير أو استعماله.

والقضاء أقر بنفس الموقف في قرارات عدة لكن في قرار لمحكمة النقض جاء فيه «إن تقييد التصرفات والحقوق في الرسوم العقارية، قرينة لفائدة الغير حسن النية على صحتها، وليس هناك ما يستثني حالة البطلان بسبب ثبوت التزوير في عقد وقع تقييده ويبقى للغير المقيد عن حسن نية إستنادا عليه والأجنبي عن هذا العقد حق التمسك بمقتضيات الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري، وتكون المحكمة بالتالي مدعوة للبحث في حسن أو سوء نية هذا الأخير لترتيب آثار تقييده».

ومن خلال هذا القرار حاولت محكمة النقض الإنتصار لمسألة حماية المقيد بحسن نية أقرت أن هذا الغير يكتسي تقييده حجية مطلقة في مواجهة الكافة منذ تاريخ قیده بالسجلات العقارية، لأن تسجيل الحقوق والتصرفات في الرسوم العقارية يعتبر قرينة لفائدة الغير حسن النية على صحتها ولو تعلق الأمر بطلب التشطيب للتزوير.

رغم أن مقتضيات هذا القرار غير مستساغة بكثرة على مستوى الإجتهاد القضائي، الا أن تكريس مثل هذا القرار يحقق استقرار المعاملات العقارية، لذلك يتعين تتميم المادة الثانية من م ح ع بما يفيد إعطاء مفهوم ضيق للتزوير واعتباره ضابطا يدل على سوء النية إذا إرتكبه المقيد أما إذا كان مرتكبا من قبل المالك الأصلي للعقار أي المفوت، فهنا يجب مراعاة المقيد حسن النية الذي يعتبر غيرا أجنبيا – عن العقد المبرم بين المالك الأصلي للعقار والمفوت له غير المقيد – ولا دخل له في الجريمة وهو الأولى بالحماية.

الفقرة الثانية: تعليق الحجية المطلقة للتقييد على أجل محدد

بالرجوع إلى الفقرة الثانية من المادة الثانية من مدونة الحقوق العينة نجدها تنص على التالي: «.. إن ما يقع على التقييدات من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المقيد عن حسن نية، كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسبب تدليس أو زور أو إستعماله شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله أو تغييره أو التشطيب عليه».

من خلال هذا النص يتضح أن المشرع قد زاوج بين الحجية النسبية والحجية المطلقة، وجاءت مقتضيات هذه المادة لمواجهة الإستعمال السيء لمبدأ حجية التقييدات بأن جعلت له مدة محددة في أربع سنوات من تاريخ التقييد، بمرورها يصبح المقيد حسن النية محميا من كل مطالبة الفضائية قد تؤثر على مركزه القانوني كصاحب حق عيني. فواجهت بذلك ما سبق وأن حكم به القضاء من تشطيب على التقييدات  بالرسوم العقارية دون مراعاة حسن نية الغير ودون الأخذ بعين الاعتبار مضمون الفقرة الثانية من الفصل 66 من ظ.ت.ع، لذلك جاءت المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية لتجعل لتقييدات الغير حسن النية وضعان: إما تقييدات لها حجية نسبية للمقيد حسن النية خلال أربع سنوات من تاريخ التقييد، أو تقييدات لها حجية مطلقة بعد مرور هذا الأجل.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!